أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on قراءة في كتاب “الربيع العربي والتغيير، سؤال المستقبل”.

قراءة في كتاب “الربيع العربي والتغيير، سؤال المستقبل”.

محمد مستعد

نظم مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية CERSSبشراكة مع المؤسسة الألمانية المغاربية للثقافة والإعلام MagDe قراءات في كتاب جماعي بالعربية والألمانية بعنوان: ” الربيع العربي والتغيير، سؤال المستقبل ” بمناسبة ندوة احتضنها معهد الإعلام والاتصال ISIC بالرباط بمشاركة أساتذة من المغرب وتونس.

الكتاب الصادر مؤخرا ساهم فيه باحثون وصحفيون عرب وألمان من بينهم المفكر والرئيس التونسي السابق منصف مرزوقي، وهدى صالح، وراينار هيرمان، وحسام الدين درويش، وعبد الله ساعف ومنصف السليمي وغيرهم.

رئيس مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية عبد الله ساعف اعتبر أن ما يميز الكتاب هو تناوله لما جرى من أحداث خلال “الربيع” وكذا لامتداداتها الحالية من خلال مواقع وجغرافيات مختلفة. فهو يتناول الأوضاع في تونس التي تعيش “ليس ثورة مضادة ولكن نوعا من الانسداد والتراجع”، حسب تعبيره، كما يدرس الوضع في ليبيا التي تعرف “تطورات معقدة”، إلى جانب دراسة حالات دول أخرى مثل اليمن والسودان .. عبر متابعة “مساراتها وتركيباتها الاجتماعية المختلفة” والتركيز على قضايا متعددة مثل: الشباب، والمرأة، والفاعلين الاقتصاديين..

واعتبر ساعف أنه منذ 2011 كانت هناك وقائع وتحولات متقطعة ومتتالية. بحيث كانت هناك مظاهر تحديث ثم تراجعات وعودة للتقليد بشكل يمتد ويختفي ثم يعود ليبرز من جديد. وتسائل في مقدمته للكتاب: “هل كان الأمر يتعلق بديناميات غير عادية خارجة عن المألوف، وبظروف استثنائية تشكل قطائع؟” وبالتالي “هل ينبغي أن نواصل تقديم حصائل مرحلية لهذه الأحداث من منظور العلوم الاجتماعية وهو ما تم عدة مرات منذ انطلاقاتها الأولى؟” وقد خلص إلى أنه “بعد مرور أكثر من عشر سنوات، يبدو أنه ما زال من المشروع إثارة تساؤلات حول طبيعة المسارات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أحدثها الربيع العربي باسم الدفاع عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومكافحة سوء الحكامة والرشوة”.

من جانبه، أوضح الصحفي والباحث التونسي منصف السليمي رئيس المؤسسة الألمانية المغاربية للثقافة والإعلام أن هذا الكتاب هو ثمرة لقاء بين مثقفي المغرب العربي في ظرفية صارت مثل هذه اللقاءات نادرة برأيه. وقد جاء الكتاب بمبادرة من هذه المؤسسة التي تحتضن في ألمانيا عددا من الكفاءات التونسية المقيمة في هذا البلد. وأبرز منصف السليمي أن الكتاب يتضمن أبحاثا تم إعدادها وفق معايير علمية إلى جانب مداخلات ألقيت خلال ندوة علمية في ماي 2022 بمناسبة مرور 10 سنوات على الربيع العربي. وهي أبحاث تتميز باعتماد مناهج مختلفة: تاريخ، اقتصاد، علوم اجتماعية مختلفة.. في وقت يلاحظ الباحث أن ما تنقله وسائل الإعلام عن أحداث “الربيع” يتميز “بتقييمات غير علمية تطغى عليها نظرية المؤامرة”.

وتوقف منصف السليمي عند كيفية متابعة الدول الأوربية لأحداث الربيع حيث كانت تهتم بها من زاوية ما يمكن أن يحصل من تغيير وتحديث في المنطقة العربية، ومن منظور رعاية الحقوق الليبرالية عبر تعزيز أدوار الجمعيات مثلا، إلا أن الأوربيين سجلوا، حسب الباحث، أن هذه الأحداث أفرزت أيضا قوى متضاربة ومتصارعة: محافظة، عشائرية… وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الفاعلين والمكونات الراعية للقيم الليبرالية، وحول ما سيجري في السنوات القادمة بشكل عام. كما تحدث منصف السليمي عن الاهتمام الذي حظيت به القوى الإسلامية على اعتبار أنها كانت بمثابة “فاعل ثابت”، كما أنها كانت “موضوعا خلافيا وموضوع انقاسمات” نتيجة بروز نقاشات حول قضية الهوية مثلا. وهو ما يطرح، برأي الباحث، تساؤلات حول مدى مساهمة الإسلاميين في تقوية التيارات المتطرفة والإرهابية وحول مستقبل الإسلام السياسي؟ وهل يمكن أن تتحول هذه القوى السياسية إلى تيارات مدنية علمانية؟ و هل لديها بدائل اقتصادية؟

وأوضح عبد الحق الزموري مدير دار النشر التونسية “ارتحال” أن الكتاب يطرح تساؤلات مهمة حول الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة، وحول أدوار الفاعلين في أحداث الربيع من مثقفين ورجال أعمال ومجتمع مدني ومؤسسات إعلامية وأمنية. كما يطرح أهمية سؤال الآفاق. واعتبر الزموري أنه لا ينبغي التركيز فقط على الإسلام السياسي ومكانته وأدواره، ولكن ينبغي، برأيه، أن تطرح تساؤلات حول مختلف الفاعلين. وقد سجل أن النخبة في سياق هذه الأحداث “أفرزت لنا تيارات شعبوية”، إلا أنه أكد على أنه ليس متشائما بخصوص مستقبل المنطقة. ويتضمن الكتاب دراسات عن أحزاب إسلامية معروفة مثل حركة النهضة في تونس التي يصفها منصف المرزوقي بأنها “حزب ديمقراطي بامتياز”، ودراسة عن حزب العدالة والتنمية في المغرب. وقد أعلن عبد الحق زموري أن هناك مجهودا لإصدار ترجمة انجليزية للكتاب الذي سيكون موجودا في المكتبات المغربية في الأيام المقبلة.

وأوضح الأستاذ علي كريمي من مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية أن قراءته للكتاب دفعته إلى التفكير في إجراء مقارنات بين ما جرى في 2011 وما جرى في الماضي خلال الخمسينيات وما نتج عن ذلك من تداعيات خاصة على النظام العربي. حيث اعتبر أن ما نعيشه اليوم يجسد ” مخاضات الوهن والترهل الذي يعرفه هذا النظام “. وقد ظهرت مؤشرات ذلك المخاض، برأيه، منذ حرب الخليج الأولى في 1979 وهو ما أدى إلى انهيار الوحدة العربية والنظام الاقتصادي، وحلت شعارات مثل نهاية العروبة والقومية. وتوقف الباحث بالخصوص عند المقارنة بين أحداث الربيع في 2011 وثورة 1952 في مصر التي شكلت أيضا تحولا مهما برأيه. ليخلص إلى أن هناك تشابها وتنافرا في ما يخص طبيعة النزاعات والصراعات. فخلال أحداث 2011 ظهرت، حسب علي كريمي، كل من السعودية والإمارات كطرفين رئيسيين في الصراع، أما في الخمسينيات فكانت مصر هي التي توجد في قلب الصراعات. كما لا حظ أن هناك اليوم هيمنة لليبرالية المتوحشة عكس الاقتصاد الموجه والتأميمات التي كانت سائدة في السابق. كما لاحظ تراجع الدولة الاجتماعية وخفوتها مما أدى إلى انتشار البطالة وتراجع الخدمات الصحية وتغول الدولة القمعية.

يرى علي كريمي أن ثورة 1952 كانت تسعى إلى بناء الدولة الأمة. أما أحداث الربيع العربي فكانت تهدف إلى بناء الدولة الديمقراطية عبر احترام التعددية. لكن الاثنتان لم تنجحا مما أدى إلى تفتيت النظام الإقليمي العربي كما نلاحظ ذلك في سوريا والسودان وليبيا وغيرها، ومن خلال ظهور قوميات الأكراد والأمازيغية… مع بروز محور محافظ تتزعمه السعودية والإمارات، وتراجع ظاهرة القيادات السياسية العربية ذات القدرة على إبرام التصالحات.

من جهته، توقف عبد الجبار عراش أستاذ العلوم السياسة، مدير مجلة “حوارات”، عند مفاهيم مثل الثورة والثورة المضادة ليسجل أن من بين مؤشرات الثورة المضادة بروز انقسام للنخب وغياب للرغبة في التغيير وزعزعة الاستقرار، وتدخل القوى الأجنبية. كما سجل بخصوص الدراسات التي تناولت الحركات الإسلامية، أن هناك تباينات في استعمال المصطلحات من قبل الباحثين: “إسلامية” – “إسلاموية” – “حركات متطرفة”.. مضيفا أن أحد الباحثين يعرف الإسلاميين بالقوى التي ترفض القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية.

وتناول الباحث أيضا موقف الغرب من أحداث الربيع وتدخلاته التي كانت ترمي فقط إلى خدمة مصالحه، حيث جاء في إحدى الدارسات توصيف لهذا التدخل كما يلي: ” لقد تم إركابنا في المركب الخاطئ. أردنا أن نرى ما لم يكن موجودا، ولم نر ما حدث”. أما الباحث منصف المرزوقي فيرى في الكتاب أن “الغرب أنواع” وأنه لا ينبغي التعميم لأن الدول الغربية تعاملت حسب أشكال مختلفة مثل: التطبيع – الاعتذار الضمني – رفع اليد عن شؤون المنطقة… وسجل عبد الجبار عراش عموما عدم التزام الاتحاد الأوربي، مثلا، بالمعايير التي وضعها هو نفسه وأن القوى الغربية لم تقدم الدعم لثورات الربيع، وانحازت للاستقرار من منظروها ومصالحها الخاصة.

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on محمد محفوظ: الانسان في رؤية الدكتور علي شريعتي

محمد محفوظ: الانسان في رؤية الدكتور علي شريعتي

الدكتور علي شريعتي في الساحة الإيرانية أحد مفكري المشهد الثقافي والفكري الإيراني، وأن الدكتور ساهم في تعبئة الجمهور الإيراني للقيام على النظام الديكتاتوري البهلوي السابق.. ونظرة فاحصة إلى المشهد الإيراني، يكتشف المرء فيه أن هذا المشهد عاش مجموعة من الحركات الاستقلالية الإسلامية، التي تطالب بالاستقلال والخروج من كتب الأنظمة الاستبدادية وقد توجت هذه الحركات بحركة الامام الخميني الذي تمكن عبر ثورته من اسقاط الشاه وتفكيك كل الوقائع والحقائق السياسية والاقتصادية والثقافية الداعمة لنظام الحكم الاستبدادي والعمل مع النخبة السياسية الجديدة على بلورة آفاق الثورة في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية..
وكان الدكتور علي شريعتي أحد رواد الثورة التي ضخ فيها الفكر والتصورات الثورية التي حررت الإنسان من جموده وانهزاميته ومواقفه السلبية، وحولت هذه الأفكار إلى مشروع رافض للديكتاتورية ومحارب للاستبداد ومؤيد لخطاب الثورة التي انتصر فيها الشعب الإيراني على جلاديه.. (ومنذ بداية الأربعينات وحتى سقوط مصدق (1953م) اكتسح التيار الوطني الديمقراطي المتمثل أساسا بخط مصدق والجبهة الوطنية، ساحة النضال الوطني في البرلمان والشارع على حد سواء..وخلالها أيضا، ظلت أغلبية الفئة العليا من المؤسسة الدينية غير فعالة في الكفاح السياسي، لكننا مرة أخرى، نجد جناحا من المؤسسة يتعاون مع مصدق، وكان الرمز البارز لهذا الجناح، هو آية الله الكاشاني، الذي بدأ نشاطه السياسي عندما عاد إلى إيران من النجف الأشرف (1946م)، ثم تصدر الدعوة إلى التطوع للجهاد دفاعا عن فلسطين.. وبالرغم من أن دعوته لم تلق نجاحا يذكر، بسبب الموقف الرسمي للحكومة، إلا أنها اكسبته شعبية كبيرة، ما أعطى لتحالفه مع مصدق أهمية بالغة، فكان هذا التحالف أهم عماد لجهود الحركة الشعبية، كما كان انتهاؤه أهم عامل في سقوطها، فعندما اختلف الكاشاني مع مصدق ووصل بموقفه حد معاداته، جرى استغلال هذا الموقف من قبل بقايا نظام الشاه ومنظمي انقلاب 1953 م ضد حكم مصدق..


