أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on حوار بين اكاديميين علمانيين واسلاميين ومستقلين في كلية الاداب والعلوم الإنسانية حول الخطاب الديني المعاصر في العالم العربي والإسلامي واوربا وفي العالم… بقلم كمال بن يونس

حوار بين اكاديميين علمانيين واسلاميين ومستقلين في كلية الاداب والعلوم الإنسانية حول الخطاب الديني المعاصر في العالم العربي والإسلامي واوربا وفي العالم… بقلم كمال بن يونس

في سابقة علمية وسياسية في الجامعة التونسية انطلق عشرات الأكاديميين والمثقفين التونسيين العلمانيين والإسلاميين من اختصاصات مختلفة في إعداد بحوث بمنهجية “موسوعية” وتنظيم حوارات علمية مفتوحة عن الخطاب الديني السياسي المعاصر و”الظاهرة الدينية” التي تزايد تأثيرها المجتمعي والسياسي والثقافي في العالم الإسلامي وأروبا وفي أغلب المجتمعات..

الحوارات انطلقت في ندوة كبرى افتتحها الأستاذ المنصف التائب عميد كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة غربي العاصمة تونس تحت عنوان: “الخطاب الديني أشكاله ووظائفه” وشارك فيها باحثون وخبراء من كل جامعات البلاد ومراكز الدراسات الاجتماعية والسياسية من اختصاصات مختلفة، بينهم المفكر احميدة النيفر رئيس قسم الدراسات الإسلامية في المجمع التونسي للعلوم والآدب والفنون بقرطاج “بيت الحكمة”، والأكاديمي محمد بن الطيب رئيس هذا “المخبر العلمي الجامعي” والذي يشرف منذ سنوات على ندوات وأبحاث وطنية كبرى حول “الظاهرة الدينية” في تونس وفي المنطقة بأبعادها الفكرية والسياسية والاجتماعية..

وقد أوضح الأستاذ محمد بن الطيب رئيس هذا المخبر العلمي لـ “عربي21” أن وثيقة هذا المشروع العملاق نصت بوضوح أن كل الأبحاث المقدمة تشترط تقديم “دراسات علمية بعيدا عن النزعات الإيمانية والخلفيات الاعتقادية والتوجهات الإيديولوجية” للباحثين، بغاية فهم الظاهرة الدينية المعاصرة وفسيفساء خطابها الثقافي والسياسي الاجتماعي الجديد “واستجلاء خصائصها ومقوماتها واستكشاف أبعادها وغاياتها وتحديد أشكالها ووظائفها والوقوف على مرجعياتها وعلاقاتها وآليات اشتغالها “.

4 محاور

لذلك وقع تقسيم أشغال الندوة التي استمرت يومين كاملين إلى أربعة جلسات علمية تناولت أربعة محاور:

أولها ـ في مفهوم الخطاب الديني ومناهجه وعلاقته بالخطابات الأخرى
وثانيها ـ في الخطاب الديني والسياسة والمجتمع
وثالثها ـ في أشكال الخطاب الديني المعاصر وقضاياه
ورابعها ـ قراءات في الخطاب الديني

وقد نوه رئيس قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة “بيت الحكمة” بقرطاج احميدة النيفر بالمستوى العلمي وضوح المنهجية في أغلب الورقات المقدمة من قبل عشرات المشاركين والمشاركات في هذا “المحفل العلمي”، بمن فيهم نخبة من كبار الباحثين في جامعة الزيتونة وكليات الآداب والعلوم الإنسانية والحقوق والاقتصاد مراكز البحث الجامعي المستقلة مثل محمد الحاج سالم والحبيب النهدي والحسني الغابري و بثينة الجلاصي وصادق السلامي ورفيعة عطية..

وتوقع الأستاذ كمال الساكري مؤلف دراسة “الظاهرة السلفية في الوطن العربي” في تصريح لـ “عربي21” أن تمهد هذه الندوة الكبرى في تحقيق الأهداف الطموحة التي رسمها المشرفون عليها وعلى المشوار البحثي لـ “مخبر الظاهرة الدينية” ومن بينها نشر كتب معمقة تتضمن دراسات محكمة (بضم الميم وفتح الكاف) تساعد المعنيين بها من جامعيين ومثقفين وسياسيين وصناع رأي عام .

العيش المشترك.. وعقلنة الوعي الجمعي

في نفس السياق أورد رئيس هذه السلسلة من الورشات العلمية محمد بن الطيب في تصريح لـ “عربي21” أنه وفريق الباحثين يهدفون إلى التوصل إلى تحقيق نتائج عديدة من بينها “الدراسة العميقة للجماعات الدينية باعتبارها ظواهر اجتماعية حية ومزيد فهمها فهما علميا واستجلاء العلاقات بين الإسلام والأديان الأخرى.”

ومن بين الأهداف الأخرى لهذا المشروع العلمي الثقافي السياسي الطموح حسب وثيقته التأسيسية التي صاغها فريق لجانه العلمية والتنظيمية: “عقلنة الوعي الجمعي وتكريس مبدأ العيش المشترك وتفكيك ثقافة التنافي وتجاوزها و نشر روح النقد الذاتي.”

محمد بن الطيب.. جامعي تونسي

كما أكدت كلمات المشاركين فتحي القاسمي ومحمد الحاج سالم وبثينة الجلاصي وناجي الحجلاوي وسامي ابراهم على أن من بين أهداف مشروعهم “تجنب الأحكام المسبقة في تقويم الظاهرة الدينية والاحتكام في فهمها إلى البرهنة العلمية بعيدا عن كل تأويل مذهبي أو إيديولوجي.”

أديان العالم.. والإسلام

ولعل أحد أبرز نقاط القوة في هذه الندوة وفي المشروع البحثي الكبير إعدادها دراسات مقارنة بين الفكر الإسلامي المعاصر وأديان العالم الحديث من جهة وبين الظواهر الدينية المعاصرة في المجتمعات الإسلامية ونظيرتها دوليا .

في هذا السياق قدمت الأستاذة نجا قرفال الباحثة في جامعة قابس جنوبي تونس ورقة علمية مهمة عن “الخطاب الديني عند الفيلسوف الأمريكي هوستن سميث” صاحب كتاب “أديان العالم”، الذي وقع بيع أكثر من 3 ملايين نسخة منه .

وخصص الباحث في علم الاجتماع في مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية سامي ابراهم مداخلته لـ “بيان المجمع الفاتيكاني الثاني حول الأديان عموما والإسلام خاصة” وانعكاساته على تشجيع الحوار بين الأديان والثقافات والشعوب التي لديها عقائد مختلفة .

وعني الأكاديمي في جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية سمير الزغبي بـ “فكر المقاومة في الخطاب الديني لدى المطران جورج كابوتشي”.

ونفذت بعض المداخلات إلى إشكاليات السياسة والدين ومسارات الإصلاح الفكري في علاقة بالمرجعيات الثقافية والدينية .

في هذا السياق أيضا جاءت مداخلة الباحث في مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية ـ سيريس ـ كمال الصيد عن ” المسألة الاجتماعية في الخطاب الديني بين البابا ليون الثالث عشر والشيخ الطاهر بن عاشور”.

واعتبر كمال الصيد في تصريح لـ “عربي21” أنه اهتم بمسيرة هذا البابا لأن من بين نقاط قوته أنه قدم منذ القرن الـ 19 مراجعات فكرية مهدت لتأسيس “أحزاب ديمقراطية مسيحية” ولتوظيف المرجعيات الدينية في الدفاع عن المطالب الاجتماعية للشعوب .

واعتبر كمال الصيد في ورقته العلمية في الندوة أن مؤلفات الشيخ الطاهر بن عاشور وعدد من معاصريه في جامعة الزيتونة والحركة الوطنية الثقافية والسياسية مثل الشيخ الطاهر الحداد أنها عنيت كذلك بالأبعاد الاجتماعية والسياسية للفكر الديني ومقاصد التشريع الإسلامي. لكن الصيد استطرد واستنتج خلال مداخلته أن “تأسيس أحزاب إسلامية ديمقراطية على غرار الأحزاب المسيحية الديمقراطية تأخر في العالم الإسلامي إلى مرحلة ما بعد الاستقلال وبناء” الدولة الحديثة”، على غرار ما حصل في تونس عام 1981 عند تأسيس “حزب حركة الاتجاه الإسلامي”، الذي تطور لاحقا إلى حزب النهضة .

عياض بن عاشور والشيرازي

ومن بين إضافات هذا المشروع البحثي العلمي الطموح تقديم بعض المحاضرين ورقات تميزت بجرأتها مثل تلك التي قدمها الباحث غفران الحسايني عن “نقد الخطاب الديني” للفيلسوف والمفكر الإيراني في القرن الـ 16 نصر الدين الشيرازي، ومؤلفه “رؤوس الشيطان في علاقة الفقيه بالسلطان”.

وبرز الجرأة أيضا في ورقة الأكاديمي أبوبكر المباركي عن مؤلفات العلامة عياض بن عاشور نجل الشيخ والمصلح الوطني الفاضل بن عاشور وحفيد العلامة الطاهر بن عاشور .

ولئن وجه كثير من النشطاء السياسيين والجامعيين التقليديين عياض بن عاشور “علمانيا” و”حداثيا فرنكفونيا قطع مع الفكر الإسلامي”، فإن المباركي حاول أن يبرهن عن العكس، من خلال قراءة مقارنة لأدبياته و مقارنتها بمرجعيات جده المصلح الطاهر بن عاشور وآخرين .

واعتبر أبو بكر المباركي في تصريح لـ “عربي21″ أن الكتب الفكرية لعياض بن عاشور تميزت بجرأة كبيرة في تناول المواضيع الفكرية”.

واعتبر المباركي أن من بين إضافات بن عاشور الجمع بين اختصاصات القانون والتشريع والعمق الفلسفي والدراية بفلسفة الاخلاق ونظريات القيم وفسلفة الدين، بين فسلفة كانط والمرجعيات الفقهية والتشريع الإسلامي، فتجح حيث فشل غيره في تفكيك بين اللغز بين الذنب دينيا والجريمة قانونيا. كما فشلت منظومة الفقه التقليدية في صنع فكر حديث وفلسفة جديدة للفقه. فبقي يالفقه تقليدا مهشما وممارسة فيها اجترار .

في المقابل نجح عياض بن عاشور في أن يستوعب التراث برؤية جديدة، لكن عديد مؤلفاته لم تدرس، وآراؤه على جدتها تمر دون ان تجد من يناقشها بعمق من قبل علماء العلوم الإسلامية وفقهاء القانون والقانون الدستور، بالرغم من كونه طرح “ثورة فكرية سياسية” عند إشرافه عام 2011 على الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة .

الظاهرة الدينية عربيا وعالميا

ونوه عدد من المشاركين في هذه الندوة وفي كامل المشروع البحثي الذي دشنته بمثل هذه الإضافات وبتخصيص اليوم الأخير من الملتقى لتقديم قراءات في الخطاب الديني المعاصر في تونس وعربيا وإسلاميا وعالميا .

وقدمت بالمناسبة مداخلتان طريفتان عن “خصائص الخطاب الديني عند احميدة النيفر” في مرحلة 1978 ـ 1990، من خلال شهادة قدمها النيفر وورقة علمية أعدها الاكاديمي ناجي الحجلاوي بعد قراءة لمجموعة من أشرطة صوتية تضمنت تسجيلات لخطب النيفر في جامع أي محمد بجهة باب سويقة في العاصمة التونسية .

احميدة النيفر ومحمد الطاهر ماجول وإقبال العبيدي في ندوة الخطاب الديني

واعتبر النيفر في تصريح لـ “عربي21” أن من بين “عناصر التجديد” في ذلك الخطاب الديني الذي انتشر بين شباب الظاهرة الدينية في السبعينات والثماتينات مع خطباء بارزين كان من بينهم مع عبد الفتاح مورو وراشد الغنوشي وحسن الغضبان وصلاح الدين الجورشي، استبدال خطب “التخويف باسم الدين” و”الوعد والوعيد” بخطاب سعى إلى تقديم الإسلام في صورة دين جاءت مقاصد تشريعه لخدمة مصالح الناس وتحسين ظروف حياتهم وأحوالهم .

ملف استراتيجي له أبعاد دولية

إجمالا أكدت هذه الندوة العلمية وورقات المشاركين في هذا المخبر الجامعي عن الظاهرة الدينية كـ “ملف استراتيجي له أبعاد دولية” ما ورد في مداخلة رئيس فريقه الأكاديمي محمد بن الطيب الذي أورد أن “للخطاب الديني سلطة مضاعفة يستمدّها من سلطة المقدّس ومرجعيّة الدين، ولذلك كان محلّ تجاذب، لأنه مانح سلطة، وواهب مشروعية، تتنازعهما الفواعل الاجتماعية، على اختلاف مشاربهم وخلفيّاتهم، ومواقعهم وغاياتهم. ولذلك اتّخذ الخطاب الدّينيّ أشكالا متنوّعة وتعبيرات مختلفة.”

