تقرير أمني ألماني: الصراع مع القوى العظمى أخذ مكان الحرب على الإرهاب في السياسات الأمريكية

تقرير أمني ألماني: الصراع مع القوى العظمى أخذ مكان الحرب على الإرهاب في السياسات الأمريكية


يتميز تقرير تقرير ميونخ للأمن 2019 “اللغز العظيم: من سيحصل على القطع؟” بكونه يجمع خلاصة عدد هائل من التقارير التي تصدرها مؤسسات شريكة عربية وإفريقية وأوروبية وأمريكية وآسيوية، فضلا عن شخصيات بحثية وأكاديمية مهمة تتعاون مع مؤتمر ميونخ للأمن من أجل تخريج خلاصات تقييمية واستشرافية لاتجاهات السياسة الدولية وانعكاساتها على واقع الأمن في العالم. 

ويتناول التقرير في بدايته الخلاصة التقييمية لواقع النظام العالمي، وأهم المحاور التي تنظمه، ومعالم تبلور اتجاهات جديدة فيه، وانعكاساتها على واقع الأمن، فضلا عن قضايا النزاع الأساسية التي تشكل بؤرة توتر للسياسات الدولية في العالم، ثم يعرج بعد ذلك على الفاعلين الدوليين في السياسات الدولية، ويركز في هذا التقرير عن الجانب الأوروبي على فرنسا وألمانيا، وعلى بريطانيا ومستقبلها الجديد بين البريكست أو مراوحة المكان في الاتحاد ألأوروبي، ثم كندا واليابان، ويعرض في محور ثالث أربع مناطق تمثل منصة لتفاعلات دولية هي منطقة البلقان، وأوروبا الشرقية، ومنطقة الساحل جنوب الصحراء، منطقة الشرق الأوسط، ويخصص المحور الرابع للقضايا الأساسية التي تنظم السياسات الدولية (التسلح، التجارة، تحولات الجريمة المنظمة، والاستخبارات الاصطناعية). ويختم التقرير مواده بمراجعات لكتب وتقديم ملخصات عن تقارير مهمة صدرت في الآونة الأخيرة.

أزمة نظام عالمي

يستند التقرير إلى تصريحات لعدد من قادة العالم، تؤكد بأن العالم يسوده الشعور المتزايد  بالقلق،  وأن الأمور لا تسير على خير كما عبر عن ذلك روبرت كاغان، فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل اعترفت أن الإطار المعروف والمألوف للنظام الدولي صار يتعرض لضغط قوي في الوقت الحالي، فيما أكد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أن الوضع أسوأ وأن النظام العالمي الذي عرفناه يتعرض للاستهداف بدرجة يصعب معها العودة إلى الوضع السابق، أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فقد أقر بصعوبة العودة إلى ما كان عليه النظام الدولي من قبل، وأن العالم يعاني حاليًا من أزمة فعالية ومبادئ وأنه لن يكون قادرا على العودة إلى المسار الصحيح أو الرجوع إلى كيف كان يعمل من قبل.

هذه التصريحات المتقاربة في مضمونها وفي تقييم مستقبل النظام العالمي تفتح النقاش واسعا حول مآلات السياسات الدولية، وهل يشهد النظام العالمي عملية تغيير كبيرة؟ أم أن المحافظين الذين يدافعون عن النظام الدولي الذي تشكل بعد عام 1945 سينجحون في تحصين عناصره الأساسية؟ أم أن العالم سيقترب، كما عبر عن ذلك وزير الخارجية الروسي السابق إيغور إيفانوف، من “العاصفة المثالية”؟

عودة التنافس بين القوى العظمى

يستقرئ التقرير اتجاهات السياسات الدولية، ويشير إلى أن خيوط التفكير الرئيسية في عواصم القوى العظمى في العالم تركز على الحقبة الجديدة التي دخلتها المنافسة بين القوة العظمى، مع وجود تحذيرات لبعض المحللين، تنبه على مخاطر عودة القوى العظمى الاستبدادية باعتبارها التحدي الأكثر أهمية بالنسبة للغرب والنظام العالمي الليبرالي.