خلال فترة امتدت أكثر من أربعين عاما – من نهاية الثورة الدستورية وإلى الخمسينات -، عاشت الحركة الإسلامية مرحلة انحسار نسبي، وتراجع الدور القيادي والفاعل للتيار الإسلامي، وبالرغم من الرموز النضالية البارزة التي شهدتها هذه الفترة (كوتشك خان، خيابابي، المدرس، الكاشاني – حتى 1953 م)، إلا أن القسم الأكبر من المؤسسة الدينية، خصوصا قمتها، ظلت غير نشيطة في النضال السياسي).. (1)
ولعل ما يميز علي شريعتي أنه اعتنى بالإنسان وعمل عبر محاضراته المتنوعة إلى بث الروح والعزيمة في حياة الإنسان العادي.. وبهذا الجهد هو الذي حول غالبية الشعب الإيراني إلى قوة ضاربة بيد الحركة الإسلامية لتقويض النظام الديكتاتوري الشاهنشاهي.. (شهدت الستينات من القرض الماضي – وهي الفترة التي شهدت بروز دور شريعتي، تحولات هامة في الوضع السياسي بإيران، وفي مسيرة الحركة الوطنية الإيرانية.. ففي أوائل الستينات، بدأ الشاه عهد الانفتاح السياسي، الذي رأى منظروه بأنه ضرورة حيوية لمزيد من الانفتاح على الغرب.. فمجموعة السياسات الإصلاحية التي اتبعها الشاه في مجال الاقتصاد والمجتمع، استهدف تعميق تبعية إيران وتغريب اقتصادها وحياتها الاجتماعية أكثر فأكثر.. لذلك رأى أيضا منظرو الشاه، أن هذه السياسة تحتاج إلى مزيد من الليبرالية في الحياة السياسية..
لقد كانت تلك الفترة، فترة رسملة الريف وإنشاء الشركات الزراعية الكبرى، وتوسيع الاستثمارات الأجنبية في إيران، وإعطاء حقوق الحصانة للأمريكيين، وتضخيم مؤسسة الجيش وجعلها أكثر ارتباطا بالولايات المتحدة، ورافق ذلك أيضا إجراءات اجتماعية، شكلت بمجملها تغييرات هامة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الإيراني..
وهكذا أصبح النضال ضد التبعية، وضد التغرب محور النضال الوطني آنذاك، بعد أن بدأ الوعي العام لخطورة تلك السياسة يزداد تبلورا..
إن ذلك، يفسر إلى حد كبير، تراجع دور الجبهة الوطنية الثانية وسقوط أطروحتها: ” نعم للإصلاحات لا للاستبداد “، ويفسر أيضا، أحد أهم أسباب النهوض الإسلامي الذي شهدته إيران بداية الستينات، والذي كان بروز الامام الخميني وتكوين حركة تحرر إيران من أهم علاماته..
إن التمسك بالإسلام، كعنوان للأصالة، وسياج يحمي الاستقلالية، وأيدلوجيا معبئة في الكفاح الوطني المناهض للسيطرة الأجنبية، برز بوضوح خلال تلك الفترة.. فكما كان الشاه – السائر على خطى أبيه رضا شاه – يعرف خطورة الإسلام في إيران،وضرورة إضعاف مواقعه أو مسخه وتشويهه، من أجل تسهيل عملية تغريب إيران، فإن قطاعات هامة من الحركة السياسية ومن الجماهير، بدأت هي الأخرى تعي أهمية الإسلام كسلاح مضاد فعال، وكأفضل إطار لخوض نضالات المرحلة..
وبالرغم من أن النضالات التي خاضها الإمام الخميني، وحركة تحرر إيران – والتي كان محورها النضال ضد السيطرة الأجنبية وإصلاحات الشاه وإعطاء حقوق الحصانة للأجانب و……، قد انتهت إلى انتكاسة مفجعة في سنة 1963 م، انهت النضال العلني للحركة الإسلامية، وأدت إلى اعتقال قادتها ونفيهم، إلا أنها أنهت أيضا أسطورة سياسة الانفتاح، والأوهام التي علقتها تيارات أخرى على تلك السياسة.. لكن التمسك بالإسلام وبالتيار الإسلامي ازداد بعد 1963 م ولم يضعف..
منذ 1963 م، جمد قادة الجبهة الوطنية الثانية نشاطهم السياسي مرة أخرى، فأوجدوا بذلك ارتباكا وتشتتا كبيرين في قواعد الجبهة.. وقد ظلت تنظيمات الجبهة الوطنية في الخارج – أوروبا وامريكا – هي الوحيدة التي تنشط، والتي كانت لها مواقفها المتميزة، حتة أثناء تلكؤ قيادة الجبهة (1960-1963 م) إلا أن تنظيمات الخارج هذه، توزعت اتجاهاتها ونشاطاتها بعد 1963 م، فالقسم الأكبر من الطلبة، اتجهوا نحو مواقف يسارية أو أقرب إلى اليسار وهم، وأن ظلوا عامين باسم الجبهة الوطنية في الخارج، إلا أن خطهم السياسي، في الواقع، كان قد اصبح غريبا على تراث مصدق والجبهة الوطنية، وكانت هذه التنظيمات قد أعلنت في أواخر السبعينات، تحولها فعلا إلى تنظيمات شيوعية وتخلت عن اسم الجبهة..
أما المؤسسة الدينية، فقد استمر الصراع فيها بين اتجاهات مختلفة، كان أهمها اتجاهان: أحدهما يقوده الامام الخميني، ويدعو لتثوير المؤسسة ولتصدرها للكفاح الوطني المناهض للاستعمار، والإيمان بأن الإسلام هو رسالة دائمة وثورة دائمة، وهو دين سياسة وعبادة، وأن الكفاح السياسي هو من صلب واجبات المسلمين، ومن باب أولى علماء الدين، اما الاتجاه الآخر، فقد مثله بعض الفقهاء مثل شريعتمداري، وكان يدعو إلى الحفاظ على قدسية المؤسسة الدينية وكرامتها وذلك بعدم توريطها في نزاعات الدنيا وفي الصراعات السياسية. إن هذا التيار حاول إبقاء المؤسسة الدينية منزوية عن الكفاح السياسي، رغم تحفظاته وانتقاداته للنظام السياسي ولبعض سياسات السلطة، خصوصا السياسات الاستبدادية. وكان هذا التيار في المؤسسة الدينية، أقرب إلى مواقف الوطنية الثانية، رغم أنه لم ينشط، حتى في تلك الحدود، بل حاول تحييد المؤسسة الدينية وعزلها، حتى الشهور الأخيرة قبل انتصار الثورة الإيرانية.
بعد نفي الإمام الخميني واعتقال عدد من علماء الدين، تراجع دور الاتجاه الذي مثله، بينما ساد التيار الآخر في المؤسسة الدينية طوال الفترة الممتدة من (1963 إلى 1979م)، أي إلى أن حسمت الحركة الشعبية المعركة لصالح تيار الإمام الخميني.
إن الفترة التي نشط فيها شريعتي داخل إيران – منتصف الستينات إلى 1977م- كانت فترة تشتت وانحسار الحركة الساسية المنظمة، فترة اختمار النهوض الإسلامي، فترة صراع الإيديولوجيات في الحركة السياسية. لكن هذه الفترة، لك تكن انحسارا مطلقا ولا فراغا حقيقيا، فهي لم تخل من نضالات وطنية منظمة، حيث نشطت منظمات، مثل مجاهدي الشعب وفدائيي الشعب في العمل المسلح، وإن كان ذلك العمل قد اتسم بطابع العمليات المحدودة والاغتيالات. كما جرت محاولات عدة لبناء منظمات سياسية سرية. إلا إنه يمكن القول إن أسبابا عدة – منها منهج الحركة السياسية المنظمة وطبيعة تكونها وأساليب عملها، وكذلك القمع المنظم الذي مارسته أجهزة الشاه-، حاولت دون تكون أي حركة كبيرة منظمة في الستينات وأوائل السبعينات. لذلك جرى التمهيد الأساس للثورة الأخيرة خارج أطر التنظيمات السياسية التقليدية. أي أنه جرة أساسا، ضمن وسائل التعبئة والتنظيم والتحريض التي وفرها الإسلام والمراكز الإسلامية (مساجد وحسينيات)، وضمن أسلوب تكون المؤسسة الدينية(الهيكلية التنظيمية للمرجعية الدينية للشيعة، والمدارس الدينية بشكل خاص). ولكن، وقبل ذلك كله، كانت عملية التعبئة الفكرية، والكفاح الذي خاضه علي شريعتي وآخرون على صعيد أكثر شمولية، صعيد الإيديولوجيا والفكر، هو الذي مهد فعلا – إلى جانب أسباب أخرى- للنهوض الإسلامي المنظم في ما بعد، وللحركة الشعبية التي ساهمت في الثورة الإسلامية.
لقد بدأ علي شريعتي حياته السياسية بالإسهام في النهوض الشعبي الذي قاده مصدق، ثم كعضو في حركة المقاومة الوطنية عام 1945م، ثم كعضو في حركة تحرر إيران عام 1961م، ومؤسس لفروعها في أوروبا. لكن دوره الأساس كان في مجال الفكر، والواقع أنه انتبه إلى أهمية هذه الناحية في فترة مبكرة، عندما كان يساهم في نشاطات مركز نشر الحقائق الإسلامية الذي أسسه والده. وقد نظم شريعتي بنفسه حلقات للدراسة والنقاش في المدرسة الثانوية التي كان يدرس فيها، ثم في الجامعة.
وتعتبر فترة دراسته في الخارج، ومعايشته لظروف الانتكاسة والتشتت بعد العام 1963م، فترة تبلور أفكاره وتحديد أسلوب عمله، وبالرغم من أنه بدأ حياته السياسية ضمن تيار بارز كان-الطالقاني، إلا أن أطروحاته الفكرية في ما بعد، تجاوزت هذا التيار وآفاقه. فعد أن درس في فرنسا الفلسفة وعلم الاجتماع وتاريخ الأديان، واحتك بالمدارس الفلسفية الأوروبية وبحركات التحرر العالمية -خصوصا الجزائرية-، كون منظومة فكرية متكاملة و وجهة نظر شاملة حول الدين والسياسة وتاريخ الشيعة. ووضع لنفسه رسالة مؤداها، تنقية الدين الإسلامي من شوائب عهود الانحطاط والتخلف، وجعله -كما كان في الأصل- ثورة اجتماعية، لذلك سعى إلى أن يجعل مفهومه للإسلام إطارا للثورة الإيرانية.
كان شريعتي يريد من خلال العودة إلى أصالة الإسلام، بناء منظومة أيديولوجية وفكرية كاملة، تشق طريقها كخط ثالث بين الأيديولوجيتين الماركسية والبرجوازية (الليبرالية). لكنه كان يائسا بشكل مطلق من المؤسسة الدينية القائمة. لذلك استهدف بناء شيء جديد تماما، شيء ينهض من وسط الشعب وبأيدي جيل الشباب أنفسهم. لهذا كانت مهمته في غاية الصعوبة، وقد اصطدمت حركته بمعارضة بعض رجال الدين الذين رأوا في أطروحاته نوعا من البدع، واتهموه مرة بالبهائية والوهابية وبالزندقة، ومرة بالتغرب وأخرى بالعمالة للصهيونية.
عندما قرر شريعتي العودة إلى إيران في منتصف الستينات والشروع بمجهوده الضخم، لم يحاول أبدا بناء حزب سياسي، ولا الدخول في إطارات منظمة. فقد كان واعيا لظروف المرحلة، ومعتقدا بأن نقطة البدء هي في الإعداد الفكري والإيديولوجي، الذي يجب أن يسبق عملية البناء التنظيمي والممارسة الثورية. وبالرغم من هذا، فقد ظل على صلة طيبة مع التجمعات السياسية الموجودة.
إن استناد شريعتي إلى الإسلام، يتجاوز حدود الالتزام بالدين كإيمان وكمراسم عبادة، ويتجاوز أيضا كونه يمثل هوية الإنسان المسلم وانتماءه، بل إنه حاول أن ينظر لإيديولوجيا إسلامية، لمنظور شامل، واثقا بأن نظرة معينة إلى العالم، تقود إلى مواقف فكرية وسياسية معينة أيضا. ففي معرض تحليله لسيرورة الفلسفة المثالية والمادية والبنى السياسية والاجتماعية المبنية على كل واحد منهما، يصل إلى اعتماد النظرية التوحيدية التي تهدي الإنسان إلى نظرة صحيحة للعالم، فهي مضافا إلى انعكاساتها الاجتماعية تضمن طريقا مستقلا عن الشرق والغرب، وتهيئ أيضا الأساس الفكري لنهوض العالم الإسلامي).. (2)
ولم يبحث علي شريعتي موجبات الثورة من خلال أفكار خارج الفهم الإسلامي، وإنما عمل على صياغة رؤية اجتماعية للدين، تبشر بالإيمان وتعمل على إخراج الدين من صومعة الانعزال وجعله من جديد دين للحياة والكفاح الاجتماعي..
ولاريب ان تصفية الإسلام مما علق به من خرافات وبدع وصيانته من التغرب والالتحاق بالنموذج الحضاري الغربي ساهم في ان يتحول إلى مشروع للقيام والثورة..
هذا ما عمل من أجله علي شريعتي وكان جهده الفكري والثقافي يصب في هذا الاتجاه..وفي تقديرنا أن علي شريعتي نجح في أداء دوره وفي تعبئة الشعب الإيراني باتجاه المطالبة بالحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية..(ويرى علي شريعتي في الدفقة الروحية التي تنتجها ” العودة إلى الذات ” نوعا من الاعجاز الذي يجعل من الوعي محركا للتاريخ والمجتمع، يعكس المفهوم المادي الذي يجعل من المادة محركا للفكر والوعي المنعكس على المادة..
وتلك ظاهرة لم يستطع علماء الاجتماع الوضعيون فهمها ما خلا ماكس فيبر.. فالمجتمعات الراكدة ” الآسيوية “، أو الثالثية ” العالم ثالثية ” أحدث فيها الدين ” الجزائر ” أو لاهوت التحرير ” أمريكا اللاتينية”، ناهيك عن إيران نهضة روحية – سياسية قلبت الأمور رأسا على عقب ضد الاستعمارين الخارجي والداخلي وتبدل حال المثقفين ” الغرباء ” – المحليين والعفويين – غير ” المتغربين ” ولا السلفيين، فباتوا لا يستطيعون اعتناق الايدلوجيات السائدة، فيهاجرون إلى الذات، في حركة من الوعي المستقل، المقترن بالإيمان والأصالة).. (3)
الأيدلوجيا والإنسان:
على المستويين المعرفي والإنساني من حق أي إنسان، أن يتبنى رأي أو منظومة فكرية، لأن هذه من الحقوق الأساسية للإنسان، ولا يمكن لهذا الإنسان حتى لو تنازل عن هذا الحق، أن يعيش الحياة بدون هذا الحق. فمن لوازم الوجود الإنساني أن يمتلك رأيا وفكرة تجاه كل الظواهر الإنسانية سواء كانت فردية أو جماعية.
ولعل بعض المشاكل التي تحدث في المجتمعات الإنسانية، حينما تتشكل رؤية دينية أو دنيوية أن من حق القائمين على هذه الرؤية امتلاك هذا الحق، وبالتالي يتم التعدي الأيدلوجي على أحد حقوق الإنسان الأساسية تحت تبريرات معينة قد يقتنع بها الإنسان ضمن ظرف محدد أو قناعة أيدلوجية ثابتة.
إلا أن أي تحول يصيب الإنسان، سيلتفت إلى هذا الحق المنزوع وسيعمل على إعادة هذا الحق.
فالأيدلوجيات ليست مهمتها انتزاع حقوق الإنسان الأساسية، أو التعدي على البعد الذي لا غنى للإنسان عنه. وكل أيدلوجية سواء كانت دينية أو غير دينية تسيطر على هذا الحق فإن الإنسان حينما يتحرر من قيود هذه الأيدلوجية، سيلتفت إلى حقه، وسيعمل لإعادته إليه. وبالتالي فإن الأيدلوجيات التي تمتلك شهوة التدخل في تفاصيل وخصوصيات الإنسان، لا سبيل مستديم إلى نجاحها وتميزها في أي بيئة اجتماعية.
وعليه فإن الإنسان ليس في موقع خدمة الأيدلوجيا، ومن يعتقد أن مهام الإنسان الأساسية خدمة هذه الأيدلوجيا أو تلك، فإنه يمارس تزييف الوعي لهذه الأيدلوجيا ولدور الإنسان في الوجود والحياة. فالإنسان ليس خادما للإيدلوجيا، وإنما الأيدلوجيا هي في خدمة الإنسان سواء على المستوى المعنوي أو الاجتماعي.
والإنسان حينما يضحي بحياته من أجل مبادئه، فهو في حقيقة الأمر يدافع عن وجوده النوعي بفعل عوامل احتقان أو غضب ليس للأيدلوجيا أي دخل بها. فالإنسان حينما تغضبه السياسة أو الأوضاع الاقتصادية أو أي شيء آخر فهو يضحي بنفسه بوصف أن هذه التضحية هي التي ستحرر المجتمع الذي أنتمي إليه من كل القيود والأغلال التي تفرضها الأوضاع والظروف السياسية أو الاقتصادية.

وعليه فإن الأيدلوجيا بما تمتلك من مخزون معرفي ومعنوي جاءت لخدمة الإنسان ونقله من طور لآخر.
وبالتالي فإن الأيدلوجيات سواء كانت سماوية أو غير سماوية، جاءت من أجل أن يعيش الإنسان حياة جديدة، مختلفة وتفرض هذه الأيدلوجيا أن هذه الحياة أكثر سعادة واستقرارا.
نسوق هذا الكلام من أجل نحرر علاقة الإنسان والأيدلوجيا من نزعة الهيمنة والخدمة التي لا تنتهي.
ونعتقد بشكل جازم أن الأيدلوجيا التي لا تخدم الإنسان ولا تسعى إلى تطوير وجوده على المستويين المادي والمعنوي، فإن هذه الأيدلوجيا لن تصمد في حياة الإنسان وسرعان ما يفارقهما هذا الإنسان لصالح رؤية أو أيدلوجيا جديدة أو مغايرة.
ولعل النقطة المركزية في تحرير العلاقة بين الإنسان والأيدلوجيا هي في تحرر من يخدم من، هل الأيدلوجيا خادمة للإنسان أم العكس.
نحن نعتقد أن الأيدلوجيا هي بمثابة خريطة طريق يسير عليها الإنسان سواء في حياته الخاصة أم العامة، وإن الالتزام بهذه الخريطة ستجنب الإنسان الكثير من الصعوبات والمآزق.
وعليه فإن الأيدلوجيا هي في موقع خدمة الإنسان على المستويين المعنوي والمادي، الفردي والجماعي.
وإن أي تغيير في هذه المعادلة سيضر جوهريا بالإنسان والأيدلوجيا في آن واحد..
وعليه فإن الأيدلوجيا التي تكون معبرة بشكل صحيح عن جوهر الإنسان وفطرته الأساسية، فإن هذه الأيدلوجيا ستنجح في تقديم خدمات جليلة للإنسان، وستتمكن هذه الأيدلوجيا من التمكن من تقديم الخدمات الضرورية للإنسان..
أما إذا كانت هذه الأيدلوجيا مغايرة للإنسان أو غير منسجمة وطبيعة الإنسان وفطرته الأساسية فإن هذه الأيدلوجية ستتحول إلى قيد حقيقي يمنع الإنسان من ممارسة حياته بشكل سليم.
بحيث تكون هذه الحياة متناغمة بشكل دقيق مع ما يصبوا إليه الإنسان انطلاقا من خصائصه الإنسانية والميولات الجوهرية التي تفرضها الفطرة التكوينية للإنسان..
ونحن نعتقد إن بناء هذه الرؤية في علاقة الأيدلوجيا والإنسان والعكس، سيحرر الإنسان من الكثير من القيود والكوابح التي تحول دون أن يعيش الإنسان حياة مستقرة وعميقة. وإن مربط الفرس أن يعيش الإنسان حياة طبيعية ومستقرة، تبدأ من طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بالأيدلوجيا التي يحملها.
وعليه فإن كل أيدلوجيا تسوغ لحاملها قتل الإنسان المختلف بدون سبب إلا سبب الاختلاف، هي أيدلوجيا مضرة للإنسان راهنا ومستقبلا.

وهذا القبول لا يعني بأي حال من الأحوال، أن ننخرط في المضاربات الأيدلوجية والفكرية، بل يعني توفير الظروف الذاتية والموضوعية لترجمة المفردات الجديدة إلى حقائق شاخصة ووقائع راسخة..
ولا نعدو الصواب حين القول: أن هذه العملية بحاجة إلى تكريس قيم الحرية والعدالة في الفضاء الاجتماعي.. وذلك لأنه إذا توفرت الحريات العامة، توفر المناخ الملائم لتعبئة طاقات المجتمع، وبلورة كفاءات نخبته، وازدادت إبداعاته ومبادراته، وكل هذه الأمور من القضايا الحيوية لصناعة القوة في الوطن..
ويخطأ من يتصور أن الإقصاء والنفي والنبذ، هي القادرة على خلق المواطنة الصالحة وحالة الولاء إلى الوطن..
إننا نرى ومن خلال التجارب التاريخية العديدة، أن الحرية والشفافية وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية، هي الكفيلة بتعميق حس المواطنة الصالحة.. فشعب الولايات المتحدة الأمريكية، أتى من بيئات جغرافية متعددة، وأطر عقدية ومرجعيات فكرية وفلسفية متنوعة، ولكن الحرية بكل آلياتها ومجالاتها ومؤسساتها، وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية، هي التي صهرت كل هذه التنوعات في إطار أمة جديدة وشعب متميز..
وحدها الحرية التي تعيد الاعتبار إلى الذات والوطن، وتعيد صياغة العلاقة بينهما، فتنتج وعيا وطنيا صادقا، يحفز هذا الوعي على الدفاع عن عزة الوطن وكرامة المواطنين.. فالاستقرار السياسي والمجتمعي يتطلب باستمرار تطوير نظام الشراكة والحرية على مختلف الصعد والمستويات، حتى يتسنى للجميع كل من موقعه خدمة وطنه وعزته..
وأن القواسم المشتركة المجردة بوحدها لا تصنع وحدة، وإنما هي بحاجة دائما إلى تنمية وحقائق وحدوية ومصالح متداخلة، حتى تمارس هذه القواسم المشتركة دورها ووظيفتها في إرساء دعائم الوحدة وتوطيد أركان التوافق..
لذلك فإن المطلوب، أن ننفتح على مساحات التنوع ونتواصل مع المختلفين من أجل استنبات مفاهيم وقيم جديدة، تزيد من فرص تقدمنا، وتحررنا من شبكة العجز والاستكانة، وتجعلنا نقتحم آفاقا جديدة، تحملنا على نسج علاقة جديدة مع مفاهيم الحرية والنقد والتواصل والوطن..
وعلى هدى هذه العلاقة الجديدة، وذات المضامين الحضارية والإنسانية، نخلق فضائنا النقدي، ونمارس تنوعنا وتعدديتنا، ونجسد حضورنا وشهودنا..
والنقد لا يعني بأي حال من الأحوال التفلت من القيم ومحاسن العادات والأعراف، وإنما يعني استخدام إرادتنا والتعامل مع راهننا بتحولاته وتطوراته بما ينسجم والمثل العليا والضمير والوجدان..
فالنقد المنضبط بضوابط الحكمة والمصلحة العليا، من وسائل التطور والتقدم.. لذلك ينبغي أن لا نخاف من النقد أو نرذله، وإنما من الضروري التعامل الفعال والإيجابي مع عمليات النقد عن طريق الآتي:
ثقافة جديدة:
1- من المؤكد أن تثمير النقد في عمليات التقدم الاجتماعي، بحاجة إلى ثقافة جديدة تدخل في النسيج الاجتماعي، قوامها قيم التسامح والحرية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير.. فالنقد يتطور ويؤتي ثماره الإيجابية، حينما تسود ثقافة تسمح للجميع بممارسة حقائقهم وقناعاتهم، وتعطيهم حق التعبير عن آرائهم وأفكارهم.. فلا فعالية للنقد، بدون ثقافة تعتني بعملية الحوار وتنبذ كل خيارات الإقصاء والنبذ والعنف.. فبمقدار تواصلنا المعرفي وحوارنا الثقافي مع الآخرين، تتجلى فعالية النقد في الفضاء الاجتماعي..
حيوية اجتماعية:
2-لا يتطور النقد، ولا يعطي ثماره الإيجابية، إلا في فضاء اجتماعي يستوعب ضرورات النقد، ويوفر متطلبات استيعابه..
فالحيوية الاجتماعية، ووجود أطر ومؤسسات وقنوات لتداول الرأي وممارسة النقد والمراجعة والتقويم، كلها عوامل تساهم في توظيف عملية النقد والمراجعة في تقدم المجتمع ورقيه الحضاري..
لذلك فإن المطلوب من جميع الشرائح والتعبيرات الاجتماعية، أن تتحلى بسعة الصدر وحسن الظن والحكمة من أجل تثمير عملية النقد في البناء والعمران..
حوار النخب:

3- من البديهي القول: أن المشاكل في حد ذاتها لا تنشأ من وجود الاختلاف، ولا من وجود أنظمة للمصالح مختلفة، بل تنشأ من العجز عن إقامة نظام مشترك أو من تخريب هذا النظام من بعد إيجاده..
وحوار النخب ينطلق من الاعتراف بالآخر كما هو شريكا مختلفا مع احترام هذا الاختلاف وفهم أسبابه واعتباره حافزا على التكامل لا داعيا إلى الافتراق، وقدرة نفسية وعملية تتطلب رؤية الذات من موقع الآخر، وقدرة على فهم الآخر بلحاظ اعتباراته ومعاييره الخاصة..
فحوار النخب من الأطر الهامة، لاستيعاب عملية النقد والمرجعة، والانطلاق نحو تصحيح الأوضاع وتقويم الاعوجاج.. كما أن هذا الحوار من الخطوات الجوهرية التي تساهم في تأسيس نظام مشترك وصيغة فعالة وعملية للتنسيق والتعاون..
وجماع القول: إننا لا يمكن أن نمنع النقد والتفكير الحر، وأن أي جهد يبذل في سبيل منعهما، يدخل الجميع في متاهات ودهاليز، لا تفضي إلا إلى المزيد من التدهور والدخول في معارك هامشية، تشتت الطاقات، وتبعثر الجهود، وتكثف من حالات التردد وجلد الذات..
بينما المطلوب هو الإنصات الوعي لعملية النقد والتفكير الحر، واستيعاب القضايا الرئيسية المطروحة والمتداولة، وذلك لإحداث نقلة نوعية في مسيرة مجتمعنا ووطنا باتجاه أكثر حيوية وفعالية نحو التطلعات والطموحات المشروعة..
وجماع القول: إن إعادة الاعتبار إلى الانسان، هو المدخل الضروري لتحويل الإنسان من طاقة سلبية لا إبالية، إلى طاقة إيجابية – بناءه.. لذلك عمل الدكتور علي شريعتي في مشروعه الثقافي والاصلاحي، إلى إعادة الاعتبار إلى الانسان، وعمل على إزالة كل الوقائع التي تحول دون إنسانية الانسان.. وحينما يتمكن الانسان من إزالة كل ما يعيقه، سيتحول هذا الانسان إلى فاعل إيجابي في هذه الحياة..
ورؤية علي شريعتي في هذا السياق، قائمة على تحرير الانسان من كل ما يعيقه من عوامل نفسية وموضوعية واجتماعية وسياسية.. لأن الانسان المحرر من القيود هو القادر على العطاء والتميز وصناعة الفرادة والتميز..

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on ندوة حول : “حرب اوكرانيا وانعكاساتها على أوربا وتونس والمنطقة المغاربية”

ندوة حول : “حرب اوكرانيا وانعكاساتها على أوربا وتونس والمنطقة المغاربية”

دعوة
ينظم بمقر مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات يوم السبت 24 سبتمبر انطلاقا من التاسعة والنصف صباحا ندوة حول : “حرب اوكرانيا وانعكاساتها على أوربا وتونس والمنطقة المغاربية”بمشاركة الاساتذة المنصف السليمي وكمال بن يونس واسيا العتروس .
1) المنصف السليمي. الصحفي ومدير تحرير في شبكة دوتشي فيلا الالمانية .DW .عمل في مؤسسات اعلامية عربية ودولية، كمراسل في المنطقة المغاربية ومنتج برامج وثائقية تفزيونية بدبي. ويعمل حاليا مديرا للتحرير في القسم العربي لمؤسسة دويتشه فيله الألمانية في بون.
له عدة مؤلفات حول “صناعة القرار السياسي الأمريكي” و”التغيير والشباب في المغرب” والعلاقات الاسبانية المغربية (أزمة جزيرة ليلى نموذجا) ومنظومات الحكامة في الدول المغاربية..كما صدرت له مؤلفات جماعية ودراسات في دوريات متخصصة حول قضايا الاعلام الرقمي والشباب والحكامة والهجرة والاسلام السياسي في المنطقة المغاربية وملف الصحراء والعلاقات المغاربية.
رئيس ومؤسس المؤسسة الالمانية المغاربية للثقافة والاعلام

2) كمال بن يونس، رئيس مؤسسة ابن رشد للدراسات الاستراتيجية و مستشار عديد مراكز الدراسات الدولية، مدير تنفيذي لجمعية دراسات دولية سابقا ..
+مدير عام سابق لقناة الجنوبية التلفزية وإذاعة الزيتونة التونسية.
+ رئيس تحرير أول في دار الصباح، باحث في التاريخ والعلوم السياسية والدراسات الدولية .
• خبير و محلل ومراسل إقليمي في قنوات تونسية وعربية ودولية عديدة من بينها BBC والشرق الأوسط وعربي 21.

3) اسيا العتروس رئيسة تحرير صحيفة الصباح سابقا والخبيرة في الشؤون العربية والدولية الاعلامية.

+متحصلة على الاستاذية المزدوجة في اللغات انجليزية صينية معهد بورقيبة للغات قبل أن تلتحق بمعهد بيكين للغات لدراسة الحضارة واللغة الصينية

+ مارست التدريس قبل الالتحاق بالصحافة في 1990 في قسم الشؤون العالمية بجريدة “الصباح” اليومية.

+ واكبت عديد القمم والاحداث الاقليمية والدولية وتولت تغطية أكثر من قمة عربية وإسلامية ودولية وأجرت مئات الحوارات مع شخصيات سياسية و فكرية و علمية و ثقافية عربية وغربية.

حازت على جائزة أفضل مقال صحفي لجمعية الصحفيين في 2006 عن سلسلة تقارير “رحلة الى افغانستان ” وجائزة اكاديميا لافضل حوار صحفي في 2015 وجائزة الصحافة لجمعية حماية الصحفيين في 2015 .
وتحصلت على الشهادة في اللغة والحضارة الصينية جوان 1989التحقت بمعهد بيكين للغات واكبت احداث ساحة تيان ان من ومعها كان الاهتمام بعالم الصحافة وكان الحدث التاريخي لسقوط جدار برلين اول تقرير نشرته على اعمدة الصباح”.
حضوركم ومساهمتكم في اثراء الندوة يشرفنا.

عن المجلس العلمي للمؤسسة د.عبد الجليل التميمي
والدعوة موجهة إلى جميع المهتمين والمعنيين لحضور هذا المنتدى وتفعيل الحوار السبت 24 سبتمبر 2022 ابتداء من الساعة 9.30 صباحا.
العنوان المنطقة العمرانية الشمالية – عمارة الامتياز – 1003 تونس ا

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on احتمال تأجيل الانتخابات التونسية وارد جداً .. بقلم كمال بن يونس

احتمال تأجيل الانتخابات التونسية وارد جداً .. بقلم كمال بن يونس

> يلاحظ مراقبون في تونس راهناً أن صناع القرار داخل مؤسسات الحكم والمعارضة والنقابات والمجتمع المدني ترصد وتتابع باهتمام المواقف المتناقضة الصادرة عن واشنطن وبروكسل وباريس وبرلين ولندن وروما والجزائر من مشروع «الجمهورية الجديدة» الذي يعمل عليه الرئيس قيس سعيد، وأيضاً من الانتخابات البرلمانية التي من المقرر أن تنظم في آخر عام 2022 الجاري بعد تعديل القانون الانتخابي القديم.
وبالفعل، فتحت مختلف وسائل الإعلام التونسية حوارات حول سيناريوهات تنظيم هذه الانتخابات أو تأجيلها، شملت رسميين ومستقلين ومعارضين وشخصيات عربية ودولية. ولقد أوحت هذه الحوارات بأن «تأجيل» الانتخابات البرلمانية احتمال «وارد جداً. أما السبب وراء ذلك فهو أن تنظيم الاقتراع العام في ظل المشهد السياسي الحالي سيفرز برلماناً جديداً «متشرذماً سياسياً» وتتحكم فيه أساساً ثلاثة أطراف كبرى، هي: أنصار الرئيس قيس سعيد، ومنظومة ما قبل 2011 بزعامة حزب عبير موسي (زعيمة الحزب الدستوري الحر)، ومنظومة العشرية الماضية بقيادة أحزاب «النهضة» و«النداء» و«تحيا تونس» و«قلب تونس».
من ناحية أخرى، قد تكرس الانتخابات هذه – وفق المراقبين – تأثيراً متزايداً لقيادات النقابات العمالية اليسارية والقومية العروبية و«الاتحاد العام التونسي للشغل» في المشهدين البرلماني والسياسي المقبلين. ويجمع المراقبون على أن «رموز الدولة»، بما في ذلك «قيادات المؤسسة العسكرية والأمنية التي ساندت بقوة قرارات 25 يوليو 2012 الاستثنائية»، وأيضا الإطاحة بالبرلمان وحكومة هشام المشيشي، و«تهميش دور النقابات والأحزاب وحركة النهضة»، لا يريدون إعادة إنتاج «نفس المشهد السياسي والبرلماني».
في هذا السياق بالضبط، فهم المراقبون الرسائل الواضحة التي صدرت أخيراً عن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن وعدد من أعضاء الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوروبي، والتي أكدت على «حياد المؤسسة العسكرية في تونس خلال المرحلة القادمة» وعلى «مدنية الدولة». وتزامن ذلك مع إعلان هذه المرجعيات نفسها وبوضوح عن معارضتها ما اعتبرته «تغول النقابات»، وعن إعلان مساندتها لشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنوك الأوروبية بما فيها اعتماد «إصلاحات اقتصادية اجتماعية» تهدف إلى إيقاف «نزيف أموال الدولة» بسبب عشرات آلاف الإضرابات التي شهدتها تونس منذ «يناير 2011»، وكلفتها أعباء مالية، وتسببت في تراكم عجز موازنة الدولة، وارتفاع نسب المديونية والتضخم والبطالة والفقر.
في ضوء هذا كله من بين الأسئلة التي تفرض نفسها على الجميع اليوم هو… هل ستقبل الأطراف التي نجح الرئيس سعيد في إضعافها، وبينها النقابات والأحزاب وجماعات «الإسلام السياسي»، بموازين القوى الجديدة… أم ستعمل على استغلال الأزمات الاقتصادية الاجتماعية والسياسية المعقدة والمتراكمة، فتفجر اضطرابات جديدة بعد موسم الإجازات الصيفية وإعادة فتح الجامعات والمدارس في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؟
ثم إنه في حال «تمردت» قيادات النقابات والأحزاب وقيادات «الإسلام السياسي»… هل سترد السلطة بصورة مباشرة، فتمضي في «المواجهة الشاملة»، أم تقرر من جديد أن تغير أولوياتها وسياساتها بالتفاعل مع «توصيات» الاتحاد الأوروبي وكبار شركائها في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية؟
في كل الحالات يبدو أن «سيناريو» تفعيل دور المؤسستين العسكرية والأمنية قد يفرض نفسه… وإن كان الشعار لا يزال «حياد الجيش» و«ضمان مدنية الدولة».

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on ماذا بعد تصريحات وزير الخارجية الامريكي والسفير الجديد واحتجاج السلطات التونسية ؟ بقلم كمال بن يونس

ماذا بعد تصريحات وزير الخارجية الامريكي والسفير الجديد واحتجاج السلطات التونسية ؟ بقلم كمال بن يونس

دخلت ورقتا المؤسسة العسكرية والعلاقات الخارجية على الخط، بعد تصعيد الانتقادات الداخلية والدولية للظروف التي جرى فيها “الاستفتاء المثير للجدل حول مشروع دستور قيس سعيد”. وفي سابقة سياسية دعت الخارجية التونسية رئيسة البعثة الأمريكية بتونس للاحتجاج على تصريحات وزير الخارجية بلينكن والسفير الأمريكي المعين جودي هود، والتي انتقدت نتائج الاستفتاء والمسار السياسي في تونس منذ عام، وتحدثت علنا عن “مخطط أمريكي” يشمل تحييد الجيش التونسي سياسيا واحترام مدنية الدولة ودفع البلاد نحو التطبيع الاقتصادي والسياسي مع تل أبيب ونحو انتخابات برلمانية “ديمقراطية حقيقية”.

فهل يتسبب الاستفتاء في مزيد من تعقيد علاقات تونس الخارجية بواشنطن وبقية كبار شركائها الاقتصاديين في أوروبا ومجموعة السبعة الكبار؟

اعتبر الخبير الدستوري ورئيس معهد تونس للسياسات أحمد ادريس في تصريح لـ “عربي21″، أن “مشروع الدستور الجديد قفزة نحو المجهول” وأنه محاولة للانتقال بالبلاد إلى “جمهورية ثالثة” تقطع مع “النظام البرلماني المعدل” وتنتقل إلى “نظام رئاسي مركزي” تكون فيه أغلب السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والدينية بين أيدي رئيس الدولة على غرار ما كان عليه الأمر في عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة (1957- 1987) وزين العابدين بن علي (1987- 2011)” .

حياد الجيش

بعد أشهر من دعوات صدرت في واشنطن وأوروبا لتحييد الجيش و”فتح تحقيق حول دوره في قرارات 25 يوليو 2021″ التي أدت إلى حل البرلمان وإسقاط الحكومة، نشرت واشنطن تصريحات للسفير الأمريكي الجديد بتونس جودي هود وأعضاء في الكونغرس والاتحاد الأوروبي تناولت علنا ملف “حياد الجيش التونسي سياسيا”، ومستقبل تونس في ظل احتداد الخلافات بين روسيا والصين والجزائر من جهة ودول الحلف الأطلسي وحلفائها العرب من جهة أخرى حول مستقبل ليبيا وتونس والمنطقة.

وقد احتج الرئيس قيس سعيد ووزير خارجيته عثمان الجارندي وسياسيون ونقابيون تونسيون بقوة على هذه التصريحات واعتبروا أنها تتناقض مع احترام “السيادة الوطنية” للبلاد.

في الأثناء أكدت مصادر عديدة أن الخلافات داخل الطبقة السياسية بعد الاستفتاء ستعمق أزمات البلاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وستتسبب في مضاعفة الضغوطات الخارجية على الحكومة للتأثير في سياساتها الداخلية والخارجية ودفعها نحو “التطبيع الاقتصادي والسياسي الشامل” مع إسرائيل والغرب والابتعاد عن روسيا والصين وإيران وحلفائها المتهمين بـ”الإرهاب”؟

تصعيد

لكن رغم مواقف الرئيس التونسي القوية ضد “التدخل الأمريكي والخارجي” في شؤون تونس على هامش الاستفتاء، فقد أعلنت قيادات الأحزاب التونسية وجبهات المعارضة الثلاث أنها تعتزم تصعيد تحركاتها واحتجاجاتها ضد “معركة العبور” التي أعلن سعيد وأنصاره أنهم يخوضونها بهدف الانتقال بالبلاد من ما تصفه “النظام السياسي التعددي” “الذي اعتمدته منذ الإطاحة بحكم زين العابدين بن علي في 2011 ثم في دستور يناير 2014 إلى “حكم فردي ونظام رئاسوي مركزي وشعبوي”.

في المقابل كشف الاستفتاء، الذي شارك فيه حسب التقديرات الرسمية حوالي 30 بالمائة من الناخبين، أن الرئيس التونسي نجح بعد عام من الإطاحة بالبرلمان والحكومة، في أن يشكل “حزاما سياسيا” وأن يستقطب عدة شخصيات وأحزاب ونقابيين شييوعيين وبعثيين وناصريين، رغم معارضة كبرى الأحزاب البرلمانية لهم ببنها النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة من جهة والحزب الدستور والحر بزعامة عبير موسي من جهة ثانية.

ورغم إعلان أمين عام اتحاد نقابات العمال نور الدين الطبوبي وأغلب المقربين منه معارضتهم “لدستور قيس سعيد”، فإن عددا من كوادر اتحاد الشغل ونقابات رجال الأعمال والفلاحين انحازوا إلى قيس سعيد ومشروعه السياسي وخاصة إلى مواقفه المعارضة لكل أشكال التدخل الأمريكي والأوروبي ودول الحلف الأطلسي في تونس “وفي سياستها الداخلية والخارجية”.

ومن المتوقع أن ينجح أنصار قيس سعيد عبر تحالفهم مع الأحزاب “القومية العربية واليسارية المساندة لدمشق وروسيا وإيران” في دعم “الحزام السياسي للرئيس” وتعزيز تأثير القيادات النقابية والسياسية العروبية والماركسية في مؤسسات صنع القرار وعلى رأس عدد من مؤسسات الدولة.

وقد تتصدر هذه “الجبهة الجديدة” المعارك السياسية القادمة مع قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل وحزبي النهضة والدستوري الحر من جهة والأحزاب اليسارية بزعامة حمة الهمامي وخليل زاوية وغازي الشاوشي وعصام الشابي ورياض بن فضل من جهة ثانية..

وفي كل الحالات فقد تسبب “الاستفتاء” في خلط الأوراق وانقسام المعارضين السابقين لقيس سعيد بحسب ولاءاتهم الداخلية والخارجية، والمواجهات المتوقعة بين السلطة ومنظمات المجتمع المدني من جهة وبين الحكومة والنقابات من جهه ثانية بعد موسم الإجازات الصيفية.

ضغوطات

وفي الوقت الذي تنوعت فيه ضغوطات العواصم الأوروبية والأمريكية على الحكومة التونسية بعد “الاستفتاء” فقد طالب وزير الخارجية التونسي عثمان الجارندي، العواصم الدولية مجددا بـ “الدعم الدولي للمسار السياسي الديمقراطي التعددي التونسي ولحركة الإصلاح التي يتزعهما الرئيس قيس سعيد منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلن عنها في 25 يوليو 2012”.

لكن السؤال الكبير داخل صناع القرار في تونس أصبح: كيف ستتفاعل واشنطن وقيادات الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع مع انتقادات سعيد ووزارة خارجيته لتصريحات وزراء خارجيتها وأعضاء برلماناتها ردا على “الاستفتاء” وعلى “الإجراءات الاستثنائية” التي بدأت قبل عام؟

وهل ستقبل “دعوة رئيسة البعثة الأمريكية” إلى وزارة الخارجية للاحتجاج رسميا على موقف حكومتها؟ وهل ستوافق على تعيين السفير جودي هود في تونس أم ستعترض عليه من منطلق “احترام السيادة الوطنية”؟

في كل الحالات يتأكد أن “الاستفتاء” تسبب في ترفيع نسق “الضغوطات الخارجية” على قصر قرطاج بينها “تعليق المساعدات المالية والقروض الدولية”، بحجة دفعه نحو “احترام مكاسب الديمقراطية والتعددية التي تحققت في تونس بعد ثورة الشباب في 2011 والدستور التقدمي الذي أنجز في يناير 2014 من قبل مجلس وطني تأسيسي بعد انتخابات شارك فيها أكثر من 4 ملايين مواطن تونسي “.

وتضاعفت مؤشرات التداخل بين الأزمة التونسية الداخلية والضغوطات الخارجية التي تمارس على السلطات من قبل عدد من أبرز شركائها الإقليميين والدوليين الذين لديهم مصالح متناقضة في ليبيا وكامل شمال أفريقيا ودول الساحل والصحراء، بينها واشنطن والجزائر والقاهرة وباريس وبرلين وبروكسل ولندن وروما وموسكو وأنقرة والرباط..

لكن قيس سعيد أعلن مجددا أنه ماض في معارضة “التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للبلاد”. كما أنه رفض الاتهامات الموجهة له ولحكومته بدفع البلاد نحو “جمهورية جديدة دكتاتورية”، أو “جمهورية ثالثة استبدادية”.

وأكد سعيد أنه لا يفكر في حل الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، واعتبر نفسه صاحب “مشروع سياسي ثوري عالمي للتغيير” يسعى لتدارك النقائص في مختلف الدساتير وأنظمة الحكم شرقا وغربا “بعد أن فشلت النظم السياسية التقليدية في أغلب دول العالم وأصبحت تمر بأزمات” بما فيها الأنظمة البرلمانية وشبه البرلمانية في أوروبا.

دعم أمريكي أوروبي للمعارضة

لكن ردود الفعل الفرنسية والأوروبية والأمريكية على “دستور سعيد” وعلى الظروف التي نظم فيها الاستفتاء ونسب المشاركة فيه كشفت تمادي واشنطن والعواصم الغربية في دعمها للمعارضة التونسية بكل مكوناتها .

كما كشفت تلك الردود دعم العواصم الغربية مجددا للأحزاب والمعارضة والمنظمات الحقوقية التونسية في ما تصفه بـ ” المعركة من أجل احترام حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية والفصل بين السلطات”.

في نفس الوقت أكد أحمد نجيب الشابي زعيم “جبهة الخلاص الوطني” التي تضم 10 أحزاب ومنظمات سياسية بينها أحزاب النهضة وقلب تونس وأمل وعمل في تصريح لـ “عربي21” أن أغلب رؤساء البعثات الدبلوماسية الأوروبية والأمريكية بتونس يتابعون زيارة مقرات الجبهة وأكدوا لقيادتها مرارا أن بلدانهم تضغط “من أجل عودة تونس إلى نظام سياسي ديمقراطي يحترم الحريات العامة والفردية واستقلالية السلطتين التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية تكريسا لقاعدة الفصل بين السلطات “..

ونفى الشابي ما روجه زعيم حزب الشعب القومي العروبي زهير المغزاوي ضد معارضي قيس سعيد وقادة جبهة الخلاص الوطني المعارضة عن “تحالفها مع اللوبي الصهيوني في أمريكا والعواصم الأطلسية ضد تونس”..

وطالب الشابي العواصم العالمية بأن تقدم لتونس “في أقرب وقت” الدعم المالي الذي تحتاجه الدولة حتى تنجح في معالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية”، والتي توقع أن تستفحل بعد استفتاء 25 يوليو” حول الدستور الجديد المثير للجدل “الذي قال عنه أنه “زاد المشهد السياسي تعقيدا وعمق الخلافات داخل الطبقة السياسية بسبب عدم فتح حوار وطني شامل دعت إليه قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل والمعارضة مرارا بعد انتخابات 2019.

لكن سعيد وقادة الأحزاب القومية واليسارية الموالية له ولسياسته الداخلية والخارجية مثل زهير المغزاوي وزهير حمدي وعبيد البريكي يطالبون الرئيس برفض الحوار مع من يصفونهم بـ “الإخوان “وحلفائهم” رموز الفساد في العشرية الماضية” في إشارة إلى حكومات النداء وحلفائه أي حكومات الحبيب الصيد ويوسف الشاهد و هشام المشيشي .

في المقابل اتهم زعماء يساريون من “الجبهة الديمقراطية الاجتماعية ” في مؤتمر صحفي بعد الاستفتاء الأحزاب الموالية لقصر قرطاج اليوم بكونها “كانت دوما غير ديمقراطية ولديها سوابق في دعم الاستبداد ومنظومة الفساد في عهد بن علي” على غرار ما ورد على لسان حمة الهمامي زعيم حزب العمال الشيوعي وخليل الزاوية زعيم حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات .

الورقة الدولية وحياد الجيش

وغير بعيد عن مقولات قيس سعيد عن “معركة العبور” و”اللاءات الثلاثة” و”التطبيع مع إسرائيل خيانة” و “العداء مع إسرائيل عمره أكثر من قرن” يبدو أن الهدف من الضغوطات الخارجية الحالية على السلطات التونسية ليس فقط” تشجيعها على العودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني”، بل هي امتداد لتلك التي بدأت منذ انتخابات 2019 بعد وصول “قومي عربي متأثر بالمفكر العروبي المصري عصمت سيف الدولة والزعيم جمال عبد الناصر” إلى قصر قرطاج، حسب تدوينة نشرها وقتها المحامي والوزير السابق محمود المهيري، الذي كان زميلا لسعيد عندما كان طالبا في الجامعة .

وتدعمت هذه الصورة عن سعيد بعد تحالفه مع الشخصيات والأحزاب القومية واليسارية القريبة من التيار القومي العربي ومن سوريا وإيران ولبنان مثل قيادات حزبي الشعب والتيار الشعبي بزعامة زهير المغزاوي وزهير الحمدي .

وكشفت تصريحات أغلب المسؤولين الغربيين بعد “الإستفتاء الأخير” وكبار موفدي الرئيس الأمريكي والاتحاد الأوروبي والعواصم الأوروبية إلى قيس سعيد وحكومته طوال العام الماضي تخوفات من تغير السياسة الخارجية التونسية في “الجمهورية الجديدة” أو “الجمهورية الثالثة”، تحت تأثير الجزائر القريبة من موسكو والصين وإيران ودول أخرى ..

وقد برزت بعض هذه التصريحات بعد عدة خطوات تقارب قام بها سعيد في اتجاه الجزائر، التي أعلن مسؤولوها مرارا أن بلادهم تعارض “تضخم الدور المصري والإماراتي والأمريكي والإسرائيلي “على حدود بلادهم” في ليبيا أو في بلدان منطقة شمال افريقيا والساحل والصحراء التي تشهد حروبا وصراعات نفوذ اقتصادي وعسكري بين محاور دولية واقليمية بعضها يستهدف الجزائر ومصالحه وأمنه .

وقد رد مسؤولون غربيون وعرب على تصريحات الجزائر وحذرها بعضهم بالوقوف الى جانب “محور الشر بزعامة روسيا والصين وإيران “.

وتأتي هذه المتغيرات في مرحلة تقوم فيها الجزائروتونس وبعض العواصم العربية بجهود لضمان عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية في القمة العربية المقرر تنظيمها موفى العام الماضي في العاصمة الجزائرية .

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on رسالة مفتوحة من رئاسة البرلمان إلى الخارجية الأمريكية

رسالة مفتوحة من رئاسة البرلمان إلى الخارجية الأمريكية

بسم الله الرحمن الرحيم
#تونس في 11 ماي 2022.
#رسالة مفتوحة لسعادة السيدة يائيل لمبرت/المحترمة.
#مساعد وزير الخارجية الأمريكية بالإنابة المكلفة بشؤون الشرق الأدنى.
#مرحبا بك سعادة الدبلوماسية العريقة و مساعدة وزير الخارجية الأمريكية، في بلادنا تونس، بلد الفل
و الياسمين، الجمهورية التونسية،بلد التحرير و التنوير،
و النموذج الملهم للربيع العربي و ثورتها السلمية المدنية
و القاعدةالصلبة و القوية للشراكة العريقة و المثمرة
بين الشعبين و البلدين الصديقين التونسي و الأمريكي التي تتجاوز قرنين من الزمن ،عبر خلالها شعبينا عن مواقف و مظاهر و مؤثرة و مثمرة من التعاون و التضامن
و الشراكة المعتددة الأبعاد، و عن وفاء للقيم المشتركة
في الحريات و الديمقراطية و تعزيز الأمن و السلم
بين ضفاف المتوسط و شواطيء الأطلسي و العالم.
نحن اذ نجدد باسم رئاسة و اعضاء مجلس نواب الشعب بالجمهورية التونسية للشعب الأمريكي و حكومتكم الصديقة و بخاصة لوزارة الخارجية و سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بتونس أسمى عبارات الشكر والتقدير لوقفتكم الشامخة في أزمة الكوفيد العنيفة و دعمكم لمجهودنا الوطني لمقاومة هذه الجائحة ب 3 مليون
من التلاقيح الضرورية و المساعدات الطبية الحيوية،
# و إذ نستحضر باجلال الجهود المشتركة لتعزيز الأسس العريقة و العميقة لشراكتنا الاستراتيجية على جميع الاصعدة و التحديات الأمنية و خاصة الاقتصادية والاجتماعية،،،
#فإننا اليوم و اكثر من اي وقت مضى نتطلع حقيقة ، لوقفة صادقة ووفية في ذلك الانحياز الصريح و الواضح
و الفعلي لقيمنا المشتركة في دعم الحريات الأساسية
و المحافظة على الديمقراطية التمثيلية في هذه الأوقات العصيبة و التحديات المعقدة التي يعيشها العالم الحر
في الشرق و الغرب، و خاصة عند هذا المنعطف التاريخي لأمتنا التونسية التي تتعرض لتهديد حقيقي وواقعي لأسس دولتها الحديثة و قيم العصرنة لجمهوريتها العريقة
و ديمقراطيتها الناشئة منذ الانقلاب على الدستور
الذي أقدم عليه السيد قيس سعيد رئيس الجمهورية التونسية في 25 جويلية 2021.
#سعادة الدبلوماسية العريقة، مساعدة كاتب الدولة للخارجية الأمريكية.
#منذ الأيام الاولى للانقلاب على الدستور الذي قاده السيد قيس سعيد رئيس الجمهورية التونسية،
#تشرفت بلادنا باستقبال ثلة متميزة من السادة المشرعين و كبار المسؤولين في الكونغرس و الادراة الأمريكية،،،
كما ان سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بتونس اصدرت عدة بيانات بصفة فردية او جماعية صحبة سفارات دول صديقة لبلادنا،،،عبرت فيها عن انحيازها لتطلعات الشعب التونسي في العودة للمسار الدستوري و المؤسسات المنتخبة و حقه الشرعي في حكومة منتخبة من أجل قيادة حوار وطني تونسي تونسي عريض و شامل لجميع المكونات السياسية و الاجتماعية و المدنية يفضي
الى عودة المؤسسات الشرعية و خارطة طريق جماعية تونسية مدعومة بجهد دولي لإنقاذتونس من شبح الافلاس
و دعم جهود التعافي الاقتصادي…
# و هذه جهود صديقة مشكورة و محمودة.
#الا ان عملية الهدم الشامل التي يقودها السيد قيس سعيد لكافة المؤسسات الدستورية و الديمقراطية من مجلس نواب الشعب و الحكومة المنتخبة ،ثم هيئة مراقبة دستورية القوانين ثم هيئة مكافحة الفساد ثم المجلس الأعلى للقضاء و اخيرا و ليس اخرا الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وصولا للتفكير و التحضيرالجدي لضرب الأحزاب السياسية و كافة مظاهر المجتمع المدني الحر
و المستقل.
#مع غياب اي جهد حقيقي او ارادة واعية بحجم المشكلات المالية و الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة المحدقة ببلادنا و الضرورة القصوى لتوافق مجتمعي عريض و قوي لإنقاذ البلاد و البدء في الإصلاحات الضرورية و الحيوية لاعادة الاقتصاد التونسي إلى النمو
و التعافي التدريجي.
#يتطلب من جميع التونسيين عزيمة صادقة و ارادة قوية تنبع منا جميعا لتجاوز إحدى اخطر أزمات تاريخنا المعاصر ، و تتطلب من أصدقاء تونس، مضاعفة الجهود لتلافي مخاطر التقسيم والتحديات الحقيقية لانهيار المؤسسات و ضرب السلم و الاستقرار المجتمعي.
تناسقا مع مهمتك في تونس اليوم،،،
و جهود الادراة الأمريكية الصديقة لدعم تطلعات الشعب التونسي في استعادة الديمقراطية و مساهمة اصدقاءنا في انقاذ تونس من المخاطر الحقيقية للازمة المركبة الدستورية و الاقتصادية والاجتماعية،
# فإننا نتطلع إلى :
1- أهمية ادراك السيد قيس سعيد رئيس الجمهورية للمخاطر المالية و الاقتصادية والاجتماعية لحالة الاستثناء، وضرورة انهاءها في اقرب وقت ممكن من خلال قيامه بواحبه الدستوري و التوقيع على القانون عدد 01 لسنة 2022.
و العدول تماما على استكمال اجندته الشخصية التي تبين بالكاشف فشلها الذريع من خلال المشاركة الضيئلة جدا
في استشارته الإلكترونية و ضمور التأييد الشعبي الذي اتضح بصفة جلية يوم 08 ماي 2022.
2- اهمية ادراك السيد قيس سعيد رئيس الجمهورية التونسية، للمخاطر الحقيقية التي مست سمعة وصورة تونس كأول دولة عربية حرة وديقراطية عربيا و في شمال افريقيا، و الأهمية القصوى للقيام بمراجعة حقيقية لنهجه التسلطي و العدول تماما عن مشروعه الهلامي القاعدي المستمد من التراث السيء للعقيد القذافي،،،
و الضرورة القصوى لوقف المحاكمات العسكرية و تقديم 121 نائبا تونسيا للمحاكمة بتهم تصل عقوبتها للإعدام ووقف كافة الإجراءات الاستثنائية ضد أعضاء مجلس نواب الشعب و الناشطين و السياسيين ،حفاظا على سمعته كرجل قانون،،،
# و الأهم المحافظة على قيم الجمهورية التونسية
و مباديء الثورة التونسية السلمية التي يكاد نورها ينطفيء بفعل خطاباته العنيفة واجراءاته المهددة للحرية
و المشرعة للاستبداد و المنافية للحكم الرشيد.
3- دور أصدقاء تونس الأوفياء، في دعم كل الجهود الوطنية و المساعدات الإنسانية، لجلوس كافة مكونات المجتمع التونسي الدستورية و السياسية و الاقتصادية والاجتماعية و المدنية، بدون اي استثناء في حوار وطني تونسي تونسي عريض و شامل و بمتابعة دقيقة من الشعب التونسي عبر الإعلام الوطني المناضل و مكونات مجتمعه المدني الناشط من أجل خارطة طريق دستورية و تشريعية و سياسية و اجراءات انقاذ عاجلة ثم اصلاحات مالية
و اقتصادية واجتماعية متفق عليها باجماع واسع.
يلعب مجلس نواب الشعب دوره كاملا كجسر دستوري ضروري للمصادقة على هذه الإصلاحات و انتخاب حكومة جديدة ثم الذهاب لانتخابات رئاسية و تشريعية سابقة لاوانها تحت إشراف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات المعترف بها دوليا.
4- التزام الولايات المتحدة الأمريكية وبدعم من كافة أصدقاء تونس عبرالارادة الحرة للحكومة التونسية المنتخبة الجديدة بدعوة الأمم المتحدة و المجتمع
و المؤسسات الدولية من أجل مؤتمر دولي استثماري يساعدها على تجاوز الأخطار المالية و الاقتصادية والاجتماعية المحدقة بها حاليا و يبني قاعدة حقيقية للاستثمار المثمر و التنمية المستدامة و العدالة الاجتماعية
بعث رسالة امل للشباب و العالم لاشراقة جديدة للربيع بالمنطقة العربية او الانحدار إلى هوة سحيقة وخطيرة جدا على الاستقرار و مهددة للأمن الإقليمي و الدولي لا قدر الله.
ماهر المذيوب مساعد رئيس مجلس نواب الشعب بالجمهورية التونسية.
أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on تونس: حوار «اللاءات الثلاث» وقطيعة بين السلطة ومعارضيها .. بقلم كمال بن يونس

تونس: حوار «اللاءات الثلاث» وقطيعة بين السلطة ومعارضيها .. بقلم كمال بن يونس

عشية الاستفتاء على «دستور جديد»

كشف الرئيس التونسي قيس سعيد في كلمة توجه بها للشعب بمناسبة عيد الفطر، ثم بعد مقابلات مع عميدين متقاعدين لكلية الحقوق، عن «خطة العمل» التي يعتزم المضي فيها لتنفيذ «خارطة الطريق السياسية» التي أعلن عنها العام الماضي، بما في ذلك تنظيم استفتاء شعبي على مشروع دستور جديد وتنظيم انتخابات برلمانية مبكرة. وأعلن سعيد عن استكمال مشروع الدستور الجديد «في ظرف أيام» وعن تنظيم حوار حوله وحول الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد مع الأطراف التي ساندت «الإجراءات الاستثنائية» التي اتخذها منذ 25 يوليو (تموز) الماضي، وبينها حل البرلمان والحكومة والمجلس الأعلى للقضاء و«هيئة الانتخابات». لكن سعيد استبعد أي حوار مع معارضيه، ووضع شروطاً جديدة للمشاركة في المسار السياسي المقبل بينها الموافقة على أن تكون «الاستشارة الإلكترونية» منطلقا للحوار رغم تشكيك قيادة اتحاد الشغل وغالبية الأحزاب فيها وفي نتائجها.

تباينت ردود الفعل في تونس وخارجها على مبادرة قيس سعيد الأخيرة، ولا سيما استخدامه في خطابه مجددا صيغة «اللاءات الثلاث»، أي لا صلح لا تفاوض ولا حوار، مع قيادات حزب «حركة النهضة» وكل الأحزاب والمنظمات التي اتهمته بـ«الانقلاب على الدستور»، والتي عاد إلى اتهامها بـ«الخيانة الوطنية والتآمر مع الخارج وبشن أكثر من 120 ألف هجوم إلكتروني على منصة الاستشارة الإلكترونية».

الرئيس التونسي أعلن، من جهة ثانية، عن مشاركة النقابات في الحوار المقبل. لكنه ذكر أنه سيكون مغايرا لسيناريو «الحوار الوطني» الذي نظم في 2013 برعاية نقابات رجال الأعمال والعمال ونقابة المحامين. والمعروف أنه أسفر عن استقالة حكومة «الترويكا» بزعامة حركة النهضة، وتشكيل «حكومة تكنوقراط» وتنظيم انتخابات جديدة بالتوافق مع زعيم المعارضة – في حينه – الرئيس السابق الراحل الباجي قائد السبسي. غير أن سعيد اعتبر أن ذلك المسار السياسي «لم يكن حواراً ولم يكن وطنياً»، رغم الانتقادات التي وجهها إليه أمين عام نقابات العمال الحالي نور الدين الطبوبي وسلفه حسين العباسي.

– دستور وقانون انتخابي جديدان؟

في هذه الأثناء رحبت «التنسيقيات» المساندة بقوة للرئيس سعيد والمحسوبة على «حراك 25 يوليو (تموز) بما وصفته بـ«خطة العمل» التي أعلن عنها الرئيس وبدأت حملة تجنيد مئات من أعضائها في كل المحافظات بهدف تأسيس مكاتب جهوية لها، وكذلك تنظيم «مظاهرات ضخمة» دعما للرئيس وقراراته، مطالبة إياه بمحاكمة أعضاء في البرلمان والحكومات السابقة و«حل الأحزاب» و«المنظمات» التي حكمت البلاد خلال «العشرية السوداء»، أي فترة ما بعد الإطاحة بحكم الرئيس بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011.

كذلك رحب بالقرارات الرئاسية قادة بعض الأطراف السياسية المساندة لسعيد ولمسار «حركة التصحيح»، يتزعمهم الزعيمان اليساريان زهير حمدي من حزب «التيار الشعبي» وعبيد البريكي القيادي النقابي السابق ورئيس «حركة تونس إلى الأمام». واعتبر حمدي والبريكي أن مبادرة الرئيس سعيد الجديدة سوف تمهد لاستفتاء 25 يوليو وانتخاب برلمان جديد قبل نهاية السنة.

– نظام سياسي جديد

أيضاً، تصدر مساندي القرارات الرئاسية في وسائل الإعلام التونسية بعض رموز «الحملة الانتخابية» لسعيد في العام 2019 بينهم أحمد شفتر ورضا شهاب المكي – الملقب بـ«رضا لينين» – ورفاقهما من أنصار «ديمقراطية البناء القاعدي» حسب نظام سياسي شبيه بـ«النظام الجماهيري» الذي اعتمد في ليبيا في عهد رئيسها الراحل معمر القذافي.

ويدعو هؤلاء خلال «الحملات التفسيرية» للمشروع السياسي والقانوني للرئيس سعيد إلى الاستعاضة عن «الاقتراع على القوائم» بـ«الاقتراع على الأفراد»، محليا وجهوياً، ومنع الأحزاب من الترشح. وكذلك، يدعون إلى تعويض «البرلمان» بـ«مجلس نيابي» (أو «مجلس شعب») يجري «تصعيد أعضائه محلياً وجهوياً في المحافظات. ثم تسند لهذا المجلس صلاحيات الإشراف على الدولة وانتخاب الرئيس، مع إمكانية «سحب الثقة» في أي وقت من الوزراء والمسؤولين والنواب، وهو ما يذكر بمنظومة «اللجان الشعبية» و«المؤتمرات الشعبية» و«مؤتمر الشعب العام» و«اللجنة الشعبية العامة» التي حكمت ليبيا حلال العقود التي سبقت إسقاط نظام القذافي في 2011.

– تحفظات… ومعارضة

بيد أن هذه «المقترحات» قوبلت بمعارضة معظم قيادات النقابات والأحزاب، بما في ذلك الأطراف التي رحبت بقرارات 25 يوليو، لكنها قاطعت «الاستشارة الإلكترونية» التي نظمتها رئاسة الجمهورية والحكومة وشارك فيها 6 في المائة فقط من المواطنين. هذا، وكانت تلك «الاستشارة الشعبية الإلكترونية» قد أسفرت – حسب السلطة – عن دعوة إلى تغيير «النظام البرلماني المعدل» الحالي واعتماد النظام الرئاسي بدلاً منه. وأوصت كذلك بإعداد دستور وقانون انتخابي جديدين وفق المشروع الذي سبق أن دعا إليه الرئيس سعيد قبل انتخابات 2019 وبعدها… وتعارضه غالبية الأوساط السياسية والجامعية والحقوقية.

من جهة ثانية، توسعت دائرة المعارضين لمشاريع الرئيس سعيد القانونية والسياسية، وشملت قيادات الأحزاب التي ساندت قراراته في 25 يوليو الماضي، بينها زهير المغزاوي البرلماني والأمين العام لحزب الشعب القومي العربي وسالم الأبيض الوزير السابق للتربية والقيادي في الحزب نفسه، وزعيما حزب التيار الديمقراطي اليساري الوزيران السابقان محمد عبو وغازي الشواشي.

أيضاً قوبلت المبادرة الرئاسية بانتقادات جزئية من قبل قياديين في اتحاد الشغل سبق لهم أن دعوا إلى مقاطعة «الاستشارة الإلكترونية»، ووصفوها بـ«المهزلة»، رغم إصدارهم مواقف رحبت بقرارات 25 يوليو، وأخرى انتقدت بقوة «المنظومة السياسية الحاكمة السابقة» وخاصةً قيادات حركة النهضة والأحزاب التي حكمت البلاد في العشرية الماضية. وفي الوقت نفسه الوقت قوبلت المبادرة الرئاسية بانتقادات شديدة من قبل الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية اليسارية المعارضة، ومن قبل الوزير السابق نجيب الشابي، القيادي في حزب أمل الليبيرالي، بصفته زعيم «جبهة الخلاص الوطني»، التي تضم 10 أطراف سياسية وحزبية، بينها الائتلاف الحاكم السابق وحزب «حراك تونس الإرادة» الذي يتزعمه الرئيس الأسبق الدكتور محمد المنصف المرزوقي.

– تهديدات ومحاكمات

تتزامن كل هذه التطورات مع إعلان الرئيس قيس سعيد إصراره على تنفيذ برنامجه و«خارطة الطريق» التي أعلن عنها بدءا من تنظيم «استفتاء عام» يوم 25 يوليو وانتخابات نيابية يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين. ولقد عقد سعيد لهذا الغرض سلسلة من الاجتماعات المصغرة مع عميدين متقاعدين لكلية الحقوق والعلوم السياسية من بين أساتذته القدامى هما الصادق بلعيد ومحمد الصالح بن عيسى. ولكن عدداً من أبرز أساتذة القانون الدستوري والعلوم السياسية، بينهم شاكر الحوكي وكمال بن مسعود وعبد الرزاق بالمختار وسناء بن عاشور ومنى كريم، شككوا في قابلية هذه الخارطة للتطبيق واعتبروا أنها «غير دستورية وغير قانونية وغير قابلة للتطبيق لوجيستياً بحكم قرب موعد الاستفتاء المقرر لشهر يوليو المقبل»…

وحقاً طعن هؤلاء الأكاديميون خلال تصريحات في وسائل الإعلام وفي مناسبات منها مؤتمرات علمية وسياسية، في «حياد» اللجنة التي تقرر أن يشكلها قصر قرطاج (الرئاسي) لصياغة مشروعي الدستور والقانون الانتخابي والإصلاحات السياسية لأن الصادق بلعيد متقاعد عمره 83 سنة والعميد محمد الصالح بن عيسى متقاعد عمره 74 سنة ويتولى حالياً منصب مساعد الأمين العام لجامعة الدول العربية رئيسا لمكتب تونس بتكليف من الرئيس سعيد نفسه. ومن ثم، اتهم هؤلاء بلعيد وبن عيسي بالانحياز ضد المعارضة ومنظمات المجتمع المدني المستقلة وضد كل الأطراف السياسية والأحزاب والمنظمات التي تحفظت عن «القرارات الاستثنائية» وتطالب بالعودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني وبتنظيم انتخابات برلمانية مبكرة تشرف عليها «هيئة عليا مستقلة لا تكون تابعة للسلطة التنفيذية».

ويظهر أن ضغوط هؤلاء الأكاديميين وأنصارهم تسببت في تغيير عدد من المساندين السابقين لقرارات 25 يوليو مواقفهم، بينهم أستاذ القانون الدستوري الصغير الزكراوي، الذي أصبح «الأكثر حدة» في انتقاد سياسات قصر قرطاج ومبادراته السياسية. وصار يطعن في قانونيتها ودستوريتها في وسائل الإعلام وخلال المؤتمرات العلمية والندوات السياسية داخل الجامعة وخارجها.

– منظمات حقوقية

بالتوازي، دعت قيادات عدة منظمات حقوقية ليبيرالية ويسارية، بينها منظمة «أنا يقظ»، إلى مقاطعة الاستفتاء والانتخابات و«المشروع السياسي» للرئيس سعيد وأصدرت بلاغات تطالبه بالتراجع أولا عن خطوات حل «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات» و«المجلس الأعلى للقضاء» وعن مرسوم استبدالهما بهيئات تختارها السلطة التنفيذية وتحديدا رئاسة الجمهورية…

لكن الرئيس التونسي رد على هؤلاء وعلى كل معارضيه بموقف حازم قائلاً ومشدداً «لا تراجع… ولا عودة إلى الوراء». وعاد في خطابه الجديد الموجه إلى الشعب إلى استخدام صيغة «اللاءات الثلاث: لا صلح لا تفاوض ولا اعتراف». وأعلن أن «الحوار السياسي والاقتصادي سيكون مفتوحا لكنه غير تقليدي ولن يشمل من لم يدعموا حراك 25 يوليو ومن لم يشاركوا في الاستشارة الإلكترونية».

– «الورقة الدولية»

في هذه الأثناء، دخلت العواصم الأوروبية والغربية على خط الأزمة التونسية. وتعاقبت تصريحات رئاسة الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن وممثلو البيت الأبيض والكونغرس الأميركي وسفراء مجموعة «الدول السبع الكبار» في تونس، مطالبةً قصر قرطاج بتنظيم «حوار وطني سياسي لا يقصي أحدا ويؤدي إلى عودة البلاد في أقرب وقت إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني».

هذا، وأعلن وزير الخارجية الأميركي بلينكن والناطق باسم رئاسة الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي أن واشنطن وبروكسل والعواصم الأوروبية تعتبر أن توفير ما تحتاجه تونس من قروض ودعم مالي فوري لمعالجة أزمتها الاقتصادية الاجتماعية الخانقة «مشروط بالعودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني وتنظيم حوار تشاركي». لكن الرئيس سعيد رد بحدة على هذه المواقف وعلى سلسلة البلاغات الأميركية والأوروبية التي انتقدته طوال الأشهر الماضية، مجدداً القول والتساؤل أن «تونس دولة مستقلة ذات سيادة»… لما يعبرون عن «القلق» من أوضاعنا وسياساتنا؟ هل عبرنا عن «القلق» بسبب أوضاعهم وصعوباتهم ومشاكلهم الداخلية؟

الغموض يبقى سيد الموقف إزاء فرص تونس في الخروج من هذا المأزق السياسي والدبلوماسي الذي تسبب إلى حد الآن في «تعليق» غالبية برامج الشراكة المالية والعسكرية بين تونس وشركائها الغربيين، وفي حرمانها من تغطية «عجز» موازنة عامي 2021 و2022 الذي يقدر بحوالي 25 مليار دينار تونسي أي أكثر من 8 مليارات دولار أميركي.

ووسط المواجهة بين الديمقراطية و«القوة الصلبة» توسعت الهوة الفاصلة بين الأفرقاء وصناع القرار الاقتصادي والسياسي الوطني. بل وزاد الأوضاع تعقيدا بروز انشقاقات داخل كبرى الأحزاب والنقابات والأطراف السياسية المحسوبة على الرئيس سعيد. وكانت الأوضاع قد استفحلت منذ استقالة نادية عكاشة، «المرأة القوية» في قصر قرطاج خلال العامين الماضيين وكبيرة مستشاري سعيد منذ 2009، ثم «فرارها» إلى فرنسا مع أسرتها وإطلاقها حملة دعائية عنيفة معارضة لوزير الداخلية رضا شرف الدين، المقرب من الرئيس. ومن ثم، تطورت الحملة بسرعة إلى حملات إعلامية متبادلة بين أنصارها وخصومها داخل «تنسيقيات قيس سعيد» ثم إلى «تسريبات خطيرة» روجت إشاعات واتهامات خطيرة ضد الرئيس والمقربين منه، ما تسبب في فتح تحقيق قضائي ضدها غيابياً.

ولقد ردت شخصيات سياسية وإعلامية كثيرة على هذه الأزمة المستفحلة بالدعوة في وسائل الإعلام إلى «تدخل القوى الصلبة»، أي قيادات المؤسستين العسكرية والأمنية. في المقابل، يدعو كثير من السياسيين المنخرطين في «المبادرة الديمقراطية» و«جبهة الخلاص الوطني» إلى معالجة الأزمة عبر «العودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني» وتنظيم انتخابات مبكرة برلمانية ثم رئاسية… ويعتبرون أن «المؤسسات الديمقراطية وحدها بمقدورها حماية الدولة».

أحمد نجيب الشابي  –  سمير ديلو  –  سميرة الشواشي  –  أسامة الخريجي

من هم زعماء «جبهة الخلاص الوطني» التي تتزعم المعارضة؟

> تشكلت في تونس أخيرا جبهة «الخلاص الوطني» برئاسة المحامي والقيادي اليساري السابق أحمد نجيب الشابي للضغط من أجل «إنقاذ البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخانقة» وتنظيم انتخابات برلمانية مبكرة. أما أبرز قادة هذه الجبهة فهم:

– أحمد نجيب الشابي، رئيس المكتب السياسي لحزب أمل، وهو حزب ليبيرالي أسسه مع عدة شخصيات وطنية قبل انتخابات 2019 بينها السيدة سلمى اللومي سيدة الأعمال والوزير السابقة للسياحة ثم مديرة مكتب الرئيس الباجي قائد السبسي. وكان الشابي قد لمع في عهدي الرئيسين بورقيبة وبن علي بتزعمه للمعارضة القومية العروبية واليسارية الاشتراكية المعتدلة. وتولى الشابي منصباً وزارياً لمدة قصيرة في أول حكومة بعد سقوط بن علي، ثم استقال وعاد للمعارضة بعدما فاز بعضوية البرلمان الانتقالي في أكتوبر 2011.

– جوهر بن مبارك، أستاذ القانون الدستوري. وهو زعيم يساري طلابي سابق، كان وزيرا مستشاراً في حكومة إلياس الفخفاخ عام 2020. وأسس مع عشرات اليساريين والإسلاميين والمستقلين بعد 25 يوليو مبادرة «مواطنون ضد الانقلاب» التي نظمت عدة مظاهرات وتحركات في تونس بمشاركة آلاف المواطنين والنشطاء السياسيين أغلبهم من الإسلاميين وحركة النهضة.

– أسامة الخريجي، نقيب المهندسين التونسيين السابق. تولى حقيبة وزارة الفلاحة عام 2020 بصفة «مستقل» ضمن القائمة التي دعمتها حركة النهضة وحزب «قلب تونس» وحزب «ائتلاف الكرامة».

– إسلام حمزة، محامية يسارية برزت بتحركاتها المعارضة لمسار 25 يوليو وبدورها في المحاكمات السياسية.

– سمير ديلو، محام ووزير سابق في حكومة 2012 – 2013 برئاسة حمادي الجبالي وعلي العريض. استقال من حركة النهضة مع مئات من رفاقه الذين أسسوا مبادرة «تونسيون من أجل الديمقراطية» ويتأهبون لتأسيس حزب جديد منافس للنهضة.

– الحيبب بوعجيلة، نقابي وسياسي يساري معتدل. أستاذ جامعي وحقوقي مستقل وقيادي سابق في الحزب الديمقراطي التقدمي الذي تزعمه أحمد نجيب الشابي قبل 2011.

– سميرة الشواشي، نائبة رئيس البرلمان المحلول، ونائبة رئيس حزب «قلب تونس» الذي يتزعمه رجل الأعمال والإعلام والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية نبيل القروي.

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on الصراع الروسي – الأطلسي في أوكرانيا : الانعكاسات الأمنية والسياسية والاقتصادية قد تكون كارثية في المنطقة .. بقلم كمال بن يونس

الصراع الروسي – الأطلسي في أوكرانيا : الانعكاسات الأمنية والسياسية والاقتصادية قد تكون كارثية في المنطقة .. بقلم كمال بن يونس

تطور الصراع في أوكرانيا وأروبا بين روسيا وحلفائها من جهة وعدد من دول الحلف الأطلسي من جهة ثانية بنسق سريع ، ووقع تدويله بما تسبب في متغيرات إقليمية عالمية وتعقيدات ذات صبغة استراتيجية تنذر بتعفن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الدول النامية غير النفطية بينها تونس.

وأصبحت كل السيناريوهات واردة إقليميا ودوليا وسط تحذيرات من ” حرب عالمية ثالثة ” .

كما زادت التخوفات من المضاعفات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية الخطيرة ومن المتغيرات الجيو استراتيجية المعقدة ، بسبب هذه الحرب التي دخلت فيها موسكو وواشنطن وحلفاؤهما في مواجهة شاملة مباشرة هي الأخطر منذ انهيار جدار برلين ثم الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من 30 عاما.

فما هي الأبعاد الاستراتيجية والتاريخية الثقافية السياسية العميقة للأزمة الدولية التي تسبب فيها تفجير حرب أوكرانيا ؟

وماهي سيناريوهات ما بعد الحرب بالنسبة لبلدان مثل تونس والدول العربية والإسلامية والافريقية ؟

وكيف يمكن احتواء المضاعفات السلبية الحرب والأزمات التي تتسبب فيها ؟

I. أبعاد تاريخية واستراتيجية للصراع بين الدول العظمى في أوكرانيا وشرق أوربا :

يحق للباحثين في متغيرات السياسة الدولية وفي الدراسات الاستراتيجية أن يتساءلوا اليوم مع صناع القرار السياسي الوطني والدولي إن كانت مراكز الدراسات الاستراتيجية المحلية والإقليمية والعالمية توقعت السيناريو الحالي المعقد للحرب في أوكرانيا والتطورات التي سجلت بعده وبينها التعبئة العسكرية الدولية غير المسبوقة شرقي أوربا في ظرف أعلنت فيه واشنطن وعشرات الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي والإتحاد الأوربي حربا اقتصادية مالية شاملة على روسيا وحلفائها .

وإذا كان الأكاديميون والخبراء في المتغيرات الاقليمية والجيو الاستراتيجية نشروا دراسات لم تستبعد سيناريو الأزمة الحالية فهل أخذ صناع القرار بعين الاعتبار ما ورد في تلك الدراسات ؟

أم اتخذوا قرارات التصعيد العسكري والسياسي والحظر الاقتصادي بناء على أجندات خاصة ببعض الدول واللوبيات دون مراعاة تحذيرات الخبراء ؟

في كل الحالات لابد من التوقف عند رمزية الصراع الحالي بين روسيا والحلف الأطلسي في أوكرانيا ومحيطهما الإقليمي :

1. أبعاد تاريخية رمزية للصراع :

الصراع الحالي يعيد بالنسبة لروسيا و أوربا والولايات المتحدة والدول العظمى الأسباب المباشرة لتفجير الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وبينها الصراع للسيطرة على بلدان شرق أوربا ضمن محورين تزعمت إحداهما ألمانيا والثاني بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة .

ويعيد الصراع الحالي لذاكرة الشعوب والسلطات في أوربا مرحلة تحالف ألمانيا النازية واليابان مع الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين واحتلالهما لبولونيا ودول مجاورة لها .

وقد احتلت قوات ستالين شرق بولونيا ومناطق أخرى اعتمادا على قوات أوكرانيا وبلاروسيا وروسيا .

ثم تصدع التحالف بين ستالين وهتلر وتدخلت قوات الولايات المتحدة لتحسم الحرب لصالح فرنسا وبريطانيا وحلفائهما .

2. “الثأر” من نتائج الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي :

في نفس الوقت كشفت الحرب الحالية في أوكرانيا وجود إرادة لدى موسكو وحلفائها لإعادة تغيير خارطة المنطقة ” للثأر” من نتائج الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي و” تغول ” الحلف الأطلسي مقابل انهيار ” حلف وارسو “.

اعتبرت القيادة الروسية أن الوقت حان لتوقف ” زحف قوات الحلف الأطلسي شرقا ” بعد أن أصبحت بولونيا ودول كانت في ” المعسكر الشرقي” مقرا لمؤسسات وقواعد عسكرية أمريكية تضم تمركزت بها أسلحة أمريكية متطورة جدا بينها صواريخ بعيدة المدى وأسلحة غير تقليدية بينها رؤوس نووية ومضادات للأسلحة ” غير التقليدية “.

2. حرب تفجر خلافات ثقافية حضارية وسياسية قديمة جديدة :

ولهذه الحرب بين للرأي العام وصناع القرار في أوربا وروسيا والعالم أبعاد ثقافية حضارية وسياسية عميقة من بينها بالخصوص : الصراع بين ثقافات الغرب الليبيرالي والثقافات الشرقية الآسيوية الروسية والصينية ، وهو محور من محاور الصراع الذي يتوقف عنده ” المحافظون الجدد” و” أقصى اليمين” في أوربا وأمريكا منذ صمويل هنتغتون ورفاقه منذ كتاباتهم عن صراع الحضارات والخطر الصيني القادم وضرورة ” تحييد ” روسيا ودول أخرى لكسب المعركة مع العملاق الصيني – الآسيوي الصاعد ..

واستحضرت في هذا السياق أبعاد للصراعات الثقافية والدينية والأيديولوجية السابقة بين روسيا وشرق اوربا من جهة وغربها من جهة ثانية ، من بينها الحروب الدينية والصراعات بين الاورتودوكس والكاثوليك والبروتستان من جهة وبين الشيوعيين والرأسماليين من جهة ثانية ..

كما يعيد هذا الصراع الى الواجهة صراعات ثقافية سياسية دينية عرقية فجرت في عقد التسعينات في يوغسلافيا السابقة و كوسوفو و أرمينيا و اذريبجان وداخل الاتحاد الروسي..الخ

3. تضخم ملفات الهجرة مجددا :

في نفس الوقت تسبب هذا الصراع في أوكرانيا تسبب في تعميق أزمات أوربا بسبب أخطر ملف أمني سياسي استراتيجي في أوربا : الهجرات الجماعية وتغيير التوازنات الديمغرافية والعرقية والثقافية والدينية .

ولا يخفي قادة أوربا والحلف الأطلسي أن ” أكبر خطر” يهدد بلدانهم بعد تفجير حرب أوكرانيا “تسلل” ملايين المهاجرين إلى بلدان الاتحاد الأوربي ، فضلا عن ملايين الفارين من بؤر التوتر في روسيا و بلدان شرق أوريا ممن وقع قبولهم ” مؤقتا ” بقرار أوربي رسمي .

II. الانعكاسات المرتقبة للحرب في أوكرانيا :

تؤكد أكثر المؤشرات أن الصراع بين موسكو والحلف الأطلسي ، منذ غزو قوات روسيا لأوكرانيا في فيفري الماضي ، سوف يؤثر في العالم أجمع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا كما سيعجل مسار إعادة رسم الخارطة الدولية والنظام الدولي .

وقد تتعقد الأوضاع وتخرج جزئيا عن السيطرة في صورة تصعيد النزاع في بعديه العسكري والاقتصادي و تمديد مرحلة الحرب .

وفي كل الحالات سوف تتسب الحرب الحالية في المتغيرات الجيو استراتيجية الدولية من بينها :

1. إعادة تشكيل النظام الدولي ، وتغيير معطيات ميدانية وسياسية أفرزتها حروب ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ، بينها حروب أفغانستان و الخليج (1980-1988 و1991 و 2003) وحروب ما بعد “ثورات الربيع العربي” 2011 خاصة في ليبيا وسوريا واليمن ..

ويرجح أن تتسبب هذه الحرب في تفعيل الدور السياسي والعسكري والاقتصادي الدولي لبلدان مثل الصين وألمانيا واليابان والبلدان الصاعدة مثل دول الهند والبرازيل” وتركيا وايران وإسرائيل وبلدان شرق اسيا..

كما ستتسبب الحرب الحالية في مزيد تهميش منطقة البحر الأبيض المتوسط وقضايا ” الشرق الأوسط “، وعلى رأسها قضية فلسطين ، مقابل تزايد اهتمام واشنطن وحلفائها بالعملاق الصيني وبالقوى الصاعدة في شرق ووسط آسيا وبينها مجموعة ” شنغهاي” التي تتزعمها بيكين وموسكو وانضمت إليها طهران رسميا في سبتمبر 2021.

2. تشكل أنظمة إقليمية جديدة وإعادة النظر في موازين القوى والادوار في بعض الأقاليم بما في ذلك داخل الإتحاد الأوربي المهدد بمزيد التصدع وتصاعد التيارات الوطنية واليمينية المتطرفة .

وفي الدول النامية عموما والعالم الإسلامي والبلدان الافريقية الفقيرة خاصة ستتسبب الازمات الاقتصادية والسياسية والأمنية في انهيار أنظمة و منظومات جهوية ووطنية بروز اضطرابات وصراعات جديدة قد تؤدي الى سقوط حكومات وانهيار كثير من التحالفات وبروز محاور و تحالفات جديدة ..

3. الانتخابات الأمريكية ومستقبل موسكو:

ومهما كانت سيناريوهات ما بعد الحرب الحالية في أوكرانيا ، سوف تؤثر نتائجها على مستقبل مؤسسات الحكم في عدد من دول العالم وخاصة في واشنطن وموسكو .

وإذا كانت بعض الدراسات والتقارير أوردت أن الأجندا الانتخابية للرئيس الأمريكي بايدن وحزبه في انتخابات نوفمبر القادم كانت من بين أسباب فرضها حظرا اقتصاديا الواسع وتصعيد سياسيا ضد روسيا ، فإن نتائج الانتخابات سوف تتأثر في كل الحالات بحرب أوكرانيا ومدتها وكلفتها وحصيلتها .

في نفس الوقت فإن المستقبل السياسي للقيادة الروسية وحلفائها الدوليين والاقليميين ، بما في ذلك في بلدان مثل ايران وسوريا والجزائر، سوف يكون رهين نتائج هذه الحرب في أوكرانيا ومحيطها الإقليمي .

III. كيف يمكن لتونس والبلدان العربية والنامية احتواء مضاعفات حرب أوكرانيا ؟

رغم التعقيدات والمضاعفات السلبية الكثيرة للحرب الحالية في أوكرانيا على المدة القصير وعلى المدى المتوسط والبعيد ، يمكن للدول النامية غير النفطية ، بينها تونس وعدد من الدول العربية ، احتواء الازمة وإيقاف النزيف وتجنب سيناريوهات الانهيار والفوضى ومزيد تفكك مؤسسات الدولة والمجتمع .

في هذا السياق يمكن التوقف خاصة عند الأولويات التالية :

1. القطع مع سياسات الارتجال واعتماد استراتيجيات واضحة وسياسات قابلة للتنفيذ يشرف عليها سياسيون لديهم رؤيا ومشروع تنمية شاملة يحترمون شروط الحوكمة الرشيدة .

2. استبدال الديبلوماسية التقليدية بديبلوماسية براغماتية جديدة تحسن التفاوض مع كبار الممولين والشركاء الدوليين ماليا ، بما في ذلك عبر توظيف ” تقاطع المصالح ” الأمنية والعسكرية بين تونس ودول الجنوب مع دول الحلف الأطلسي للحصول على دعم مالي كبير مقابل ” الخدمات” و” التسهيلات ” التي تقوم بها القوات المسلحة التونسية لتأمين البحر الأبيض المتوسط ودول شمال افريقيا والساحل والصحراء ومراقبة الهجرة غير القانونية وشبكات التهريب والإرهاب ..الخ

3. تنويع الشركاء لتحسين شروط التفاوض وفرص تمويل ميزانية الدولة وترفيع قيمة الاستثمارات الدولية والمبادلات التجارية الخارجية .

4. اصلاح الوضع الداخلي وتحصين الجبهة الوطنية أولا ، لأن شراكة دول العالم ومؤسساته الاقتصادية والمالية مع أي دولة تأخذ بعين الاعتبار مناخ الاستثمار ومؤشرات الاستقرار والسلم المدني وطنيا .

5. توظيف موقع تونس الإقليمي وثراء تجاربها السياسية والثقافية وانخراطها في نادي الدول التي تبنت القيم الديمقراطية الكونية للحصول على ما تحتاجه من دعم لاقتصادها واستقرارها وتنمية مواردها البشرية والمالية .

الخاتمة :

رغم تشعب أبعاد الحرب الروسية الأطلسية في أوكرانيا وشرق أوربا ، يمكن للبلدان النامية وغير النفطية مثل تونس أن توظف هذه الحرب للخروج من أزماتها الهيكلية والظرفية المتراكمة .

ويحكم الصبغة غير التقليدية للأزمة الحالية لابد من اعتماد سياسات وحلول غير تقليدية ، لاسيما عبر تشريك المؤسسات العسكرية والأمنية والقطاع الخاص والنخب الثقافية في التحركات الديبلوماسية الرسمية وشبه الرسمية و” الديبلوماسية الموازية “.

كمال بن يونس

مستشار دولي . باحث في السياسة الدولية

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on تونس بعد غلق البرلمان : “معركة شرعيات” واتهام سياسيين ب”التامر على امن الدولة”.. بقلم كمال بن يونس

تونس بعد غلق البرلمان : “معركة شرعيات” واتهام سياسيين ب”التامر على امن الدولة”.. بقلم كمال بن يونس

تباينت ردود الفعل على قرار الرئيس قيس سعيد ” حل البرلمان ” ، الذي سبق أن أمر ب”تجميده” وغلق مقراته منذ أكثر من 8 أشهر.

فقد رحب بالقرار عدد من السياسيين، بينهم رئيسة الحزب الدستوري البرلمانية عبير موسي ، وعارضه زعماء كبرى الأحزاب والكتل المعارضة ومقربون سابقون من الرئيس سعيد بينهم زعماء” الكتلة الديمقراطية ” مثل الوزير السابق غازي الشواشي والقيادي في حزب الشعب القومي العربي الوزير السابق سالم الأبيض والحقوقي والوزير السابق المحسوب على “اليسار الراديكالي” محمد عبو وزوجته البرلمانية والمحامية سامية عبو حمودة .

لكن من بين المفاجآت أن كان من بين المرحبين بقرار حل البرلمان سياسيون وبرلمانيون يعارضون بقوة قرارات الرئيس قيس سعيد، لكنهم كشفوا أن هدفهم كان “دفعه” نحو اصدار قرار حل البرلمان قصد إنهاء ” الإجراءات الاستثنائية ” المعتمدة منذ 25 يوليو الماضي، بحجة أن الدستور ينص على ذلك وعلى تنظيم انتخابات مبكرة في اجل أقصاه 3 أشهر.

وتعاقبت ردود الفعل على خطوة حل البرلمان وعلى قرار غالبية النواب ، في جلسة عامة افتراضية ، الغاء كل القرارات الرئاسية ” الاستثنائية ” التي صدرت خلال الأشهر الثمانية الماضية ،بدعوة مخالفتها للقانون والدستور.

وقد رد قصر قرطاج والسلطات الأمنية والقضائية على ذلك بفتح تحقيق رسمي ضد عشرات من النواب والسياسيين بعد توجيه اتهامات خطيرة ضدهم بينها ” التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي “و”التواطؤ مع الخارج” و” التورط في أكثر من مائة ألف من الهجمات الإلكترونية على مواقع رسمية للدولة”.

فإلى أين تسير البلاد ؟

وكيف سيتطور المشهد السياسي بعد تعمق معركة “الشرعيات” والصراعات على السلطة وعلى مواقع صنع القرار ، التي استفحلت منذ اسقاط حكم الرئيس زين العابدين بن علي في يناير 2011 ؟

استبشار بعض المعارضين

ورغم بعض بيانات المعارضين التي انتقدت قرار حل البرلمان ، ” لأسباب دستورية وقانونية ، كشف عدد كبير من قادرة المعارضة عن تفاؤلهم بتغيير المشهد السياسي قريبا ، وبقرب انتقال البلاد من مرحلة ” النزاع حول شرعية قرارات 25 يوليو إلى طور تشكيل ” جبهات سياسية ” و” مشهد حزبي وطني جديد ” للمشاركة في الانتخابات المبكرة التي من المقرر تنظيمها دستوريا في ظرف 3 أشهر.

وكان من بين مفاجآت ما بعد قرار حل البرلمان أن صدرت تصريحات عن نائب رئيس البرلمان طارق الفتيتي ، وهو من بين خصوم حزب النهضة ورئيسها راشد الغنوشي ، أورد فيها أن ” الهدف من الجلسة العامة الافتراضية التي نظمت الأربعاء 30 مارس ، والتي تولى رئاستها، كان ” حلحلة الوضع ” و” تغيير المشهد السياسي ” و” استفزاز رئيس الدولة حتى يصدر قرار حل مجلس النواب ثم الدعوة الى انتخابات مبكرة فتنتهي مرحلة ” الاستثناء”.

انتخابات بعد 3 أشهر

 

لكن الرئيس قيس سعيد استبعد سيناريو تنظيم الانتخابات في ظرف 3 أشهر، مثلما ينص على ذلك الفصل 89 من الدستور، الذي سبق له أن أصدر قرارا في سبتمبر الماضي أعلن فيه تجميده ما عدا الفصلين الأول والثاني حول الصبغة الجمهورية للدولة والهوية الوطنية العربية الإسلامية والحريات.

 

كما تهجم سعيد على بعض المعارضين الذين روجوا لفصول القانون والدستور التي تنص على تنظيم انتخابات مبكرة في اجل يتراوح بين 45 يوما و3 أشهر ، وقال عنهم :” انهم واهمون “.

 

وتمسك الرئيس التونسي بخارطة الطريق التي سبق أن أعلن عنها موفى العام الماضي والتي تنص على تنظيم استفتاء شعبي على تعديل دستور 2014 يوم 25 يوليو ثم انتخابات تشريعية يوم 17 ديسمبر / كانون الأول القادمين .

 

وقد رحبت أطراف سياسية ونقابية بتلك المبادرة بينما عارضتها قيادات النقابات وعدة أحزاب ، وطالبت باستبدالها ب” خارطة طريق توافقية ” يقع التوصل إليها بعد ” حوار وطني ” و” مسار تشاركي”.

 

ويتزعم معارضي مبادرة سعيد أمين عام نقابات العمال نور الدين الطبوبي و رئيسة الحزب الدستوري عبير موسي وزعماء المعارضة “الديمقراطية الاجتماعية ” أحمد نجيب الشابي و خليل الزاوية وغازي الشواشي وعصام الشابي ،إلى جانب قيادات “الائتلاف البرلماني الحاكم” قبل 25 يوليو وخاصة أحزاب قلب تونس والنهضة وائتلاف الكرامة وتحيا تونس ..

 

ويؤكد هذا التباين في المواقف تعمق ” صراع الشرعيات ” بين رئيس جمهورية انتخبه مليونان و700 الف ناخب واطراف سياسية برلمانية شارك في انتخابها في 2019 اكثر من 3 ملايين ناخب ..

 

تحسين شروط التفاوض

 

ولعل أبرز سؤال يفرض نفسه بعد اصدار البرلمان “المجمد” قرارا بإلغاء كل الأوامر الرئاسية منذ 25 يوليو ثم اصدار الرئيس “قرارات طوارئ ” بحل البرلمان واتهام بعض النواب على القضاء ب”التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي “: ماذا بعد هذا التصعيد غير المسبوق في تاريخ البلاد ؟

 

هل يتعلق الأمر بمجرد ” تصعيد ظرفي بهدف رفع سقف المطالب ” أم تتجه الأوضاع نحو القطيعة والصدام بين السياسيين في مرحلة تمر فيها البلاد بأكبر أزمة مالية واقتصادية في تاريخها ؟

 

قيادات اتحاد نقابات العمال ورجال الأعمال والفلاحين وعدد من قادة الأحزاب السياسية طالبوا مجددا ب” حوار وطني ” يسفر عن توافق حول الملفات الاقتصادية والاجتماعية الملحة وحول تنظيم انتخابات مبكرة وتشكيل” حكومة تصريف أعمال قوية” أو ” حكومة انقاذ” تشرف على تنظيم الانتخابات مع ” الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ” .

 

تحفظات

 

لكن الرئيس التونسي كشف مرارا أن لديه تحفظات على هذه الهيئة العليا للانتخابات .

 

وتهكم عليها قائلا :” ما يسمى بالهيئة العليا ” و” ما يسمى بالمستقلة “.

 

وقد صدرت تصريحات مماثلة عن قيس سعيد شكك فيها في استقلالية المجلس الأعلى للقضاء المنتخب قبل حله مطلع العام الجاري .

 

وفي الوقت الذي انحازت فيه قيادات المؤسستين العسكرية والأمنية إلى الرئيس في صراعاته مع معارضيه ، كشفت أوساط عديدة أن ” بعض الأوساط الرسمية ” تسعى لإعادة تكليف وزارة الداخلية بالإشراف على الانتخابات ، على غرار ما كان معمولا به قبل 2011

قرار حاسم

لكن أغلب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وقيادات المنظمات الحقوقية والسياسية اعترضت على ذلك واستدلت بتصريحات الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي حول ” تزييف وزارة الداخلية لكل الانتخابات في عهدي الرئيسين الاسبقين زين العابدين بن علي والحبيب بورقيبة “، أي لكل الانتخابات التي نظمت ما بين 1959 و2010.

كما نصح مناصرون لفريق قيس سعيد، مثل المستشار السابق في رئاسة الجمهورية طارق الكحلاوي ، الرئاسة التونسي بعدم حل هيئة الانتخابات المستقلة ” بعد الانتقادات الاوربية والأمريكية والدولية الكبيرة التي وجهت لتونس بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وتجميد الدستور والبرلمان وهيئة مكافحة الفساد والهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين..”.

واستدل الكحلاوي بالزيارة الرسمية التي أدتها مؤخرا إلى تونس مساعدة وزير الخارجية الأمريكي المكلفة بشؤون الأمن المدني والديمقراطية أوزرا زيا ، والتي صرحت بعد مقابلات مع رئيسة الحكومة نجلاء بودن ووزير الخارجية عثمان الجارندي و رئاسة هيئة الانتخابات أن حكومتها مستعدة لدعم تونس اقتصاديا شرط العودة الى المسار الديمقراطي البرلماني .

وأوردت عضو الحكومة الأمريكية أن واشنطن تدعم هذه الهيئة ماديا ومعنويا منذ 2011 ، وهي تدعو إلى أن تشرف على الانتخابات القادمة ، مثلما أشرفت على انتخابات 2011 و 2014 و 2019 البرلمانية والرئاسية وعلى الانتخابات البلدية في 2018 ، بما في ذلك تلك التي فاز فيها قيس سعيد .

لكن مواقع إعلامية رسمية وافتراضية محسوبة على ” التنسيقيات المساندة لقيس سعيد ” انتقدت تصريح المسؤولة الامريكية وطالبت بإعادة تكليف وزارة الداخلية بالإشراف على العملية الانتخابية .

كما رد سعيد على السياسيين التونسيين الذين وصفهم ب” الخيانة الوطنية ” بسبب تعاملهم مع عواصم أجنبية . ورد على مساعدة وزير الخارجية الامريكية وعلى أعضاء الكنغرس الأمريكي والبرلمانات والحكومات الاوربية الذين عارضوا سياساته قائلا :” تونس دولة مستقلة وقرارها الوطني مستقل ” .

عريضة أساتذة القانون

 

كما شهدت الساعات التي عقبت الإعلان عن حل البرلمان تحركات بالجملة توشك أن تؤثر في المشهد السياسي ، من بينها تحرك قام به نحو 40 من كبار الحقوقيين وأساتذة القانون وعمداء كليات الحقوق و المسؤولين في قطاع القضاء .

وأعلنت ” عريضة ال40 ” معارضة أغلب القرارات التي صدرت منذ 25 يوليو ومن بينها “إلغاء للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين” و”تجميد هيئة مكافحة الفساد وحل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب ( …) وصولا إلى حل مجلس نواب الشعب وتكليف وزيرة العدل بإسداء تعليماتها للنيابة العمومية “لتتبع النواب المشاركين في الجلسة العامة بتهمة تكوين وفاق للتآمر على أمن الدولة “.

واعتبر هؤلاء الجامعيون والحقوقيون “هذا ونذكر بأن الدستور هو عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكومين لا يمكن أن يكتسب صفته الديمقراطية إلا إذا تمّ وضعه من قبل ممثلين منتخبين عن الشعب، وبأن دستور الجمهورية التونسية لعام 2014 لم يصدر بشكل اعتباطي، بل حظي بإجماع نواب المجلس الوطني التأسيسي، وبرعاية الأمم المتحدة. كما أشادت به لجنة البندقية، ولقي من العالم كل ترحيب”.

ودعا هؤلاء الجامعيون “كل القوى الحزبية والاجتماعية والمدنية إلى توحيد الصف من أجل إنقاذ البلاد مما تردت اليه…”

في نفس السياق تحركت مجموعات ” المبادرة الديمقراطية ” و ” مواطنون ضد الانقلاب ” و ” محامون من اجل الديمقراطية ” وعدة منظمات حقوقية ونسائية وشبابية للدعوة إلى توحيد كل المؤمنين ب” شرعية صناديق الاقتراع ” و ” المسار الديمقراطي ” إلى التوحد والانطلاق في التحضير للانتخابات والضغط من أجل أن تعقد في ظرف 3 أشهر..

لكن سياسيين وخبراء قانون يساندون قرارات الرئيس قيس سعيد ، بينهم وزير العدل والتعليم العالي سابقا الصادق شعبان ، قاموا بتحركات في اتجاه معاكس ” دعما لشرعية رئيس الدولة ” ولخارطة الطريق التي سبق أن أعلن عنها ، أي تنظيم الانتخابات موفى العام الجاري والتمهيد لذلك بتعديل قانون الانتخابات والدستور .

منعرج أمني ؟

في الاثناء جددت القيادة المركزية لكبرى النقابات التونسية والعربية ، الاتحاد العام التونسي للشغل ، الدعوة إلى “حوار وطني يشمل كل الأطراف الاجتماعية والسياسية ” استعدادا للانتخابات المبكرة .

لكن قيس سعيد أدلى بتصريح جديد أورد فيه أن ” الحوار لن يكون مع المتهمين بالتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي ” وبينهم أغلبية أعضاء البرلمان الذين اتهمهم ب” محاولة الإنقلاب على الدولة ” بسبب مشاركتهم في اجتماع الجلسة العامة الافتراضية للبرلمان يوم الأربعاء 30 مارس.

كما عقد الرئيس التونسي اجتماعا مع وزراء الداخلية والعدل والدفاع تحدث فيه عن تتبع البرلمانيين والسياسين الذين اتهمهم ب”التآمر والخيانة “.

وأكد عشرات النواب وبلاغات من عدة أحزاب أن بعض البرلمانيين والسياسيين تلقوا دعوات رسمية للمثول أمام مصالح الأمن للتحقيق معهم بعد رفع الحصانة عنهم .

وأجرى قيس سعيد محاثتين هاتفيتين مع نظيريه الجزائري عبد المجيد تبون والمصري عبد الفتاح السيسي ، لاطلاعهما على ” المستجدات” و” تهنئتهما بحلول شهر رمضان المعظم”.

في نفس اليوم ارسل سعيد وزير خارجيته عثمان الجارندي الى الجزائر، حيث عقد جلسة خاصة مع الرئيس الجزائري أبلغه فيها ” رسالة سياسة” من نظيره التونسي.

وفي الوقت الذي حذر فيه عدد من كبار السياسيين والنقابيين من ” المنعرج الأمني” و”إعادة البلاد إلى مربع المواجهات الأمنية والسياسية ” التي عرفتها في عهدي بورقيبة وبن علي ، يبدو الشارع التونسي منشغلا أكثر بالأزمة الاقتصادية الاجتماعية المستفحلة وبعجز الدولة لأول مرة عن توفير حاجياتها المالية الدنيا بسبب خلافات بين السلطات التونسية والنقابات والمعارضة من جهة ومع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوربي من جهة ثانية ، بما في ذلك في الموقف من تجميد الأجور و التوظيف في القطاع العام لمدة 5 أعوام ورفع الدعم عن المحروقات والمواد الأساسية وإصلاح القطاع العام والتفويت في الشركات العمومية المفلسة ..

فهل تفتح الانتخابات بصيص أمل وتساهم في طي صفحة الخلافات والأزمات المتراكمة وسط تلويح المركزية النقابية بتنظيم اضراب عام وطني واضرابات عامة قطاعية وجهوية ؟

أم تزداد الأزمات حدة مع بروز مشهد سياسي تتعمق فيه الهوة بين أنصار الرئيس وخصومه بما يوشك أن يتسبب في عدم تنظيم الانتخابات بعد 3 أشهر أو موفى العام ؟

في كل الحالات تبدو البلاد رهينة عوامل داخلية وخارجية كثيرة بينها المضاعفات الاقتصادية والاجتماعية لوباء كورونا و حرب أوكرانيا ..

المحاكمات العسكرية ومحكمة أمن الدولة في تونس

أعاد اتهام سياسيين وبرلمانيين بالخيانة الوطنية والتآمر على امن الدولة الداخلي والخارجي إلى الأذهان ملفات “المحاكمات في قضايا ذات صبغة سياسية ” التي نظمت في تونس منذ استقلالها عن فرنسا في 1956 ، من قبل محاكم عسكرية ومحكمة امن الدولة ومحاكم استثنائية ومحاكم حق عام عادية .

ومن أبرز تلك القضايا :

+ قضايا رفعت بعد استقلال تونس مباشرة ضد المعارضين للرئيس الحبيب بورقيبة والمقربين منه ضد خصمه امين عام الحزب الدستوري صالح بن يوسف والاف من أنصاره ، بسبب اختلافاتهم السياسية وصراعهم على المواقع.

+ قضايا رفعتها ” المحاكم الشعبية ” ضد محسوبين على النظام الملكي والعائلات مع الشخصيات المتهمة بالتعامل مع سلطات الاحتلال الفرنسي .

وقد صدر في 23 نوفمير 1957 قانون ” تحصين الاستقلال والعزل السياسي” لتبرير تلك المحاكمات فوقع توظيفه في المحاكمات التي شملت الوزير السابق والزعيم الوطني الطاهر بن عمار الذي وقع باسم الحركة الوطنية في 1955 و1956 وثيقتي الاستقلال الداخلي والاستقلال التام..

+ محاكم استثنائية أخرى ، أهما محكمة أمن الدولة ، التي مثل أمامها بين 1968 و 1975 مئات من الشباب المحسوب على الحركة الوطنية والنقابات واليسار الشيوعي والبعثي والناصري الذي اتهم وادين بالخيانة الوطنية والتعامل مع نظام معمر القذافي في ليبيا وأنظمة البعث في المشرف العربي و النظامين الروسي والصيني ..الخ

+ محكمة أمن الدولة حكمت مرارا في الستينات والسبعينات على متهمين بالإرهاب بزعامة مدير أمن الرئاسة والقائد العسكري الازهر الشرايطي . وقد اتهموا بمحاولة الانقلاب على حكم الحبيب بورقيبة في 1962 .

كما حوكم متهمون آخرون في فضايا مماثلة في السبعينات / من بينهم ” كوندوس ” اتهم بمحاولة اغتيال رئيس الحكومة الهادي نويرة ووزراء اخرين بدعم من النظام الليبي في عهد معمر القذافي . وكانت اكبر محاكمة تلك التي نظمت في 1980 ضد ” كومندوس” مسلح تدرب في ليبيا وسلحته سلطات ليبيا والجزائر وقتها وهاجم مدنية قفصة في الجنوب الغربي للبلاد، قادما من الجزائر، وسيطر عليه لمدة ساعات . لكن تدخل قوات فرنسية ومغربية اجهض العملية . وقد حكوم اغلب أعضاء هذا الكومندوس بالإعدام و اعدموا .

+ محكمة أمن الدولة حاكمت في 1978 قيادة اتحاد نقابات العمال وزعيمها الحبيب عاشور بالسجن لمدة 10 أعوام بعد اتهامها بالعنف ومحاولة تغيير نظام البلاد بالقوة بسبب إضراب عام نظمته في يناير 1978.

++ محكمة أمن الدولة حاكمت عشرات من قيادات حزب ” حركة الاتجاه الإسلامي ” بينهم راشد الغنوشي وعلي العريض وحمادي الجبالي في 1987 بتهمة التآمر على أمن الدولة . وتراوحت الأحكام بين الإعدام والسجن المؤبد و عدم سماع الدعوى .

++ محكمة عسكرية حاكمت مطلع التسعينات مئات من قيادات حركة النهضة بتهم “التآمر على أمن الدولة “.

وتراوحت الأحكام بين الإعدام والمؤبد والسجن لمدة أشهر .

++ كما حوكم مئات المعارضين السياسيين والطلبة والنقابيين طوال عهدي الرئيسين الاسبقين بورقيبة وبن علي في ” قضايا ذات صبغة سياسية ” أمام محاكم عسكرية ومدنية عادية ..

فهل يؤدي التصعيد السياسي الجديد بين السلطة وبعض معارضيها الى إعادة فتج باب المحاكمات ذات الصبغة السياسية ؟