وأكد محمد بن الطيب أن السّنوات الماضية أكدت “تصدّر المسألة الدّينيّة مواضيع الجدل الفكريّ وقضايا الصّراع السّياسيّ.” وفي خضمّ هذا الصّراع وذاك الجدل، لا يستأثر الخطاب الديني بالاهتمام من المشتغلين بالشأن الديني والمعنيين به من التيارات ذات المرجعية الدينية فحسب، بل من سائر التيارات الفكرية والسياسية التي تسعى إلى الحدّ من المجالات التي يختص بها ومن السلطات التي يحاول احتكارها.”

إذن فإن الخطاب على وجه العموم والخطاب الديني بأبعاده الثقافية السياسية الاجتماعية على وجه الخصوص “مصدر من مصادر السلطة”. لذلك فإن كل سلطة سياسية أو ثقافية أو مجتمعية أو دينية تسعى إلى فرض رؤاها وتصوّراتها على المجتمع من خلال إنتاج خطاب يستجمع لها شروط السيادة عليه مع توظيف مرجعيات عديدة بعضها فلسفي وبعضها الاخر ثقافي مجتمعي سياسي أو ديني .

ولعل من أبرز رسائل ندوة “الخطاب الديني” الكشف عن تعدد مرجعيات صناع القرار السياسي والاجتماعي داخل مؤسسات الحكم والمعارضة والمجتمع المدني والمؤسسات العلمية والتعليمي: كل طرف يريد تأسيس مشروعية، ونيل سيادة. فتتعدّد الخطابات، وتتنوّع وظائفها، وتتلوّن طرائق تشكّلها، وتتباين خططها واستراتيجياتها لتحقيق أهدافها، فتوظّف ما في الخطاب من إمكانات الإقناع بيانا وبرهانا وحجاجا، أو تمويها وتلبيسا ومغالطة ومخاتلة (…) من أجل تشكيل الوعي الجمعي وكسب المشروعية والتحكم في قوانين اللعبة مؤسسات صنع القرار.

أخبار, البارزة, حوارات 0 comments on مؤرخ تونسي: بورقيبة اعتمد على شيوعيين وليبراليين ومستقلين

مؤرخ تونسي: بورقيبة اعتمد على شيوعيين وليبراليين ومستقلين

كمال بن يونس


يعتبر المؤرخ والمفكر التونسي المخضرم خليفة شاطر أحد أبرز الباحثين في التاريخ والسياسة الدولية. تعرف عن قرب على أغلب السياسيين والمثقفين والإعلاميين والجامعيين خلال السبعين عاما الماضية بينهم الرؤساء السابقون الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي وفؤاد المبزع والباجي قائد السبسي..
يتابع خليفة شاطر، وهو في العقد التاسع من عمره، الكتابة في وسائل الإعلام التونسية والدولية وإصدار كتب علمية سياسية مثيرة، آخرها كتاب عن عهد الرئيس الأول لتونس الحبيب بورقيبة (1955ـ 1987) وثان عن الزعيم الوطني الليبرالي ورئيس الحكومة الانتقالية قبل الاستقلال الطاهر بن عمار..

عرف خليفة شاطر الرئيس الحبيب بورقيبة وعائلته والمقربين منه عن قرب.. ودرس مع زين العابدين بن علي وعدد من وزرائه ومستشاريه في الثانوية ثم عرفه عن قرب رئيسا. وقد أهله ذلك لتولي مسؤوليات علمية وثقافية وأكاديمية كثيرة في عهدهما، بينها رئاسة مؤسسة جمعية دراسات دولية ومعهد الدراسات الدولية التابع لها والذي تخرجت منه نخبة من الدبلوماسيين وكبار المسؤولين في الدولة..

الإعلامي والأكاديمي كمال بن يونس التقى المؤرخ خليفة شاطر وأجرى معه الحوار التالي الخاص بـ “عربي21” حول صفحات سرية من تطور الحياة الفكرية والسياسية في تونس خلال الـ65 عاما الماضية، والصراعات داخل مؤسسات الحكم والمجتمع والمعارضة بين الشيوعيين والليبراليين والقوميين والإسلاميين:

س ـ أستاذ خليفة شاطر أنت مؤرخ وباحث كبير من بين خريجي جامعة “السوربون” في فرنسا منذ 1974.. عرفت عن قرب مبكرا الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ابن بلدتك المنستير، وتعرفت على أغلب المقربين منه خلال 32 عاما من الحكم وبينهم رئيس الوزراء والمفكر محمد مزالي ومدير الحزب المثير للجدل الوزير محمد الصياح.. ثم ألفت كتابا علميا عن بورقيبة.. كما أنك واكبت المسار السياسي للرئيس زين العابدين بن علي وثلة من رفاقه في المعهد الثانوي بمدينة “سوسة”، 130 كلم جنوبي العاصمة تونس، منذ كنتم طلابا في الثانوية.. فكيف تقيم المرجعيات الثقافية والفكرية للرئيسين بورقيبة وبن علي والحزب الحاكم في عهدهما، ما بين 1955 و2011؟ هل صحيح أنهم اعتمدوا على سياسيين ومثقفين من مدارس “غربية” ليبرالية وشيوعية واشتراكية ودخلا في قطيعة مع رموز التيارات العروبية والإسلامية؟

ـ لا أعتقد أن الزعيم بورقيبة اختلف عن منافسه في قيادة الحزب والحركة الوطنية صالح بن يوسف بسبب العلاقة مع الزعيم جمال عبد الناصر والقومية العربية والإسلام ..

الخلاف كان سياسيا ..حسم لصالح بورقيبة وانصاره الذين كانوا أقلية في قيادة الحزب عام 1955، لكنهم نجحوا في تغيير ميزان القوى لصالحهم بدعم من فرنسا ومن عدد من زعماء الحزب والحركة النقابية الذين ” تضخم دورهم لاحقا” بينهم الحبيب عاشور واحمد بن صالح واحمد التليلي ومصطفى الفيلالي والهادي نويرة والباهي الادغم ..

بعد ذلك كنا في اتحاد الطلبة مباشرة بعد الاستقلال مساندون للحزب ولبورقيبة ، لكن بزرت مبكرا بيننا 3 مجموعات و3 تيارات:

ـ التيار الأول “دستوري” تابع للحزب الدستوري الذي تزعمه الحبيب بورقيبة منذ 1934 ثم أصبح الحزب الحاكم بعد 1956، وكان من بين قادته عبد المجيد شاكر ومحمد بن عمارة ومصطفى الفيلالي ثم محمد الصياح ..

ـ الثاني تيار يضم اليسار الشيوعي والاشتراكي وكان من أبرز رموزه المنصف سلامة، أصيل مدينة المنستير موطن بورقيبة ، وهو قيادي سابق في الحزب الشيوعي التونسي .

وقد جذب المنصف سلامة الى الحزب الدستوري شخصيات شيوعية بينها محمد الصياح الذي سيصبح لاحقا نائب مدير للحزب ثم وزيرا مديرا مركزيا للحزب ووزيرا للتربية والتعليم والتجهيز. ويعتبر الصياح من بين أكثر من أثروا في توجهات الحزب والدولة الفكرية والسياسية في الستينات والسبعينات والثمانينات ..وأوشك أن يعين رئيسا للحكومة في 1980 قبل أن ينحاز الرئيس بورقيبة إلى المرحوم محمد مزالي بتأثير من زوجته وسيلة.

وقد استقطب محمد الصباح والمنصف سلامة وفريقهما شخصيات شيوعية واشتراكية ونقابية يسارية كثيرة انخرطت بدورها في الحزب ثم تولت مسؤوليات عليا في الدولة بينها حقائب وزارية ..

وكان من بين هؤلاء العربي عبد الرزاق و عمر بالخيرية و الهادي الزغل الذي عين وزيرا للشباب والرياضة في حكومتي الهادي نويرة ومحمد مزالي.

وتولي العربي عبد الرزاق مسؤوليات عليا في قطاعات التربية والثقافة والشباب والاعلام بينها مناصب برتبة وزير مثل مدير ورئيس تحرير دار العمل. كماعين عضوا في البرلمان لمدة عشرة أعوام (1974 ـ 1984 ) وفي القيادة العليا للحزب، “الديوان السياسي “، ما بين 1978 و1981.

ـ أما التيار الثالث فكان يضم المستقلين، كنت من بينهم مع شخصيات برزت لاحقا على رأس حركات يسارية، مثل “حركة آفاق”، أو على رأس مؤسسات الدولة. وكان من بين هؤلاء احمد السماوي الذي سيصبح في 1968 من بين قيادات حركة “آفاق”، لكنه عين فيما بعد وزيرا ومسؤولا أول عن قطاعات استراتيجية في الدولة مثل السياحة والنقل ..

وقد نظم “المستقلون” و”الدستوريون” مرارا تحركات ضد محمد الصياح ورفاقه القادمين من الحركة الشيوعية.. لكنهم صمدوا وعززوا مواقعهم عبر اظهار ولاء كبير لبورقيبة والمقربين منه..

بورقيبة والاشتراكية والشيوعية

س ـ كيف تفسر أن الزعيم بورقيبة ورفاقه في الحركة الوطنية انحازوا مبكرا إلى النقابات العمالية والتوجهات اليسارية الاجتماعية رغم قرار حظر الحزب الشيوعي التونسي في جانفي 1963؟ ولماذا انحاز بورقيبة وقيادات البلاد في الستينيات إلى سياسة “اشتراكية” ولتغيير اسم الحزب الحاكم في مؤتمره الوطني في 1964 بمدينة بنزرت من “الحزب الحر الدستوري” إلى “الحزب الاشتراكي الدستوري”؟

ـ لم يكن للرئيس بورقيبة ورفاقه في قيادة الحركة الوطنية التونسية مشروع سياسي اقتصادي أو برنامج اجتماعي ولا أي تصور للدولة الحديثة المستقلة التي كانوا يطالبون بها في عهد الاحتلال .

فلما تغيرت موازين القوى دوليا واضطرت فرنسا إلى الاعتراف باستقلال تونس والمغرب وعدد من مستعمراتها ، انفتح بورقيبة ورفاقه على قيادات النقابات ، وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل ، واستفادوا من دراساتهم الاقتصادية والاجتماعية ، التي كانت متأثرة باليسار العمالي الدولي والتيارات الاشتراكية العالمية .

لكن بورقيبة أعلن مرارا أنه ضد الشيوعية التقليدية وتبنى حتى موفى الستينات “الاشتراكية الدستورية” ( أو الاشتراكية البورقيبية ) وسياسة “التعاضد”، أي تأسيس آلاف الشركات الاهلية التي تشرف على قطاعات التجارة والصناعة والزراعة ، وتكون الملكية فيها أساسا للدولة مع مشاركة للخواص .

فلما فشلت تلك السياسة وتسببت في أزمة اقتصادية اجتماعية أمنية شاملة تخلى عنه وسمح بمحاكمة المشرف على تنفيذها الوزير والزعيم النقابي القوي احمد بن صالح و”اليساريين ” المقربين منه .

ورغم حضر الحزب الشيوعي التونسي ومحاكمة عدد من المجموعات المعارضة اليسارية والقومية فقد تبنى بورقيبة ، ومن بعده الرئيس زين العابدين بن علي ، “إدماج المعارضين السابقين” ونخبة من رموز اليسار الماركسي والقومي ” في الحزب الحاكم وفي مؤسسات الدولة وفي الإدارة الحكومية .

وبالنسبة لمنظمات الشباب التابعة للحزب سمح بورقيبة ومن بعده بن علي ب” الانفتاح على المعارضين السابقين ” وعلى يساريين ماركسيين شريطة التزامهم بالتوجهات الكبرى لسياسته ..

وبعد إقرار التعددية الحزبية في العشرية الأخيرة من حكمه ، كان بورقيبة يستقبل زعماء الأحزاب الشيوعية والاشتراكية واليسارية والليبيرالية ويدعوها إلى ” العودة إلى الحزب “،رغم تبني رئيس حكومته محمد مزالي وزوجته وسيلة للتعددية والديمقراطية السياسية والحزبية …

ورغم قمع السلطات في عهدي بورقيبة وبن علي مرارا للمعارضة بمختلف رموزها فقد حرصا في فترات عديدة على “احتواء المعارضين التائبين” و”التحالف مع النقابات والنقابيين”.

لذلك تضخم دور النقابات وقيادات اتحاد الشغل التي نجحت مبكرا في استقطاب الجامعيين والاكاديميين اليساريين والمستقلين عن الحزب الحاكم .

وقد تزايد دور هؤلاء الجامعيين في عشرية السبعينات التي أسندت فيها رئاسة الحكومة للخبير الاقتصادي الليبيرالي ومحافظ البنك المركزي السابق الهادي نويرة .

الولاء قبل الكفاءة

س ـ هناك من يعتبر أن من بين غلطات الدولة في عهد بورقيبة الاعتماد على شباب من خريجي الجامعات الغربية ممن ليست لديهم خبرة وتجارب، بهدف استبعاد المناضلين الوطنيين الذين كانت ميولتهم عربية إسلامية ومن خريجي جامعة الزيتونة.. فكانت الحصيلة أن أعطيت الأولوية للولاء وليس للخبرة والنجاعة.. وتواصل نفس السلوك بعد بورقيبة..

ـ أولا بورقيبة قرب منه مناضلين سابقين ليسوا من خريجي الجامعات الاوربية ، بينهم عبد الله فرحات، الذي أسندت إليها حقائب كثيرة مهمة جدا بينها الدفاع ، بالرغم من كونه لم يكن من بين حاملي شهادة الثانوية ( الباكالوريا )..اذن فكان يؤمن بأن ” الولاء قبل الكفاءة “..

في نفس الوقت كان بورقيبة حريصا على الترويج لفهم حداثي تقدمي للإسلام والتراث العربي .. لذلك دعا المفكر ووزير المعارف السابق في مصر طه حسين الى القاء خطاب في جامع الزيتونة والى افتتاح السنة الجامعية بحضور الشيخ الطاهر بن عاشور وزملائه .. واستغل بورقيبة المناسبة ليسمع مشايخ الزيتونة ” المحافظين ” بغلطهم عندما حاربوا أفكار المصلح الكبير الشيخ الطاهر الحداد وخاصة كتابه “امرأتنا بين الشريعة والمجتمع “..

وطلب بورقيبة من بن عاشور ومشايخ الزيتونة أن يعيدوا الاعتبار علميا للطاهر الحداد وكتبه بحضور طه حسين فحقق انتصارا عل خصومه “السلفيين” والقوميين والإسلاميين ..خاصة أن كثيرا منهم وقفوا ضده وانحازوا الى خصمه الزعيم صالح بن يوسف بعد اعلان الاستقلال الداخلي المحدود في 1955..

واستغل بورقيبة ذلك المنعرج للتأثير في توجهات اصلاح التعليم وقطاع الثقافة التي كلف بها لاحقا الاديب والمفكر الوجودي محمود المسعدي ..قبل أن تسند حقائب التربية والثقافة إلى شخصيات مثل الشاذلي القليبي ومحمد مزالي والبشير بن سلامة ..الذين لم يكن لهم نفس العمق الفكري والمعرفي ..وكان بورقيبة ومقربون منه يعتبرونهم أقرب إلى ” التيار المحافظ والسلفي “رغم السماح لهم بلعب دور وطني عبر مجلة ” الفكر” ثم على رأس مؤسسات الدولة ..

تراجع المستوى العلمي والثقافي

س ـ كيف تقيم اليوم مستوى العلمي والثقافي للجامعة التونسية وخريجيها الجدد وأدائها؟

ـ للأسف هناك تراجع عام في مستوى الخريجين والجامعيين في الجامعة التونسية وفي عدد من الجامعات العربية بما في ذلك في شعب الدراسات التاريخية والفكرية والفلسفية واقسام الدراسات الدولية ..

لكن بعض الأكاديميين التونسيين لديهم اشعاع عالمي وعربي ولديهم عمق معرفي وقدموا منشورات اثرت المكتبة العالمية مثل المؤرخ والمفكر هشام جعيط الذي توفي العام الماضي بعد أن أثرى المكتبة العالمية بمؤلفات علمية تأليفية عميقة عن التاريخ العربي الإسلامي في مختلف المجالات .

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on «غالبية» دول قمة العشرين «تُدين الحرب في أوكرانيا»… والصين ترفض إدانة موسكو

«غالبية» دول قمة العشرين «تُدين الحرب في أوكرانيا»… والصين ترفض إدانة موسكو

 

أعلنت مجموعة العشرين في البيان الختامي لقمّتها في جزيرة بالي الإندونيسية، اليوم (الأربعاء)، أن «غالبية» الدول الأعضاء فيها «تُدين بحزمٍ الحرب في أوكرانيا»، معتبرةً أن هذا النزاع «يقوّض الاقتصاد العالمي».

وأكد أكبر عشرين اقتصاداً في العالم في البيان المشترك أن «استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها غير مسموح به».

وقبل ساعات من اختتام أعمال اليوم الأول من قمة العشرين، انقسمت الوفود حول الفقرة المتعلقة بإدانة الحرب الروسية في أوكرانيا، خلال مباحثات الوفود المشاركة المحادثات لاعتماد صيغة موحّدة للبيان الختامي.

وشملت مسوّدة تناقلتها وكالات الأنباء تنديداً واضحاً بالتداعيات السلبية لـ«الحرب في أوكرانيا»، والتلويح باستخدام السلاح النووي، إلى جانب دعوة لتجديد اتفاق البحر الأسود للحبوب الذي ينتهي السبت 19 نوفمبر (تشرين الثاني).

لم يَرِد الغزو الروسي لأوكرانيا على جدول الأعمال الرسمي للقمة، إلّا أنه هيمن على الاجتماع، وكشف الانقسامات بين الدول الغربية الداعمة لكييف ودول أخرى ترفض إدانة موسكو، وعلى رأسها الصين. ومع ذلك، اتفق أعضاء مجموعة العشرين، التي تم إنشاؤها بالأساس لإدارة القضايا الاقتصادية، على مسودة البيان.

وتتحدث الوثيقة عن التداعيات السلبية لـ«الحرب في أوكرانيا»، متناولةً مصطلح «الحرب» الذي لا تزال ترفضه موسكو التي تتحدث عن «عملية عسكرية خاصة». وتشير الوثيقة إلى أن «معظم الأعضاء… يُدينون بشدّة» النزاع، معتبرين استخدام السلاح النووي أو التهديد به «غير مقبول»، مع الدعوة إلى تمديد اتفاقية تصدير الحبوب، علماً بأن هذه الاتفاقية ستنتهي السبت المقبل.

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on ماذا يسري تحت جسور العلاقات الألمانية الفرنسية؟ .. بقلم منصف السليمي

ماذا يسري تحت جسور العلاقات الألمانية الفرنسية؟ .. بقلم منصف السليمي

ماذا يحدث بين ألمانيا وفرنسا؟ سؤال تتداوله دوائر سياسية وإعلامية في برلين وباريس. هل أصيب “المحرك” الأوروبي بخلل؟ وماهي البدائل المطروحة لدى الجانبين للتعامل مع تطورات مرحلة تعتبر من أشد الحقب حساسية في تاريخ أوروبا؟

قبل أيام قليلة كتب السياسي الألماني المحافظ نوربرت لامارت الرئيس السابق للبرلمان الألماني/ بوندستاغ والرئيس الحالي لمؤسسة كونراد أديناور القريبة من الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض، مقال رأي في صحيفة “دي فيلت” البرلينية (عدد السادس من نوفمبر تشرين الثاني 2022) دعا فيه المستشار أولاف شولتس إلى إيلاء العلاقات مع فرنسا وتسديدها أولوية ملحة في سياسته، معتبرا أنه السبيل الذي يتعين نهجه من أجل “أوروبا قوية”.

لامارت وبحنكة السياسي المخضرم استند إلى خطاب تحذيري من “حقبة عصيبة مقبلة” تحدث عنها مؤخرا الرئيس فرانك فالتشر شتاينماير، ليدعو المستشار شولتس إلى أن تكون مواجهة ألمانيا لتحديات “التحول التاريخي” الذي تشهده أوروبا، بالاعتماد على الشراكة الألمانية الفرنسية. في إشارة إلى نقطة التحول التاريخية في سياسة ألمانيا الدفاعية والخارجية التي أعلن عنها المستشار شولتس ردا على الغزو الروسي لأوكرانيا نهاية فبراير/ شباط الماضي.

رسالة لامارت لم تكن مجرد صيحة في واد، فقد تلتها إشارات سياسية وجهتها رئيستا البوندستاغ والجمعية الوطنية الفرنسية إلى المستشارية في برلين وقصر الإليزيه، وذلك خلال الجلسة الثامنة للجنة البرلمانية الألمانية الفرنسية التي عقدت بداية الأسبوع الحالي في برلين. وقد جاءت هذه الرسائل أياما قليلة بعد قمة بين الرئيس ماكرون والمستشار شولتس في باريس كان منتظرا أن تبدد الخلافات بين الزعيمين الأوروبيين.

ويبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من التفاعلات في العلاقات الألمانية الفرنسية ثنائيا وأوروبيا، خصوصا في ضوء التطورات المتوقع أن تحدث من جهة في ملف حرب أوكرانيا، ومن جهة ثانية على خلفية توجهات إدارة الرئيس جو بايدن في ضوء نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس.

“ألمانيا أولا” ؟

يرصد مراقبون في برلين وباريس علامات غضب فرنسي ظهرت خلال الأشهر القليلة الماضية إزاء بعض الملفات الإقتصادية والعسكرية التي أعلنت عنها برلين. غضب عبر عنه في بعض الحالات الرئيس إيمانويل ماكرون صراحة، ويظل بعضه الآخر في الكواليس وقنوات ثنائية ومتعددة الأطراف. وتشمل الخلافات بالخصوص ملفات الطاقة والسياسة الدفاعية والتسلح والعلاقات مع القوى الكبرى ولاسيما الصين.

ويستخدم ساسة وإعلاميون فرنسيون عبارة “ألمانيا أولا” المستوحاة من شعار “أمريكا أولا” الذي طبع سياسة الرئيس السابق دونالد ترامب، كتوصيف نقدي لسياسة المستشار شولتس على أنها سياسة وطنية لا تأخذ بعين الاعتبار البعد الأوروبي.

الجلسة الثامنة للجنة البرلمانية الألمانية الفرنسية التي عقدت في برلين (سابع نوفمبر تشرين الثاني 2022)
الجلسة الثامنة للجنة البرلمانية الألمانية الفرنسية التي عقدت في برلين

وكانت القمة الأوروبية الأخيرة في بروكسيل قد أظهرت خلافات فرنسية ألمانية في ملف الطاقة، إزاء مسألة وضع سقف لأسعار الغاز وعلى خلفية برنامج أطلقته الحكومة الألمانية بقيمة مائتي مليار يورو لدعم الأشخاص والشركات في مواجهة الأعباء الناجمة عن ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، وفي المقابل أعلن ماكرون عن برنامج لتحمل ديون أوروبية بشكل مشترك، بيد أن شولتس رفض الخطوة مشيرا إلى توافر أموال كثيرة من برنامج الدعم الأوروبي إبان جائحة كورونا.

وثمة ملف آخر يثير قلق الفرنسيين منذ بضعة أشهر، عندما أعلنت برلين اعتمادها على الصناعات العسكرية الأمريكية، مثل المقاتلة “إف 35″ المتطورة، لتحديث قواتها الجوية ضمن خطتها التي رصدت لها 100 مليار يورو.

وزاد عليها إعلان ألمانيا مبادرة لإقامة درع جوي بمشاركة 14 دولة في الإتحاد الأوروبي أعضاء بحلف النانو، بالاعتماد على تجهيزات أمريكية وإسرائيلية، بدون فرنسا التي رأت في المبادرة تجاوزا لفكرة السيادة والإستقلال التي تنادي بها كأساس للرؤية الدفاعية الأوروبية.

وتكرس هذه الوقائع في المنظور الفرنسي مؤشرات عملية على تراجع خطط ومبادرات مشتركة ألمانية فرنسية، ضمنها مشروع طائرة يوروفايتر التي ستستبدل ابتداء من سنة 2040 بطائرات مقاتلة متصلة رقميا بالكامل وتعمل بتطابق مع أنظمة طائرات مقاتلة بدون طيار، ضمن نظام Future Combat Air System (FCAS)”اف سي اي اس” الذي يحمل اسم هذا المشروع. ويعني ذلك التخلي عن مشاريع كان مخططا لها مع الفرنسيين منذ عهد المستشارة ميركل، وفق ما تظهره مثلا مؤشرات عن الاعتمادات المخصصة لتمويل مشروعات التسلح في ميزانية 2023.

وفيما يبدو تأكيدا فرنسيا على ضرورة تنسيق السياسة الدفاعية للبلدين، قال الرئيس ماكرون قبل يومين خلال عرضه الاستراتيجية الفرنسية الدفاعية الجديدة من حاملة المروحيات البرمائية ديكسمود، وهي من أكبر السفن الحربية الفرنسية، في ميناء طولون (جنوب)، حيث شدد على أن القوات المسلحة لدى البلدين تكملان بعضهما البعض من خلال مشاركة الخبرة الصناعية والمعرفة التشغيلية والطموحات الاستراتيجية.

وفيما يبدو اعترافا بوجود فجوة في المنظور الاستراتيجي الدفاعي لدى البلدين، في ظل غياب “رؤية دفاعية أوروبية مستقلة” لطالما نادى بها الفرنسيون، اعتبر ماكرون أن الشراكة مع ألمانيا “لا غنى عنها”، لكنه أشار بأن “توازن شراكتنا يعتمد، جزئيا، على نجاح المشروع الأوروبي.. آمل أن نتمكن من تحقيق تقدم حاسم في هذا الصدد خلال الأسابيع المقبلة”.

مؤشرات على تراجع خطط ومبادرات مشتركة ألمانية فرنسية، ضمنها مشروع طائرة يوروفايتر
مؤشرات على تراجع خطط ومبادرات مشتركة ألمانية فرنسية، ضمنها مشروع طائرة يوروفايتر

قرارات “انفرادية”

مؤشرات تراجع درجة التنسيق والتفاهم بين برلين وباريس، حول عدد من القضايا الاستراتيجية تكثفت منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، بموازاة تنامي اعتماد ألمانيا على الطاقة والصناعات العسكرية الأمريكية، في ظل تزايد حاجيات ألمانيا لتعويض واردات الغاز الروسي الذي كانت تعتمد عليه بنسبة 50 في المائة، وكذلك في ضوء التغيير الاستراتيجي الذي أحدثته ألمانيا في سياستها الدفاعية، وتخصيص استثمارات ضخمة لتحديث تجهيزات القوات المسلحة.

ورغم بعض الخطوات “التضامنية” على المستوى الأوروبي في تبادل الغاز ومساهمة فرنسا في توفير إمدادات لألمانيا، إلا أن خلافات صامتة ظلت قائمة إزاء ملف الطاقة، ومن ضمنها الخلافات حول مشروع خط أنابيب “ميدكات” لنقل الغاز من إسبانيا عبر فرنسا إلى ألمانيا ودول شمال أوروبا. لكن المشروع القديم الجديد تعثر بسبب عدم تعاون فرنسا التي تريد تكريس دورها في تزويد ألمانيا بالكهرباء المستخرجة من الطاقة النووية.

بيد أن مظاهر التباين بين برلين وباريس إزاء عدد من القضايا الإقليمية، بدأت تظهر منذ بضع سنوات، ومن أبرزها مشروع “ميدكات” الذي بدأ التخطيط له منذ سنة 2013 ونوقش سنة 2019 وتعثر تنفيذه مجددا في صائفة هذا العام.

وثمة إشكاليات أخرى ظهرت في ملفات أمنية واستراتيجية في منطقة الساحل وجنوب الصحراء وشمال أفريقيا وخصوصا في ليبيا، انتهجت إزاءها فرنسا على إمتداد سنوات ماضية سياسة قائمة على أسلوب “انفرادي” وكان الجانب الألماني يرى فيها تداعيات سلبية على أمن أوروبا ودورها.

أرشيف: الرئيس ماكرون والمستشار شولتس في محادثة بالمستشارية في برلين (9 مايو أيار 2022)
أرشيف: الرئيس ماكرون والمستشار شولتس في محادثة بالمستشارية في برلين

شخصية شولتس وأسلوبه

موضوع العلاقات مع فرنسا ليس وحده ما يثير انتقادات لشولتس من ساسة ألمان في المعارضة وحتى من داخل الإئتلاف الحاكم، فقد شملت ملفات أخرى لا تقل أهمية مثل ملف العلاقة مع الصين وسياسة الطاقة. وهذا الأمر يبدو غير مألوف كثيرا عندما يتعلق الأمر بقضايا السياسة الخارجية والدفاعية في ألمانيا، حيث يتم اعتمادها تقليديا بالتوافق داخل البرلمان/ بوندستاغ بين القوى السياسية الرئيسية الحاكمة والمعارضة.

ويعزو بعض المحللين هذه المسألة إلى طابع خاص تضفيه شخصية المستشار شولتس، على عدد من القرارات ذات الأهمية الاستراتيجية، إذ يتسم أسلوبه بالجرأة والتصميم مهما كانت أصوات المعارضين مرتفعة. فيما يبدو مختلفا عمّا ألفه سواء الساسة والإعلام في ألمانيا أو شركائها الأوروبيين، على إمتداد العقدين الماضيين من حكم المستشارة السابقة أنغيلا ميركل التي كانت تعتمد كثيرا على أسلوب التوافقات حتى مع أشد الخصوم.

بينما يرى بعض مؤيدي المستشار شولتس بأن الرجل، ورغم ما يتسم به من هدوء ورصانة في أسلوبه، فهو يتعرض لضغوط من أطراف عديدة في الداخل والخارج لأسباب تتجاوز الطابع الشخصي، بل أساسا بسبب تصميمه على بعض المبادرات والقرارات التاريخية سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية، التي من شأنها أن تُخرج ألمانيا من وضعها، كقوة ناعمة ومتحفظة، وهذا ما اعتاد عليه الشركاء الأوروبيون بالخصوص، باتجاه دور قيادي أوروبيا ودوليا.

محرك ألماني فرنسي لأوروبا أم “زوجين هرمين يتشاجران”؟

منصف السليمي صحفي خبير بالشؤون المغاربية والأوروبية في مؤسسة DW الألمانية
منصف السليمي صحفي خبير بالشؤون المغاربية والأوروبية في مؤسسة DW الألمانية

الساسة الألمان من الإئتلاف الحاكم كما في المعارضة، يتفقون على ضرورة إعادة اللحمة إلى العلاقات الفرنسية الألمانية. لكن القلق قائم لدى بعضهم، مثل فريدريش ميرتس رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي (معارضة) “من أنه لم يعد هناك خط مسنق بين ألمانيا وفرنسا بشأن القضايا الدولية الرئيسية مثل التعاطي المستقبلي مع الصين أو عواقب حرب أوكرانيا”. وهو يرى أن الحل يكمن في الوقت الحالي، في وقووف ألمانيا وفرنسا معًا لتأمين اتباع نهج أوروبي منسق. وهذا موقف عبرت عنه أيضا رئيسة البونسدتاغ باربل باس خلال اجتماع الجمعية البرلمانية الفرنسية الألمانية. ومن جهتها اعترفت يائيل براون بيفيه رئيسة الجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة الأولى بالبرلمان الفرنسي) بأن ألمانيا وفرنسا لديهما أساليب مختلفة في التعامل مع بعض القضايا، لكنها ترى أنه مهما كانت الصعوبات القائمة في بعض الملفات، فإن لدى باريس وبرلين” الخبرة التي تمكننا من مناقشتها والتغلب عليها”.

ورغم حجم الوقائع السلبية المتعاقبة خلال الآونة الأخيرة في وجه “المحرك الألماني الفرنسي” لأوربا، تبدو الصياغات الديبلوماسية التي يعبر من خلالها الساسة الألمان والفرنسيون، عن طبيعة المشاكل القائمة في العلاقات وسبل تجاوزها، وكأنها تخفيف من حدة وعمق تلك المشكلات وبأن تداعياتها ليست دراماتيكية على مستقبل العلاقات وعلى الإتحاد الأوروبي، في توقيت يتفق معظم المحللين والخبراء على حساسيته بالنسبة لمستقبل أوروبا ووحدتها.

ومن هنا يقرأ محللون ماذا تخفيه حدة الصياغات التي توخاها بعض المخضرمين من صناع القرار السابقين، مثل وزير الخارجية الأسبق يوشكا فيشر (من حزب الخضر، حزب وزيرة الخارجية آنالينا بيربوك)، عندما تساءل في مقال له بموقع “ذي بيونييه” عما يحدث بين فرنسا وألمانيا، “هل هما محرك الاتحاد الأوروبي أم زوجان هرمان يتشاجران؟”.

وفي نفس السياق تساءلت الكاتبة الفرنسية كريستين كلارك في مقالها بصحيفة “لوبوان” عما إذا كانت العلاقات الفرنسية الألمانية التي يحلو للفرنسيين وصفها بعلاقة “الزوجين” أو الشريكين couple franco-allemand، تعيش حقبة “طلاق”.

بالنسبة إلى يوشكا فيشر، الذي قاد ديبلوماسية بلاده في فترة الغزو الأمريكي للعراق، وكان “المحور الفرنسي الألماني” في أزهى مراحل الانسجام بين الرئيس الراحل جاك شيراك والمستشار غيرهارد شروودر. بالنسبة له فإنه في أوقات الحرب على وجه الخصوص، يصبح وجود اتحاد أوروبي موحد وقوي أكثر أهمية من أي وقت مضى، محذرا من خطورة وجود علاقة ألمانيا وفرنسا “ركيزة الإتحاد الأوروبي” في أزمة.

وبعبارات أخرى تبدو أكثر دراماتيكية ولاذعة تساءل المفكر الاقتصادي الفرنسي جاك أتالي المستشار الأسبق للرئيس الراحل فرانسوا ميتران، في مقال له نشر على صفحته في الانترنت، عما إذا كان زعماء فرنسا وألمانيا الحاليون، بحكم كونهم من الجيل الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية ومآسيها، يدركون بأن سياستهم يمكن أن تضع سيناريو حرب بين ألمانيا وفرنسا لا ينبغي استبعاده قبل نهاية القرن الحالي.

ورأى أتالي أن الاعتقاد بأن السلام القائم بشكل مسلم به بين البلدين للقرون المقبلة، يمنحهم إمكانية اعتماد سياسات متباينة دون التفكير في عواقب ذلك. محذرا بأن هذا المسار سيكون “خطأ فادحا”، ويتعين التدارك فورا والتوجه نحو تقوية بناء الوحدة الأوروبية، وهو أمر لن يتم برأيه إلا بتقديم تنازلات متبادلة من أجل الحفاظ على ما تحقق في الاندماج الأوروبي طيلة ستين عاما، محذرا من مخاطر تفكك المؤسسات الأوروبية نتيجة الحسابات الخاطئة والاعتماد على “خصومنا أو منافسينا، في واشنطن ولندن وموسكو وبكين ..لأن ذلك لن يؤدي سوى إلى النفخ في إشعال جمر” الخلافات.

معاهدة الصداقة الفرنسية الألمانية وقعها الرئيس الفرنسي الراحل شارل دوغول والمستشار الألماني الراحل موتراد أديناور بتاريخ 1963.1.22
معاهدة الصداقة الفرنسية الألمانية وقعها الرئيس الفرنسي الراحل شارل دوغول والمستشار الألماني الراحل موتراد أديناور بتاريخ 1963.1.22

وتتجه الأنظار في العاصمتين برلين وباريس، إلى بداية السنة المقبلة حيث يستعد البلدان لإحياء الذكرى الستين لتوقيع اتفاقية الشانزليزيه (باريس) التي وضعت فيها أسس الصداقة الفرنسية الألمانية لما بعد الحرب العالمية الثانية، وشكلت حجر أساس للوحدة الأوروبية، حيث يشكل الثنائي الفرنسي الألماني محورها الأساسي. فهل سينجح الألمان والفرنسيون في بلورة إجابات استراتيجية في مستوى التحديات التي تواجه الإتحاد الأوروبي؟

في الوقت الحالي لا يُتصور في عواصم أوروبا أنه في حقبة ما بعد حرب أوكرانيا، سيكون بدون توافق ألماني فرنسي دور مؤثر للاتحاد الأوروبي في نظام دولي تتفق معظم التوقعات والسيناريوهات، بأنه سيكون قائما على التعددية القطبية، وبأن قوى صاعدة منافسة للغرب مثل الصين والهند وروسيا سيكون لها مكانة أساسية فيه. وحتى وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي قدمتها مؤخرا إدارة الرئيس بايدن، تعترف بملامح مستقبلية لنظام دولي قائم على التعددية القطبية، لكنها تشدد على الحفاظ على الدور القيادي لأمريكا فيه، فيما تزداد الأسئلة حدة حول مستقبل التكتل الأوروبي، وهل سيكون قوة مستقلة أم سيظل تابعا للولايات المتحدة عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا.

وحتى بالإنطلاق من المؤشرات الأولية لنتائج الإنتخابات النصفية للكونغرس، فإن الأسئلة بدأت تطرح في برلين، عما إذا كانت الفترة الثانية من ولاية الرئيس بايدن ستتسم بما يعرف في السياسة الأمريكية بـ”سياسة البطة العرجاء” نتيجة نفوذ الجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب، وإذا كانت ستحمل تراجعا في الدعم الأمريكي لأوكرانيا وتراجعات في سياسة المناخ، فسيعني ذلك مزيدا من الأعباء على ألمانيا، كما يحذر من ذلك النائب الألماني عن حزب الخضر، أنطون هوفرايتر، مسؤول لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي.

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on استدارة أوروبية كبرى نحو القارة السمراء بسبب الغاز والأمن الطاقي .. بقلم علي عبداللطيف اللافي

استدارة أوروبية كبرى نحو القارة السمراء بسبب الغاز والأمن الطاقي .. بقلم علي عبداللطيف اللافي

بقلم:علي عبداللطيف اللافي(*)

*باتت الدول الأفريقية قبلة للمسؤولين الأوروبيين للظفر بكعكة الطاقة

نهاية السنة الفارطة قام الأوروبيون باستدارة أولية نحو افريقيا بعد أن اكتشفوا حجم التغلغل الصيني في مناطقها وبلدانها بل وتَيقنُوا يومها أن المقاربة الأمنية لوحدها مع الدول والشعوب الافريقية هي مقاربة قاصرة وستكون تباعاتها وتداعياتها كارثية عليهم أولا وعلى السلم العالمي ثانيا، وها هي الحرب الروسية – الأوكرانية تجعلهم في أمسّ الحاجة إلى إيجاد بديل عن الروسوبما يُلبي احتياجاتهم من الغاز والطاقة اللذين باتت دول أوروبا مهددة في توفيرها لمواطنيهاولذلك ستتجه أوروبا مستقبلا وعبر استدارة كبرى هذه المرة نحو القارة الأفريقية حيث طفت دبلوماسية الطاقة على السطح، وباتت الدول الأفريقية وخصوصا شمال القارة قبلة للمسؤولين الأوروبيين للظفر بكعكة الطاقة في القارة السمراء، فما هي الخطوات الأوروبية الجارية والأخرى المرتقبة تجاه القارة السمراء، وهل ستتم الخطوات بناء على تقييم ومراجعة شاملة للعلاقة مع شعوب القارة أم وفقا للوقائع المتسارعة والحاجة للطاقة والغاز أساسا؟

  • أولا، الثابت اليوم أن دول أوروبا تتخوف من التهديد الذي يَطال أمن الطاقة بسبب تقلص وتضرر إمداداتها من روسيا خاصة وأن هذه الأخيرة تُعتبر أحد أبرز مزودي الدول الأوروبيةولذلك اعتمدت إجراءات استباقية منها تقليص استعمال الطاقة على أبواب شتاء بارد، وفي حين توجهت فرنسا إلى الجزائر، وضعت بريطانيا أعينها على الطاقة المتجددة في المغرب، فيما تبحث إسبانيا عن تأمين مستقبلها في مجال الطاقة، أما إيطاليا فقد توجهت إلى الجزائر وأنغولا ومصر والكونغو ونيجيريا، بينما وجدت دول غرب أوروبا والمملكة المتحدة من الغاز الطبيعي القادم من الولايات المتحدة بديلا لتعويض الغاز الروسي، والمؤكد من خلال التحركات الدبلوماسية والاتفاقات والمشاورات أن دول الاتحاد برمتها تفعيل دبلوماسية الطاقة لعلها تظفر بعقود طويلة الأمد، وأمام تلك الجهود الفردية أو الجماعية قد تجد غالبية دول التكتل نفسها عاجزة عن توفير حاجتها من الطاقة لعدم وجود علاقات قوية أو شراكات بينها وبين دول منتجة.
  • ثانيا، بلغة الأرقام والمعطياتتَعتمد ألمانيا على روسيا للحصول على 50 في المئة من حاجتها من الغاز الطبيعي، بينما تعتمد إيطاليا على الغاز الروسي بنسبة 40 في المئة، كما تستورد فرنسا 25 في المئة من حاجتها من الغاز من روسيا بل وأعلنت عن خطوات لتوسيع محطات لتسييل الغاز وبناء مخازن أكبر لتخزين مصدر الطاقة الأبرز بالنسبة إليها والبحث عن مصدّرين جدد من آسيا وأفريقيا، ولكن الدول الأوروبية تتجاهل أن الحرب الروسية – الأوكرانية تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والأسمدة وهو أمر فاقم طبعا معاناة الدول الأفريقية ذات الاقتصاديات الهشةوخاصة تلك المستوردة منها للغذاء من روسيا وأوكرانيا، وكلما طال أمد الحرب وتداعياتها الاقتصادية كلما تضررت الدول الأفريقية ودخلت في اضطرابات اجتماعية قد تعرقلها عن تلبية احتياجات أوروبا من الطاقة، ومن حيث الاستقراء والتحليل فيمكن الجزم أن الدول الأوروبية تعرف مصالحها وتدافع عنهاوذلك يفسر طبعا ذلك التوجه إلى أفريقيا من أجل البحث عن بدائل للطاقة وتنبني تلك القراءة على حقيقة أن مسعى الدول الأوروبية مستقبلا (أي على المدى المتوسط تحديدا) هي أنها تضع في الاعتبار ان الحرب الروسية الأوكرانية قد تمتد زمنيا وقد تتواصل لأشهر أو حتى ربما لسنوات قادمة أو ربما يتوسع مجالها جغرافيا، ولا يُمكن هنا تغييب أن الأوربيين قد استداروا للقارة السمراء دون ان يبادروا الى التنسيق معدول الشمال فيها تحديديا وللتفاوض معها ككتلة واحدة مع الدول الأوروبية ولا يختلف اثنان في أن ذلك الأمر يجعل الدول السبع في شمال افريقيا تستغل ذلك من أجل الاستفادة أكثر من اتفاقيات الشراكة في مجال الطاقة وباعتبار انها فعليا هي مستقبل الطاقة على المستوى الدولي والغريب في الامر ان الدول الافريقية نفسها (“غرب” و”وسط” و”شمال” القارة) لم يَنتبه سَاستُها ولا نخبها ولا اقتصاديوها – وبالأحرى لم يبادروا- إلى التفاوض بشكل جماعي بدل الفردي خاصة وان تلك الآلية تضمن فعليا هامش ربح لصالحها….
  • ثالثا، كثر في المدة الماضية الحديث عن مشاريع أنابيب الغاز في مربعات ساسة ليبيا والجزائر والمغرب وحدث التشاور مع أطراف أوروبية وشمل ذلك النيجر ونيجيريا ومالي أيضا، وقد وصل مشروع خط أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا إلى مرحلة الدراسات التقنية والهندسية التفصيلية، في حين أن الأطراف تبحث عن تمويل يقدر بـ25 إلى 30 مليار دولار ومعلوم أن ذلك الأنبوب يعبر 13 دولة في غرب أفريقيا قبل أن يصل إلى أوروبا، وتم الاتفاق عليه مع المغرب في 2016كما تجدد الاهتمام الجزائري – النيجيري بمشروع قديم لنقل الغاز إلى أوروبا في إطار ما يعرف بـالأنبوب العابر للصحراء(خلال شهر سبتمبر الماضي تحديدا كشف وزير الطاقة النيجيري “تيميبري سيلفا” أن حكومة بلاده شرعت بتنفيذ بناء خط أنابيب لنقل الغاز إلى الجزائر والتي ستقوم بدورها في مرحلة لاحقة بنقله إلى دول أوروبية) ومعلوم أن مشروع أنبوب الغاز “نيجيريا – الجزائر”يعود الى حوالي العقدين من الزمن، وإضافة الى ذلك أبدت ليبيا أيضا استعدادها لإنجاز أنبوب غاز ليبي – نيجري يتجه إلى أوروبا وهو مشروع بدأ الحديث عنه في منتصف شهر جوان/يونيو الماضي حيث منحت الحكومة الليبية الإذن لوزارة النفط والغاز لإجراء الدراسات الفنية والاقتصادية لجدوى إنشاء مشروع أنبوب غاز من نيجيريا عبر النيجر أو تشاد إلى أوروبا عبر ليبيا…
  • رابعا، فعليا استثمرت بعض الدول الأفريقية في الطاقة المتجددة بالنظر إلى الحاجة إلى توفير الكهرباء لدول القارة وإمكانية تصديرها إلى الدول الأوروبية، وعلى الرغم من الإمكانات الطبيعية التي تملكها أفريقيا، فإن التمويل والإمكانات اللوجستية يقفان حاجزا أمام الكثير من الدول في القارة السمراء وخاصة في ظل استراتيجيات نهب وتوظيف واحتواء من طف قوى إقليمية ودولية ومحافل وشركات عابرة للقارات وهي في أغلبها لا ترى في افريقيا سوى ثرواتها ولا تعنيها لا استثمارات تفيد تلك الشعوب ولا مردودية تنموية على بلدان القارة، ومعلوم أن دول مثل كينيا وزامبيا موزمبيق وإثيوبيا والمغرب وغانا ونيجيريا قد قطعت أشواطا في مجال الطاقة المتجددة حيث وقع المغرب والاتحاد الأوروبي مثلا اتفاقية الشراكة الخضراء في مجال الطاقة والبيئة ومكافحة تغير المناخ لتوفير الأمن في مجال الطاقة والاستثمار في الهيدروجين الأخضر، وقد عدت تلك الاتفاقية الأولى من نوعها للاتحاد الأوروبي مع بلد من الجوار الجنوبي، وسيتم على ضوئها تعزيز التعاون في مجال مكافحة تغير المناخ، وتدعم الجهود المشتركة المبذولة لتحقيق الانتقال الأخضر، وقالت وسائل اعلام مغربية أن المملكة وبريطانيا تعتزمان التوقيع على اتفاقية مشروع الطاقة الكهربائية بين البلدين، ومن المتوقع أن يتم ربط أطول خط كهرباء في العالم بطول 3800 كيلومتر انطلاقا من السواحل الجنوبية للمغرب باتجاه بريطانيا، ومن المتوقع حسب الخبراء والمختصين أن يوفر ذلك المشروع الكهرباء لحوالي 8 ملايين منزل في بريطانيا، ويؤمن حوالي 8 في المئة من الحاجيات من الكهرباء، وان يكون لبنة أولى في تعاون أوسع بين البلدين في غرب ووسط افريقيا…

5-   خامسا، الخلاصة أن أزمة الطاقة قد أجبرت الأوروبيين على التوجه نحو القارة الأفريقية ومن ثم كانت الاستدارة هذه المرة نحو بلدانها كبيرة وتم ذلك بناء على معطى قائم وهو تخوف كل دول أوروبا من التهديد الذي يطال أمن الطاقة بسبب تقلص وتضرر إمداداتها من روسيا وهو ما كانت نتيجته الطبيعية خلال الأشهر والأسابيع الماضية وتحديدا منذ بداية 2022 حيث باتت الدول الأفريقية وخصوصا شمال القارة قبلة للمسؤولين الأوروبيين للظفر بكعكة الطاقة في القارة السمراء ومن ثم أصبحت دول الاتحاد الأوروبي برمتها تبحث وتحاول تفعيل دبلوماسية الطاقة لعلها تظفر بعقود طويلة الأمد، وأمام تلك الجهود قد تجد غالبية دول الاتحاد نفسها فعليا عاجزة عن توفير حاجتها من الطاقة وخاصة اذا لم تراع واقع بلدان القارة السمراء واحتياجاتها ومساعدتها على الاستقرار  وقبل ذلك تقييم سياساتها السابقة تجاهها والابتعاد عن تعامل يقتصر على الأمني والاقتصادي فقط دون غيرهما من المجالات والملفات…

*كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on هل تحقق قمة الجزائر أهدافها ؟ .. الخلافات حول الصحراء وليبيا وفلسطين تضغط بقوة..بقلم كمال بن يونس

هل تحقق قمة الجزائر أهدافها ؟ .. الخلافات حول الصحراء وليبيا وفلسطين تضغط بقوة..بقلم كمال بن يونس

من المقرر أن تختتم اليوم الخميس في العاصمة الجزائرية الاجتماعات التحضيرية للقمة العربية الـ31 ، في مستوى المندوبين .

وينتظر أن يعقد اليوم اجتماع كبار المسؤولين للمجلس الاقتصادي والاجتماعي التحضيري ، على أن يعقد غدا الجمعة بمشاركة وزراء الشؤون الاقتصادية العرب .

وتكتمل التحضيرات للقمة باجتماع وزراء الخارجية العرب يومي السبت والأحد 29 و30 أكتوبر على أن تعقد اجتماعات ” مجلس جامعة الدول العربية “على مستوى الرؤساء والملوك والأمراء الثلاثاء والأربعاء القادمين ، بالتزامن مع احتفالات وتظاهرات إقليمية ودولية قررت الجزائر تنظيمها بمناسبة الذكرى ال68 لاندلاع الثورة المسلحة ضد سلطات الاحتلال الفرنسي .

وقد استلمت الجزائر رسميا رئاسة القمة من تونس خلال اجتماع المندوبين ، استعدادا للجلسة الافتتاحية ل” لمجلس الرئاسة ” الذي سيسلم فيه الرئيس قيس سعيد الرئاسة رسميا لنظيره الجزائري عبد المجيد تبون .

لكن ماذا عن جدول أعمال الجلسات الرسمية وغير الرسمية لهذه القمة العربية ال31 ؟

هل سوف تحقق هذه القمة أهدافها أو قدرا منها أم يحصل العكس؟

وهل ستفتح آفاقا جديدا للعمل العربي المشترك الذي يمر بأزمة خانقة لأسباب عديدة من بينها “الخلافات بين العواصم العربية” التي تحركها ” لوبيات”و و” مافيات ” محلية ودولية مما تسبب في تأجيل موعد قمة الجزائر مرارا وسبق له أن أدى إلى ” اعتذار” بعض العواصم العربية عن استضافتها ؟

صحيح أن المحافظة على ” الشقف” ، أي على مؤسسات جامعة الدول العربية التي تأسست منذ 1946 ، قد يكون مفيدا ..

وصحيح أن تنظيم مؤتمرات يشارك فيها مئات الخبراء والمسؤولين الاقتصاديين والديبلوماسيين والسياسيين مهم جدا ..

وصحيح أن اجتماعات وزراء الاقتصاد العرب قبل القمة قد يساهم في ” تحريك” بعض ملفات الشراكة الاقتصادية الثنائية والثلاثية والجماعية ..إلى جانب مساهمتها في ” تحيين ” بعض القرارات والاتفاقيات والمعاهدات حول الغاء الحواجز الديوانية ( القمرقية) والجبائية وتطوير فرص المبادلات وحرية تنقل المسافرين والسلع ورؤوس الأموال ..

لكن هل سوف يكون مسموحا لكل القادة العرب الحضور في أعلى مستوى في جلسات القمة ، رغم الانتقادات التي سبق أن وجهها مسؤولون غربيون واسرائيليون كبار الى القيادة الجزائرية، بعد أن تهموها ب” التعاون أكثر من اللازم ” مع موسكو وبيكين وطهران وأنقرة ومع قيادات حركات التحرر الوطني الفلسطينية ، التي صنفتها تل أبيب وحلفائها ” إرهابية “؟

ورغم تراجع الجزائر عن دعوة القيادة السورية للمشاركة في القمة ال31 هل سوف يسمح لها بعرض ” مشروع مصالحة عربية مع دمشق ” و إلغاء قرار طرد سوريا من جامعة الدول العربية الذي صدر في نوفمبر 2011 عن مجلس وزراء الخارجية العرب المنعقد في القاهرة .

ولئن رحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش باتفاق المصالحة المبرم مؤخرا في الجزائر بين السلطة الفلسطينية وقيادات فتح والجهاد وحماس فهل سوف يسمح للقيادات العربية التي سوف تشارك في القمة بأن يدعموه قولا وفعلا ؟

أم يكون مصيره مثلما كان مصير وساطات سابقة كثيرة بين قيادات فتح وحماس والجهاد رعتها منذ 2006 عدة دول بينها المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا وايران ومصر ..؟

وهل سيوافق ممثلو القاهرة والرباط على أن يصبح للجزائر “دور استراتيجي في الملف الفلسطيني” الذي تعتبره السلطات المصرية ضمن ” مجالها الحيوي ” بينما تعبر الرباط نفسها ” الدولة العربية الأكثر تأثيرا فيه “، لأنها ترأس ” لجنة القدس ” ولأن حوالي مليون مواطن يهودي مغربي هاجروا خلال السبعين عاما الماضية وأصيح أغلبهم يحمل في نفس الوقت ” جوازا إسرائيليا ” ، أي أنهم ” أقوى لوبي يهودي داخل إسرائيل وعالميا ” ؟

وإذا صدقت الانباء عن تغيب العاهل المغربي وولي العهد السعودي وعدد من قادة المنطقة عن القمة فهل سيحضرها الرئيس المصري شخصيا رغم انتقادات القاهرة ل” تزايد الدور الجزائري في ليبيا ” وفي النزاع بين مصر واثيوبيا حول المياه وفي ” الملف الفلسطيني “؟

واذا كان من أبرز الأهداف التي رفعتها القمة ” تحقيق المصالحة العربية ” فكيف تتأثر أجواء القمة ب” التصعيد الجديد ” بين الرباط والجزائر بسبب “الملف الصحراوي”. وقد ساهم هذا التصعيد في اجهاض قمة اليابان افريقيا ( تيكاد 8 ) التي عقدت بتونس يومي 27 و 28 أوت الماضي بحضور زعيم جبهة البوليزاريو الذي تعتبره المغرب ” انفصاليا وزعيم تنظيم إرهابي يقيم في الجزائر..) بينما تابعت الجزائر دعمها له عبر تسهيل زياراته إلى عدد من الدول الإفريقية ،بينها جمهورية جنوب افريقيا ، بصفته ” رئيس الجمهورية العربية الصحراوية “..

مرة أخرى قد يتسبب ” الملف الصحراوي” في تأجيل مشروع المصالحة بين البلدان المغاربية والعربية ..

وخلافا على ماجرت عليه العادة فلن تعقد ” قمة مغاربية مصغرة ” ، على هامش قمة الجزائر ، رغم كل ما قيل عن الوساطات التي قامت بها الرياض وأبو ظبي بين قيادات المغرب والجزائر وتونس .

إذن سيزداد شلل هياكل ” الاتحاد المغاربي ” ..خاصة أن استقالة الأمين العام المنتهية ولايته منذ مدة ، الوزير السابق للخارجية الطيب البكوش ، تصبح رسمية بدءا من يوم 1 نوفمبر .

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on ماذا بعد قمة الجزائر؟ .. “الأولويات الوطنية ” تحرك أكثر عواصم المنطقة .. بقلم كمال بن يونس

ماذا بعد قمة الجزائر؟ .. “الأولويات الوطنية ” تحرك أكثر عواصم المنطقة .. بقلم كمال بن يونس

اختتمت القمة العربية في الجزائر بإصدار قرارات تضمنت خاصة تنويها بالصبغة الاستراتيجية لقضية فلسطين و” لم شمل” أغلب حركات التحرر الوطني الفلسطينية ” ، والدول العربية ..

وقد تضمنت رسائل الأمين العام للأمم المتحدة و عدد من قادة العالم ، بينهم الرئيس الروسي بوتين ، وكلمات الرؤساء والملوك والأمراء العرب داخل الاجتماعية وعلى هامشها ، دعوات إلى ” المصالحة ” بين الحكومات والشعوب وإلى ” تسوية النزاعات ” داخل ليبيا والسودان وسوريا واليمن وغيرها عبر ” الطرق السياسية ” وتنظيم انتخابات ديمقراطية …الخ

وكان واضحا أن بعض الكلمات ، وبينها مداخلات رؤساء تونس والجزائر وفلسطين ووفود المغرب وقطر والأردن والكويت حرصت على اعلان ” التمسك بالثوابت الوطنية العربية ” وعلى رأسها اعتبار ” الدولة الفسلطينية المستقلة وعاصمتها القدس ” شرطا لانجاح كل جهود تحقيق ” الامن الشامل في كامل الشرق الأوسط الكبير” ، الذي يمتد من المملكة المغربية ونجيريا إلى اندونيسيا مرورا بتركيا وايران وفلسطين والدول العربية ..

لكن ماذا بعد هذه القرارات ” القومية المشتركة “؟

هل ستنجح العواصم العربية فعلا في تشكيل ” لجان وزارية عربية ” تتنقل بين دول العالم وخاصة بين الدول العظمى ، من أجل تفعيل القرارات الأممية الخاصة بقضايا فسلطين والقدس منذ 1948 وحروب 1967 و1973 ؟

وهل تستنجح الدول العربية ال 21 بالتعاون مع الخمسين دولة إسلامية ومجموعة ” دول عدم الانحياز ” في إضفاء الصبغة الرسمية للدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة وفي توفير حاجيات الشعب الفلسطيني الملحة للدعم المالي ؟

و ستصبح دولة فلسطين فعلا ” عضوا كامل الحقوق” وليست مجرد عضو ” مراقب”؟

وإذا افترضنا أن الجمعية العامة أصدرت قرارا مماثلا لم يقابل ب” الفيتو” في مجلس الأمن ، فهل ستقبل حكومة اقصى اليمين المتطرف الجديدة في إسرائيل قرارات القمة العربية في الجزائر “برحابة صدر” ، وهي التي تضم شخصيات تنتمي رسميا إلى ” حركة صهيونية من أقصى اليمين ” سبق ان حوكم بعض زعمائها من قبل محاكم ومؤسسات إسرائيلية بتهم العنصرية والدعوة الى الإرهاب واحتلال كامل الضفة الغربية و طرد العرب من” فسلطين التاريخية ..”؟

++ لكن ماذا عن الملفات ذات الصبغة الثنائية في هذه القمة الإقليمية ؟

وكيف ستتأثر علاقات تونس بعدها بالدول المغاربية والعربية عموما وبالرباط والجزائر خاصة ؟

وهل ساهمت محادثات الكواليس على هامشها في الاتفاق على صفقات تونسية جزائرية وتونسية ليبية وتونسية خليجية خاصة في قطاعات المحروقات والمواد الغذائية والعلف ؟

وهل جرت في الكواليس جلسات عمل مباشرة وغير مباشرة لاحتواء ” الأزمة الديبلوماسية غير المسبوقة ” التي انفجرت أواخر شهر أوت الماضي بين تونس والمملكة المغربية بسبب الاستقبال الرسمي لرئيس جبهة البوليزاريو إبراهيم غالي الى تونس ومشاركته العلنية في قمة ” تيكاد 8″ رغم اعتراضات الرباط وحلفائها ؟

وكيف سيتعامل كبار صناع القرار في العالم والمنطقة مع مقررات قمة الجزائر ، التي من المقرر ان تعقبها قمة عربية صينية في السعودية وأخرى ” خليجية إسرائيلية أمريكية مغربية” قد تعقد في مدينة ” الدخلة ” في الصحراء المغربية حسب مصادر إعلامية دولية وإسرائيلية ؟

من الصعب تقديم إجابات قطعية في هذه المرحلة التي يتابع فيها العالم مضاعفات ” زلزال حرب أوكرانيا ” وانعكاساته الاقتصادية والسياسية والأمنية الخطيرة على اغلب الدول العربية والاوربية وعلى العالم اجمع ..

كما يصعب التنبؤ بالتطورات القادمة والعالم على أبواب انتخابات برلمانية ” نصفية ” في أمريكا يمكن أن تؤدي إلى خسارة الحزب الديمقراطي الموالي للرئيس بايدن الأغلبية في الكونغرس لصالح ” اقصى اليمين ” الموالي للرئيس السابق دونالد ترامب وصقور ” المحافظين الجدد ” و ” اليمين المسيحي المتطرف الموالي لإسرائيل جنوبي شرقي أمريكا “..

++ في كل الحالات قد يكون من مصلحة تونس والدول المغاربية بعد هذه القمة ، التي حضر أشغالها وفد مغربي كبير رغم تغيب الملك محمد السادس ، أن تعطي الأولوية مجددا للشراكات الثنائية والثلاثية والخماسية الإقليمية بما في ذلك في سياق تفعيل الشراكة بين دول الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط ..

لقد كان بيان قمة الجزائر” توافقيا ” واعترف بشرعية ” المبادرة العربية للسلام ” التي صادقت عليها قمة بيروت في 2002 ،كما نوه بدور لجنة القدس التي يرأسها العاهل المغربي محمد السادس ، وبدور المملكة الأردنية الهاشمية في الاشراف على القدس والمعالم الإسلامية والمسيحية في فلسطين المحتلة ..

فسعى أن تكون تلك ” التوافقات ” رسالة ينطلق منها كبار السياسيين في البلدان المغاربية والعربية لتفعيل شراكة أكبر تحكمها لغة المصالح ..وتدعمها المشاورات في الكواليس وفق رؤية جديدة تدعم ” سياسة الحياد الإيجابي ” و” تعدد الشركاء” والانفتاح على كل الدول ..وفق منطق ” تقاطع المصالح”..

إن ” الأولويات الوطنية “أصبحت تحرك أغلب دول العالم ودول المنطقة ولابد من أخدها بعين الاعتبار ..

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on نحو عالم أكثر عدلا مقاربة تقييمية لإصلاح الأمم المتحدة .. بقلم فتح الدين البودالي

نحو عالم أكثر عدلا مقاربة تقييمية لإصلاح الأمم المتحدة .. بقلم فتح الدين البودالي


تاريخيا، تأسست منظمة الأمم المتحدة إثر الحرب العالمية الثانية عام 1945 بتوقيع 51 دولة وهي الآن تضم 193 عضوا.
فقامت المنظمة على أساس الأهداف التالية: تأمين العدالة والسلم. – التنمية البشرية والاقتصادية. – المساواة الاجتماعية. – القيمة الإنسانية والحقوق والحريات؟ – الأمن والاستقرار.

أما الوظيفة التي تعهدت منظمة الأمم المتحدة النهوض بها من خلال الهيآت والمواثيق والآليات، فهي إدارتها للكفاح العالمي من أجل: – التنمية الشاملة – مقاومة الأوبئة والآفات – تدهور البيئة – التغيرات المناخية – مكافحة التصحّر – مكافحة الحروب التجارية – مكافحة المنافسة على السلطة بالانقلابات…
وفيما يتعلق بالحوكمة، فهي تتمثل في تلكم الآليات القائمة على حسن إدارة المشكلات متعددة الأبعاد والمستعصية، إذ أن تلكم الأزمات تخدم سياسات هيمنة مجلس الأمن الحارس مبدئيا لأسباب السلم والأمن مجسما بالدرجة الأولى في الأعضاء الخمسة دائمي العضوية وهم من المنتصرين في الحرب العالمية الثانية وبموجب اتفاقية يالطا وأضيفت إليهم قوى وازنة آنذاك، والمهم أنهم في مجموعهم قوى كبرى وازنة اقتصاديا. (الصين – روسيا – انقلترا – فرنسا – أمريكا) وكلّهم أطماع ومصالح، ولا عجب.
بينما نرى كيانات ومكونات دولية أخرى وازنة مثل منظمات إقليمية وغيرها كمنظمة التعاون الإسلامي التي تشكل ثلث سكان العالم وتضم 57 عضوا لا مكانة أو تمثيل لها في هذه الهيئة المحورية. فتلك “الهندسة ” غير المتكافئة ولا المواكبة لتطورات العالم ما بعد 1945، فلم تعد تعكس التعدية الثقافية والتعددية القطبية لأجل ضمان سلام عالمي أكثر ديمومة وتحقيقا لأهداف الأمم المتحدة ذاتها.
وعليه فإن الحوكمة العالمية الفعالة والناجعة تمر بالضرورة عبر “الإصلاح” أي إعادة هيكلة المجلس والرجوع إلى مقاصد مواثيق حقوق الإنسان والشعوب والكيانات حتى لا تفقد المنظمة برمتها سمعتها ومكانتها أكثر مما فقدتها وخاصة في ظل اهتراءات الأزمات الفادحة التالية:
– انتشار العنف والفتن في دوامة الإرهاب الدولي – تفاقم الهجرة اليائسة واللاجئين الفارين من النزاعات والانتهاكات والعوز مثل الحروب البيئية والحروب الأهلية والأزمات الاقتصادية والتدهور البيئي والمناخي والصحي وغير ذلك… وما ينجر عنها من الضغوطات الاجتماعية الحادة كالتهميش والعنصرية والهشاشة والبطالة والفقر والجوع والانحراف والجريمة.
وهل يغض العالم الطرف عن … فلسطين، القضية والحق والمأساة والمظلمة والعار؟
ثم هل نغفل عن رؤية حقيقية صارخة أخرى ألا وهي أن مجلس الأمن الدولي نفسه لا تعود إليه سلطة الموقف والقرار الا بمقدار ما يناسب مصالح القوى المتحكمة فيه ؟ ومثاله الفاضح الحرب على العراق بتهمة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، رغم أنف المنتظم الأممي.
الآفات والبعد المستقبلي
خارطة طريق شاملة، أركانها هي التالية :
• تسوية الصراعات والحروب والمعاداة والهيمنات. ● تصفية الاستعمار والاختراق والاستغلال وترتيب العلاقات الدولية على أساس المشترك ومبدأ الاحترام المتبادل. ● تشبيك اقتصاد عالمي أكثر عدلا. ● بناء التعددية بأكثر فاعلية وديمقراطية وشفافية وخاضعة للمساءلة والمراقبة. ● تعزيز الضمير والتعاون المشترك للمجتمع الدولي من أجل خدمة السلام والعدالة والتضامن والرفاهية للبشرية والاستقرار والأمن العالمي. ● إعادة هيكلة مجلس الأمن يكون متعدد الأطراف. ● إلغاء امتياز حق النقض – الفيتو!
استتباعات
على سبيل الأمثلة التطبيقية لما تم بسطه آنفا لننظر في حال “دول القارة الإفريقية” ومكانتها وثرواتها ونتساءل لماذا لم تتجه بأجمعها إلى حد الآن نحو الحرية والديمقراطية وتحقيق الاكتفاء والمناعة والتقدم والرقي الاجتماعي ثم ننظر بالتحديد في حال بلدنا تونس التي كانت مؤهلة قبل زهاء قرنين للمضي على درب إلغاء الحكم المطلق ومن أجل بناء الحرية والديمقراطية (منذ تجربة دستور عهد الأمان 1861 الذي دام العمل به ثلاث سنوات فقط أي قبل انتصاب الاستعمار بـ20 سنة ثم ما لبث أن تم احباطه بمؤامرة خارجية مفضوحة 1864).
ثم ومن أجل سد الفراغ الذي خلفه الاستعمار بعد 75 عاما من الاحتلال المباشر (1881 – 1956) وإثر الاستقلال المغشوش تجددت المحاولة لخلق أمة وسط وتوفير العدالة للنهوض بالبلاد كحلم منشود وذلك خلال عشرية الستينات (1960 – 1970) ولكن كانت المؤمرة المفتعلة والتراجع الكلي بمؤامرة خارجية اعتباطا من النجاح رهن التحقيق والرجوع إلى المجتمع الرأسمالي الأناني والمجحف.
ويدوم الزمن دورته بعد 150 سنة من مشروع النهوض الوطني القديم فيتم مجددا افتكاك الحرية والكرامة والديمقراطية (ثورة الربيع العربي 2011) بدستور 2014، غير أن تعطيل المسار كان كالعادة في الموعد بأوامر خراجية رأس حربة الثورة المضادة منذ بداية الثورة الى حين المنعرج الخطير بنوايا الانقلاب على الدستور (منظومة 25 جويلية 2021) وما ألحقتها من أضرار فادحة.
هكذا عانت البلاد دون هوادة وعلى العموم في غفلة بل تغييب لِوَعْي أوسع الجماهير من انتهاك السيادة بالغزو الفكري والإعلامي والثقافي واللغوي زيادة على الأمني والاقتصادي بإعلاء راية العلمانية المتكلسة وتغذية النزاعات البائدة أو الخامدة وتصفية الوطنيين الخلّص والعلماء الكمّل وضرب الأخوة المتأصلة بافتعال الإرهاب الوظيفي والشقاق بأصنافه، كما عانت البلاد التبعات الضارة لتهميش التربية الدينية والأخلاقية المستنيرة الأصيلة وخنقها ومحاصرتها وتهميشها وتقزيمها لصالح العلمانية المناهضة للدين والمناولة لاحترام الذاتية الوطنية والمؤدية للانحلال الأخلاقي عبر تفكيك المؤسسات البنيوية للمجتمع كالأسرة وعناصر القدوة والمرجعية الجماعية.
إن علينا أن نفتح بصائرنا ونقر إقرار ذوي الوعي والعزم بأننا كثيرا ما أضعنا الفرص جراء توالي سياقات التبعية وقبضة مخالبها، وهي العامل الأصلي في تفاقم السوء وتدهور الأوضاع وفي تأخرنا وارتجاجنا، ارتجاجا سببه اختراق الاستعمار الفرنسي (عضو دائم بمجلس الأمن) وعمالة الدولة العميقة التابعة له حين اشترط أخيرا وليس آخرا بأن يكون النظام السياسي للبلاد برمته برأس واحد للتحكم فيه واستدامة ضمان نهب ثروات البلاد.
وخلاصة القول
“تلك أمانِيُّهُمْ” … فتونس ذات الحضارات الضاربة جذورها وثمارها في أعماق الزمن والمكان من عشرات آلاف السنين، لن تباد منارتها بإذن مولاها الحيّ القيّوم، نعم، رغم توالي المحن والإحن، تظلّ هذه الأرض معطاءً متجددة ومستوعبة متغذية بكل من رام افتراسها.
فإن ربوع هذه البلاد تحتضن في كل مكان منها أبلغ الشواهد على أصالتها… خذ مثلا موقع “اللاس بالسرس بولاية الكاف” الذي يضم ثلاث قبور جلمودية عظيمة لأجدادنا القدماء وهي سابقة لحضارة قرطاج ذاتها.. أو التف إن شئت إلى موقع “الڨطار بولاية قفصة ” الذي ضم ما هو اليوم محفوظ بالمتحف الوطني العالمي بباردو ألا وهو بإجماع علماء الأنتروبولوجيا: أقدم شاهد محسوس مادي في العالم أجمع وقائم إلى اليوم على إيمان النوع الإنساني بعقيدة الحياة بعد الموت!
فأخيرا ليس آخرا، سوف تمثل المناسبة التالية التي سنحتفي بها قريبا أكبر تأكيد على ان حضارتها متواصلة الحلقات، وأنها باقية رغم الأدواء والأعداد، ونشير بذلك إلى مرور 1400 عام كاملة على تجدد استنارة هذه الربوع انطلاقا من ” المدينة الإسلامية عاصمة القيروان” بمبادئ تطلع الإنسان إلى العدل والحق والكرامة ممثلة بأنوار الإسلام الحنيف.
تلك هي تونس الحضارات، وإن الأمل قائم بإذن الله تعالى في عزم وثبات نحو: * ترسيخ الحرية والحقوق والكرامة والديمقراطية * انهاء وتصفية السياقات التبعية للاستعمار * إحياء مجدنا وحضورنا بين الأمم المتقدمة.

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on أميركا بين انتخابات التجديد النصفي والتضخم وحرب أوكرانيا .. بقلم د. آمال مدللي

أميركا بين انتخابات التجديد النصفي والتضخم وحرب أوكرانيا .. بقلم د. آمال مدللي

د. آمال مدللي
مستشارة في الشؤون الدولية – واشنطن


تحمل انتخابات التجديد النصفي المقبلة في الولايات المتحدة أهمية كبيرة من حيث توجيه السياسات الأميركية. وبمقدور نتائج هذه الانتخابات قلب المشهد السياسي المحلي والتأثير على السياسة الخارجية الأميركية واستراتيجية إدارة بايدن. ربما لا تكون هذه أخباراً سارة لأوكرانيا. جدير بالذكر هنا أن سياسة الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا حظيت بالإجماع، وذلك مع احتشاد الحزبين الديمقراطي والجمهوري وراء الدعم العسكري والإنساني والمالي غير المسبوق الذي قدمه الرئيس بايدن لدولة أجنبية.
واتحدت الإدارة والكونغرس في دعمهما لأوكرانيا من دون معارضة أو حتى جدال عام حول السياسة المتبعة إزاء أوكرانيا أو حجم المساعدات الموجهة لها. من ناحيتها، قالت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، في مؤتمر دولي عقد في كرواتيا، إن الكونغرس وحده «وجه أكثر من 60 مليار دولار من المساعدات الأمنية والاقتصادية والإنسانية ومساعدات للموازنة في أوكرانيا». كما وعدت «بتوجيه المزيد من المساعدات».
جدير بالذكر هنا أن الدعم الأميركي لأوكرانيا لا يرمي لمساعدتها عسكرياً فحسب، وإنما كذلك لتوفير الأموال لمساعدة البلاد في إدارة خدماتها الحكومية ودفع الرواتب، تبعاً لما ذكرته تقارير إعلامية.
ولا يزال الرأي العام الأميركي ثابتاً في دعمه لفكرة تقديم المساعدة العسكرية لأوكرانيا. وأظهر استطلاع حديث أجرته «رويترز» / «إبسوس» هذا الشهر أن 73% من الأميركيين مستمرون في تأييدهم سياسة الإدارة الداعمة لأوكرانيا. ورغم أن الدعم بدأ من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، فقد كان هناك اختلاف طفيف في مستوى الدعم بين الحزبين. وفي الوقت الذي أيد 81% من الديمقراطيين استمرار المساعدة، كان الجمهوريون أقل بقليل عند 66%.
إلا أنه في عام الانتخابات، حان الوقت كي تصبح السياسة تجاه أوكرانيا قضية في المعركة الانتخابية بين الديمقراطيين والجمهوريين للسيطرة على الكونغرس.
من ناحيتهم، وبينما يدعم الجمهوريون مسألة تقديم يد العون لأوكرانيا، فإنهم يصفون سياسة إدارة بايدن بالفاشلة. واتهم جيمس جاي كارافانو، من «مؤسسة هيريتيدج» المحافظة، مجلس النواب عندما وافق على تخصيص 40 مليار دولار لأوكرانيا بوضع «أميركا في المرتبة الأخيرة». وكتب أنه «يجب ربط الرقابة والمساءلة الجادة بأي أموال جديدة يجري إرسالها لدعم أوكرانيا». ورغم تأييده استمرار الدعم لأوكرانيا، واستعراض القوة الأميركية، فإنه انتقد القادة في واشنطن الذين «طرحوا مقترحات لإنفاق مليارات الدولارات التي لا نملكها على أشياء لا يدعمها الشعب الأميركي». وانتقد الكونغرس، قائلاً إنه «فشل في تأمين حدودنا، لكنه يبدي استعداداً كبيراً لإنفاق عشرات المليارات من الدولارات على تأمين حدود أوكرانيا».
بيد أنه رغم هذه الانتقادات من جانب المحافظين والجمهوريين للرئيس والكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، ظل جدار الدعم لأوكرانيا صامداً دون أن تخترقه الأقوال أو الأفعال حتى الأسبوع الماضي.
واليوم، تقف الانتخابات على الأبواب، ويبدي الجمهوريون والديمقراطيون استعدادهم لاستخدام أي شيء في ترسانتهم الخاصة لضمان الفوز. بدأت سياسة الرئيس تجاه أوكرانيا وتدفق مليارات الدولارات بشكل منتظم على أوكرانيا في وقت تعاني الولايات المتحدة تضخماً وتواجه تحذيرات من ركود وشيك، ما دفع منتقدي السياسة تجاه أوكرانيا لتوجيه سهامهم لجدار دعم أوكرانيا.
جاءت الإشارة الأولى من جانب زعيم الأقلية الجمهوري كيفن مكارثي الذي لمح إلى أن الأمور قد تتغير إذا فاز الجمهوريون في الانتخابات. وقال: «أعتقد أن الناس سيواجهون ركوداً ولن يكتبوا شيكاً على بياض لأوكرانيا». يذكر أن التوقعات تميل لصالح فوز الجمهوريين في الانتخابات.
من جهته، رد الرئيس بايدن على مكارثي بمهاجمته وكذلك مهاجمة الجمهوريين في مجلس النواب، قائلاً: «هؤلاء الرجال لا يفهمون. إن الأمر أكبر بكثير من أوكرانيا، إن الأمر يتعلق بأوروبا الشرقية، وبحلف «الناتو». إن الأمر ستترتب عليه نتائج حقيقية وشديدة الخطورة. إنهم لا يملكون أي حس بالسياسة الخارجية الأميركية».
إلا أن المفاجأة الكبرى التي تلقاها الرئيس جاءت من داخل حزبه عندما أرسل إليه 30 عضواً ديمقراطياً رسالة، تحثه على تغيير المسار في السياسة الخارجية وتجاه أوكرانيا.
وحملت الرسالة تأييداً قوياً لدعم الرئيس لأوكرانيا واستراتيجيته لتجنب الصراع العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وروسيا «ما قد يؤدي إلى اشتعال (الحرب العالمية الثالثة)، الأمر الذي يجب أن نسعى جاهدين لمنعه».
بيد أنه في الوقت نفسه، طلب أعضاء التجمع التقدمي للحزب الديمقراطي من الرئيس، اتباع استراتيجية لعقد مفاوضات مباشرة مع روسيا، ودعوا إلى توجيه «دفعة دبلوماسية استباقية، ومضاعفة الجهود للبحث عن إطار واقعي لوقف إطلاق النار».
وتوضح الرسالة أن الأعضاء «يدركون تماماً الصعوبات التي ينطوي عليها التفاعل مع روسيا»، لكنهم يحثون الرئيس على «بذل جهود دبلوماسية نشطة لدعم التوصل إلى تسوية ووقف إطلاق النار عبر التفاوض، والدخول في محادثات مباشرة مع روسيا، واستكشاف إمكانات إقرار ترتيب أمني أوروبي جديد مقبول لجميع الأطراف».
وأوضحت الرسالة أن الأفضل توجيه الأولوية للجهود الدبلوماسية ومنح مثل هذه الجهود فرصة، مشيرة إلى أن «بديل الدبلوماسية اشتعال حرب طويلة، بما يصاحبها من تداعيات مؤكدة وأخرى كارثية ومخاطر غير معروفة».
وخلال مقابلة مع «إيه بي سي نيوز»، قالت عضو مجلس النواب عن ولاية مينيسوتا إلهان عمر، إن الخطاب كتب في الصيف «رداً على تقارير أشارت لتعرض أوكرانيا لضغوط من جانب واشنطن للامتناع عن التفاوض».
وجاء رد الفعل الغاضب ضد الخطاب الذي كشف النقاب عنه وأولئك الذين وقعوا عليه فورياً وقوياً، حتى من بعض الأعضاء الذين وقعوا عليه قائلين إن الخطاب جرى توقيعه في يونيو (حزيران) وجرى الكشف عنه دون تشاور. وغضب الديمقراطيون من الكشف عن الرسالة. وندد عضو الكونغرس مارك بوكان (ديمقراطي) من ولاية ويسكونسن بـ«التوقيت السيئ» للكشف عن الرسالة. ووصف البعض الرسالة بأنها محاولة «استرضاء»، وأعربوا عن مخاوفهم من أن يستغلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لصالحه.
ورأى آخرون أن توقيت الكشف عن الرسالة «خطير سياسياً»، إذ – كما ذكر إصدار «بوليتيكو» – إن «أوكرانيا ليست مستعدة للمفاوضات في هذه المرحلة، خصوصاً، وأن هجومها المضاد المستمر منذ شهور حقق نجاحاً حتى الآن».
جاءت الضغوط على الديمقراطيين التقدميين من جميع الجهات، لأن الرسالة كشفت وجود انقسام خلف سياسة الرئيس بايدن تجاه أوكرانيا. كما جرى النظر إلى الأمر باعتباره يهدد فرص الديمقراطيين في الفوز بالانتخابات من خلال خسارة الأصوات المؤيدة لأوكرانيا.
من ناحيتهم، تراجع الديمقراطيون التقدميون عن الخطاب، قائلين إنه جرى الكشف عنه من قبل موظفين دونما فحص. أما البيت الأبيض، فلم يكن لديه أي تعليق عندما سئل عما إذا كانوا قد «نصحوا» الديمقراطيين التقدميين بالتراجع عن الرسالة.
ورغم عدم تنصلها من محتويات الرسالة، فقد أكدت النائبة باميلا جايابال، رئيسة التجمع التقدمي، أن الديمقراطيين متحدون «في التزامنا القاطع بدعم أوكرانيا في كفاحهم من أجل ديمقراطيتهم وحريتهم في مواجهة الغزو الروسي غير القانوني والشائن». وأعربت عن خيبة أملها لأن رسالتهم تبدو متماشية مع تصريح النائب مكارثي بشأن المساعدات الموجهة لأوكرانيا، الأمر الذي نفته.
كانت سياسة الإدارة أن على الأوكرانيين أن يقرروا متى يكونون مستعدين للتحرك على المسار الدبلوماسي. وكانت الفكرة الأساسية هنا أنه «لا شيء يتعلق بأوكرانيا من دون أوكرانيا». وتعرضت هذه السياسة لانتقادات من قبل بعض الأصوات البارزة على صعيد السياسة الخارجية. مثلاً، انتقد ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، إقرار الولايات المتحدة أهداف أوكرانيا العسكرية، معرباً عن اعتقاده أن هذا الأمر: «غير منطقي. نحن بحاجة إلى محادثة جادة مع أوكرانيا حول أهداف الحرب». وقال إن ثمة حاجة لحوار استراتيجي مع أوكرانيا.
وكتب جيفري ساكس، وهو صوت آخر للسياسة الخارجية ينتقد سياسة إدارة بايدن، هذا الأسبوع نقداً لاذعاً للسياسة الأميركية تجاه أوكرانيا، مدعياً أن: «رفض بايدن للدبلوماسية يطيل أمد تدمير أوكرانيا، ويهدد باشتعال حرب نووية».
في نهاية الأمر، تبقى انتخابات التجديد النصفي على بعد أيام قلائل، وبغض النظر عمن سيفوز فإن نتائجها ستؤثر بالتأكيد على السياسة الخارجية. وإذا ظل التضخم مرتفعاً، وإذا تحققت تنبؤات الركود، فإن الحديث في الولايات المتحدة سيتحول إلى المساعدات الخارجية، خصوصاً الموجهة لأوكرانيا. ولا يعني هذا التخلي عن دعم أوكرانيا، لكنه سيصبح جزءاً من الجدال الدائر حول السياسة الخارجية الغائب اليوم.
وسيستمر كل من الديمقراطيين، خصوصاً الأعضاء التقدميين، والجمهوريين في التشكيك في جدوى السياسة الراهنة، وسترتفع أصوات مثل ساكس الذي دعا بالفعل إلى «تغيير السياسة الخارجية» وإعطاء الأولوية للتسوية السلمية. والمأمول أن يؤدي هذا إلى عقد نقاش أكثر عقلانية لا يكافئ بين الدعوة إلى السلام واسترضاء موسكو، ولا يشيطن مسار المفاوضات والدبلوماسية.
يجابه العالم الآن مشكلة الدول الفقيرة التي تدفع الثمن. والمؤكد أن هذه الدول والعالم أجمع بحاجة إلى السلام. وعليه، فقد حان الوقت منذ أمد طويل لاتخاذ مسار الدبلوماسية.

أخبار, البارزة, وجهات نظر 0 comments on عام على انقلاب السودان.. هل يسكت الشارع؟

عام على انقلاب السودان.. هل يسكت الشارع؟

عام كامل مر على انقلاب الجيش السوداني على الثورة في البلاد، فقد خرج وقتها رئيس مجلس السيادة في السودان، الفريق عبد الفتاح البرهان، في خطاب مُتلفز ليعلن حل مجلسي السيادة والوزراء وحالة الطوارئ وتعليق العمل ببعض مواد الوثيقة الدستورية.

وفي هذا الانقلاب، اعتقل الجيش عددًا من المسؤولين المدنيين في الحكومة والمجلس الانتقالي من بينهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وزوجته. حيث كان قد تولى السلطة في السودان منذ عام 2019 وذلك بموجب اتفاق توصل إليه الأطراف بعد بضعة أشهر على الإطاحة بالرئيس عمر البشير وإنهاء حكمة الذي استمر 30 عامًا. ووقتها خرجت تظاهرات حاشدة في مختلف انحاء البلاد للمطالبة بالتراجع عن الانقلاب، والتي شهدت صدامات بين المتظاهرين والجيش واضرابات عن العمل واغلاق للموانئ وعصيان مدني، أفضى في النهاية إلى تراجع الجيش عن بعض قراراته والإفراج عن حمدوك وبعض الشخصيات السياسية، والعودة إلى مسار الثورة حسب البيانات الرسمية والتصريحات.

اليوم وبعد عام على الانقلاب خرجت تظاهرات حاشدة في معظم مدن السودان، في إحياء لذكرى الانقلاب العسكري، وأكد المتظاهرون رفضهم لحكم العسكر، وطالبوا بحكومة مدنية كاملة الصلاحيات. وعلى الرغم من أن السلطات استبقت التظاهرات بنصب الحواجز على الطرقات الرئيسية وقطع الجسور بين المناطق والمدن السودانية ولاسيّما العاصمة الخرطوم ونشر المدرعات فيها، وقطع شبكة الإنترنت في البلاد، إلا أن ذلك لم يمنع خروج الآلاف إلى الشوارع، وخصوصا في مدن العاصمة الثلاث الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، إضافة إلى تظاهرات في مدن أخرى، مثل مدني وسط البلاد، وعطبرة شمالاً، وبور سودان شرقًا.

التظاهرات في العاصمة تخللتها مواجهات بين المتظاهرين والشرطة وذلك بعد محاولة المتظاهرين الاقتراب من القصر الرئاسي، ليُسجّل عشرات المصابين من المحتجين، حيث أطلقت قوات الامن قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي عليهم. واطلق على التظاهرة اسم (مليونية 25 أكتوبر). وقالت لجان المقاومة الشعبية، إن تظاهرات اليوم بعد عام من الانقلاب العسكري يجدد فيها الشعب السوداني رفضه لحكم العسكر، ويطالب بحكومة مدنية كاملة. مشددة على أن الشعب سيواصل نضاله الثوري حتى إسقاط الانقلاب.

الاتحاد الأوروبي طالب السلطات السودانية بالعودة فورًا لحكومة انتقالية مدنية في البلاد. ودعا مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الجيش السوداني لاحترام حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. واعتبر أن الجيش يتحمل مسؤولية خاصة عن تراجع الاقتصاد واستمرار تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية في البلاد خلال العام الماضي. وأكد بوريل أنه لا يمكن التوصل إلى تسوية سياسية إلا إذا تحلّت الأطراف بالشجاعة والإرادة السياسية اللازمة لتجاوز المأزق الحالي. داعيًا السلطات وقوى الأمن للتحلي بضبط النفس وحماية الأرواح وحرية التعبير.

الانقلاب العام الماضي حدث بعد ساعات قليلة من مغادرة المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي، في ذلك الوقت جيفري فيلتمان، للخرطوم وذلك بعد انخراطه في اجتماعات عديدة مع الأطراف السودانية، ناقشت الخلافات بين المدنيين والعسكريين، وأعرب وقتها عن تفاؤله بوجود مخرج للأزمة السودانية، وبعد وقت وجيز نفذ القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان انقلابه العسكري مخالفا بذلك الوعود التي أطلقها بحماية البلاد من أي انقلاب عسكري والحفاظ على الفترة الانتقالية، خلال اجتماعه الأخير مع فيلتمان.

ووفق تقرير مفصل نشرته منظمة حاضرين الحقوقية عن الانتهاكات ضد المتظاهرين، فقد تجاوز عدد المصابين خلال قمع الأجهزة الأمنية للاحتجاجات 7000 بينهم 400 طفل. واوضح التقرير أن عدد الإصابات البليغة يقدر بـ 1074 بينهم 116 طفلًا. وكشف التقرير عن 50 حالة اعتداء جنسي، خلال الاحتجاجات، بينها 3 حالات اغتصاب. وبينما قتل أكثر من مئة متظاهر خلال قمع الأجهزة الأمنية للتظاهرات، تشهد البلاد أعمال عنف أهلي واسعة النطاق، حيث قتل خلال عام من الانقلاب 500 شخص في دارفور. وكان المجتمع الدولي، قد أوقف جملة من المساعدات والمنح للسودان تقدر بنحو 4.5 مليارات دولار، في أعقاب الانقلاب العسكري، كما أعلن نادي باريس تعليق إعفاء ديون السودان. وتمت الدعوة الى اتفاق شامل لإنشاء حكومة انتقالية بقيادة مدنية في السودان، تعيد الانتقال الديمقراطي في البلاد. تلتزم بمساعدة الشعب السوداني على تحقيق أهداف الثورة، في بلد مستقر ومزدهر يعيش في سلام مع نفسه ومع جيرانه. ومنذ عام يغيب الاستقرار عن الأراضي السودانية.