 

كرر وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس مخاوفه الأساسية من نزوع الصين وروسيا لتشكيل عالم يتسق مع نموذجهم الاستبدادي وتطلعهما للحصول على حق النقض

ويرى التقرير أن الإرهاب الذي كان يشكل محل الاهتمام الأمني الرئيسي للاستراتيجية الأمريكية منذ عقدين تقريبًا، حل محله اليوم موضوع جديد تمحورت عليه استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، وهو منافسة القوى الكبرى المستدامة، إذ حددت الوثائق الاستراتيجية الأمريكية الصين وروسيا باعتبارهما تحديين أساسيين لأمنهما القومي، وقد أكد عدد من المسؤولين الأمريكيين هذا التوجه الجديد، ففي رسالة استقالته إلى الرئيس ترامب، كرر وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس مخاوفه الأساسية من نزوع  الصين وروسيا لتشكيل عالم يتسق مع نموذجهم الاستبدادي وتطلعهما للحصول على حق النقض على القرارات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية للدول الأخرى، وتعزيز مصالحهم الخاصة على حساب جيرانهم، أمريكا وحلفائنا. ولهذا السبب رفعت الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي هذا التحدي، وقررت إدارة ترامب تبني موقف أكثر تصادمية مع هذه القوى العظمى المتنافسة.

 

تدهور العلاقات مع الصين

ولاحظ التقرير تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين منذ وصول ترامب للبيت البيضاوي، كما سجل تنامي الشعور الأمريكي الداخلي، بأن الصين تحدت واشنطن وأنها أصبحت الأكثر ديناميكية والمنافس الهائل لأمريكا في التاريخ الحديث. 

 

نائب الرئيس الأمريكي يتهم الصين بمحاولة “تقويض الميزة العسكرية الأمريكية على الأرض، وفي البحر، وفي الجو، وفي الفضاء”.

وقد كانت أمريكا تقدر ـ حسب نائب الرئيس مايك بينس ـ أن يؤدي التحرير الاقتصادي إلى إدخال الصين في شراكة أكبر مع واشنطن، لكن وقع تحول مخيب للتقدير الأمريكي، وذلك حين اتجهت الصين بدلا عن ذلك إلى تعزيز نزوعها العسكري. وقد ذهب الأمر بنائب الرئيس الأمريكي لاتهام الصين، ليس فقط بـ”التدخل في الديمقراطية الأمريكية”، بل بمحاولة “تقويض الميزة العسكرية الأمريكية على الأرض، وفي البحر، وفي الجو، وفي الفضاء”. 

غير أن الاستراتيجية الأمريكية المعاكسة لا تعني دائما العداء، ولا يمكن أن تقود دائما إلى التعارض، لكن النقاد يخشون أن يكون العداء هو النتيجة التي لا مفر منها بسب طبيعة المنافسة والعقلية التي تديرها بين الطرفين، لاسيما وأن واشنطن، في عهد إدارة ترامب، تبدو مستعدة للانخراط في سيناريو حرب باردة مع الصين.

 

الصين تبني سياساتها على افتراض أن الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى في تراجع،

بالنسبة للصين، يسجل التقرير أنها تحمل تقريبا نفس المقاربة، فقد عزز الرئيس شي جين بينغ سلطته، ويبدو أنه عازم على تحويل الصين إلى قوة عالمية، وهو يدرك تماما أن ذلك سيضع بلده في مسار تصادمي مع واشنطن.

يستبعد التقرير أن تغير الصين مسارها بسبب الموقف الأمريكي الجديد، ويرى أن الصين تبني سياساتها على افتراض أن الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى في تراجع، وأن هذا التراجع سينتهي بها في نهاية المطاف إلى التخلي عن هيمنها.

ومع ذلك، يرصد التقرير السلوك السياسي الصيني، الذي يتجه نحو تصوير الصين كقوة مسؤولة تواصل صعودها السلمي وتقود معركة تمثيل التعددية القطبية فقد أكد الرئيس الصيني أن تجارب التاريخ تثبت أن المواجهة سواء في شكل حرب باردة أو ساخنة، أو حرب تجارية، فإنه لا ينتج عنها منتصرون.

 

روسيا مصدر للقلق الأمريكي

ويرى التقرير أن روسيا أصبحت تمثل مصدر القلق الأمني الأكثر إلحاحًا بالنسبة لواشنطن. وعلى عكس الصين، فإن آفاق موسكو على المدى البعيد باعتبارها منافسًا جيوسياسيًا للولايات المتحدة لا تبدو واعدة للغاية، وذلك بسبب معاناة اقتصادها من تقلب العملة، وانخفاض أسعار النفط والعقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كرد فعل على أعمال روسيا ضد أوكرانيا.

ومع ذلك، سجل التقرير النفوذ القوي الذي استعملته روسيا مسجلة بذلك بعض الانتصارات المثيرة للإعجاب على المدى القصير في السنوات الأخيرة، وأخذت بقية العالم على حين غرة في أوكرانيا وسوريا. ومن الأمثلة الحديثة على تأكيد موسكو المتزايد تحت قيادة فلاديمير بوتين، قضية سكريبال، تصاعد أنشطة الإنترنت العدائية، ومحاولات التدخل في الانتخابات الديمقراطية في مختلف البلدان، أو المواجهة الأخيرة في مضيق كيرتش.

ويفسر جملة من المحللين الاستراتيجيين في روسيا وخارجها الإجراءات الروسية على أنها محاولة لإظهار أنها لا تزال أقوى مما يعتقد الغرب، وأنها ستظل قوة لا غنى عنها ولا يمكن إهمال مصالحها.
الولايات المتحدة لأمريكية، من جهتها، رفعت التحدي، بزيادة إدارة ترامب من الضغط من الضغط على موسكو رغم تذبذب موقف الرئيس، وذلك لإجبار بوتين على اختيار طريق مختلف. لكن مع ذلك، لا يرسل الكرملين اي إشارات للانفراج أيضًا.

ويلاحظ التقرير أن سعي روسيا نحو الغرب تراجع، وأنها تتجه لبناء دورها باعتبارها فاعلا منبوذا، لقد تخلت القيادة الروسية عن تقاربها مع الغرب ويبدو أنها تتبنى دورها باعتباره منبوذاً، وأنها بدلا من أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الغربية، أصبحت روسيا الآن “موجهة إلى مائة عام (أو ربما مائتان أو ثلاثمائة) من الوحدة الجيوسياسية.

 

يشير التقرير إلى إمكانية أن يتم التراجع أيضا عن تمديد معاهدة ستارت الجديدة التي تشمل الأسلحة النووية الاستراتيجية إلى ما بعد عام 2021

وينعكس التوتر الحذر بين واشطن وموسكو على مستوى الاتفاقات العسكرية، فبدل الاتجاه إلى تفعيل معاهدات الحد من الأسلحة الحاسمة، بدأ الاتجاه منذ سنة 2019 إلى سباق تسلح جديد، فقد استثمرت الحكومة الروسية لسنوات في بناء وتقوية قدرات عسكرية جديدة، بما في ذلك صاروخ كروز أرضي جديد، وفقًا للولايات المتحدة وحلفائها في الناتو، ينتهك معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى. وردا على ذلك، أعلن الرئيس ترامب اعتزامه الانسحاب من المعاهدة، مما يعني أنه سيتم السماح مرة أخرى لكل من الولايات المتحدة وروسيا بإنتاج ونشر صواريخ نووية متوسطة المدى تطلق من الأرض، مما يحيي المخاوف من أزمة يوروميسيل جديدة. 

الكرملين يرى من جهته أن هذا الوضح مريح، ما دامت إدارة ترامب هي المسؤولة عن التراجع عن المعاهدة، ويبدو أن موسكو تتكهن بأن الناتو لن يكون قادرًا على التوصل إلى توافق في الآراء بشأن نشر صواريخ أمريكية جديدة (والتي لا تزال بحاجة إلى تطوير) في أوروبا، مما يضع روسيا في ميزة سباق تسلح في الصواريخ متوسطة المدى قد تبدأ في أوروبا.

ويشير التقرير إلى إمكانية أن يتم التراجع أيضا عن تمديد معاهدة ستارت الجديدة التي تشمل الأسلحة النووية الاستراتيجية إلى ما بعد عام 2021 ، وأنه من المحتمل أن تنهار معاهدات الحد من الأسلحة المتبقية ، التي ما زالت تتبع منطقًا ثنائي القطبية وذلك في ظل عدم وجود إطار متعدد الأطراف جديد لتحديد الأسلحة يكون ملائماً للنظام الدولي الناشئ ، ويعتبر التقرير أن من شأن هذا أن يخلق واقعا أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتنبؤ بمستقبله، وأنه لهذا الغرض، ألمح الرئيس ترامب إلى إمكانية البدء مع الرئيس الصيني والروسي في محادثات لوقف سباق التسلح.

 

 

تقرير ميونخ للأمن 2019
مؤتمر ميونخ للأمن
عدد الصفحات:102
مصدر التقرير: مستودع التفكير الألماني مؤتمر ميونخ للأمن
الرابط:
file:///C:/Users/maha/Downloads/MunichSecurityReport2019.pdf

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *