مؤتمر الحوار السياسي الليبي في تونس .. وقف الحرب ينقذ اقتصاد تونس وجيران ليبيا من الانهيارجب .. قلم كمال بن يونس

 

انطلقت في تونس الاجتماعات الأمنية والسياسية التونسية الليبية رفيعة المستوى تمهيدا لتنظيم “مؤتمر الحوار السياسي الليبي الأول” الذي سينظم في العاصمة التونسية ، فيما أعلنت موفدة الأمم المتحدة بالنيابة ستيفاني ويليامز نجاح اجتماعات جنيف بين كبار القادة العسكريين الليبيين ضمن ما عرف بمجموعة 5+5 في تحقيق اتفاق هدنة أمنية شاملة غير مسبوقة.

هذا المؤتمر الأممي الليبي فتح آفاقا للتسوية السياسية الشاملة والانتعاش الاقتصادي في دور دول الجوار اللببي ، لكنه كشف في نفس الوقت عن صراعات جديدة بين الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الأزمة الليبية .

وفي الوقت الذي تحركت فيه السلطات في تونس والجزائر والمغرب ومصر دعما ” للتسوية السياسية ” التي يمكن أن تخدم مصالحها الاقتصادية على المدى القصير والبعيد ، تعاقبت تحركات العواصم الغربية لمحاولة التأثير في مقررات هذا المؤتمر الذي سوف يحدد مصير بلد تقدر احتياطه من النفط بأكثر من 20 مليار البراميل ومن الغاز بعشرات تريليونات من الامتار المكعبة .

فهل يسفر مؤتمر تونس عن الحوار الليبي عن نتائج ملموسة بما يخدم الاستقرار الأمني والمصالح الاقتصادية في ليبيا والدول المجاورة لها وخاصة في البلدان التي انهار اقتصادها بشكل بعد أزمة كورونا مثل تونس أم يحصل العكس؟

وهل يساهم الانفراج الأمني والسياسي في ليبيا في إنقاذ دول جوارها من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ؟

تكشف تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين والأوربيين عن ليبيا بعد زيارات قاموا بها إلى تونس والجزائر والرباط وطرابلس والقاهرة والخرطوم وجنيف عن وجود ” إرادة سياسية لإيقاف الحرب المدمرة التي تعصف بليبيا منذ حرب الإطاحة بحكم معمر القذافي في 2011 “حسب تصريح أدلى به للشرق الأوسط الديبلوماسي التونسي السابق في ليبيا والخبير لدى الاتحاد الأوربي البشير الجويني .

Image preview

لكن الجويني استطرد وحذر من ” المبالغة في التفاؤل ومن تجاهل لعبة المصالح المحلية والعربية والدولية في ليبيا ومن تعمق الخلاف حولها بين فرنسا وايطاليا والمانيا وبريطانيا وامريكا وروسيا وتركيا ..” .

وذكر الدبلوماسي التونسي بكون القمة العربية التي عقدت بتونس مطلع شهر ابريل 2019 بحضور الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش دعمت ” المؤتمر الوطني الجامع ” الذي كان مقررا عقده جنوبي ليبيا يوم 19 من نفس الشهر ، لكن الأوضاع العسكرية انفجرت بعد أيام من مغادرة القادة العرب وأمين عام الامم المتحدة تونس . وكانت الحرب الشاملة في العاصمة طرابلس وأغلب مدن الغرب الليبي .

ولم يستبعد الإعلامي التونسي الخبير في الشؤون الليبية علي اللافي في تصريح للشرق الأوسط أن تضرم بعض اللوبيات مجددا ” فتيل الحرب والاقتتال بالقرب من حقول انتاج النفط وموانئ تصديرها ، وهم ما يعني إجهاض أحلام الشعب الليبي وشعوب دول الجوار التي لديها مصالح كبيرة في ليبيا وتطمع في أن تفوز بجانب من صفقات إعادة البناء ومن فرص إنعاش الحركة التجارية والسياحية معها . ”

وأشار اللافي إلى كون ليبيا كانت توظف قبل حرب الإطاحة بالقذافي في 2011 حوالي مليوني عامل عربي نصفهم من مصر ونصفهم الثاني من تونس وبقية دول الجوار.

كما أورد السفير الليبي السابق بتونس احمد النقاصة أن ليبيا كانت الشريك الاقتصادي الأول لتونس قبل ثورات 2011 وأن المبادلات الرسمية وغير الرسمية معها كانت توفر مورد الرزق الأول لملايين التونسيين خاصة في محافظات الوسط والجنوب .

فرصة للمصانع وللتجار

كما يعتبر عدد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين أن ” الاتفاق السياسي الليبي ، تتويجا لمحادثات تونس وسويسرا وألمانيا والمغرب ومصر ، يمكن أن يكون فرصة لإعادة الحياة للمبادلات التجارية ولاتفاقيات التصدير السابقة بين مئات المصانع التونسية والجزائرية والمصرية مع المؤسسات الليبية ومع بقية الأسواق الإفريقية في دول جنوبي الصحراء “، على حد تعبير محسن حسن وزير التجارة التونسي السابق في تصريح للشرق الأوسط .

وأورد محسن حسن أن تطبيع الأوضاع في ليبيا قد يساعد تونس على تحقيق نسبة نمو سنوية في الناتج الخام لا تقل عن نقطة كاملة ، ويمكن أن يساعد السلطات والأطراف الاقتصادية على تخفيف المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة في البلاد .

وأورد محمد المسيليني وزير التجارة السابق والقيادي في حزب الشعب القومي العربي أن عشرات الآلاف من صغار التجار والمستثمرين التونسيين يعتمدون على شراكتهم مع ليبيا.

لكن المسيليني أعرب عن تخوفاته من تعثر مسار المصالحة والتسوية السلمية في ليبيا بعد تعاقب حالات غلق المعبرين الحدوديين بين تونس وليبيا في مستوى ” رأس الجدير” و ” الذهيبة – وازن” ، بسبب خلافات بين كبار المهربين وقادة بعض المجموعات العسكرية الليبية والاضطرابات الاجتماعية في الجهات الحدودية من الجانب التونسي .

السودان ودول جنوبي الصحراء

في نفس السياق أورد حكيم بن حمودة الخبير الاقتصادي لدى الصناديق الإفريقية والدولية والوزير التونسي السابق للاقتصاد والمالية في تصريح للشرق الأوسط أن ” الدراسات التي أجرتها مؤسسات الاتحاد الإفريقي تؤكد أن دول الجوار الليبي ، وخاصة تونس والسودان ومصر، تأثرت اقتصاديا سلبا بالحرب الطويلة التي تشهدها ليبيا من 2011.

وتوقع بن حمودة أن تنتعش اقتصاديات هذه الدول والقطاع الخاص فيها في صورة نجاح مسار الانفراج السياسي والأمني في ليبيا بعد المؤتمر الأممي في تونس ” .

هذا الاستنتاج قدمه أيضا الخبير الليبي في الدراسات الجيو استراتيجيه مصطفى الساقزلي الذي أعرب في تصريح للشرق الأوسط عن ” تخوفات من أن تعطل صراعات النفوذ وأجندات بعض اللوبيات المحلية والعربية والدولية مسار التسوية السياسية للازمة الليبية.

تفاؤل وحذر

ونوه الدبلوماسي سعيد بحيرة الكاتب العام السابق لوزارة الخارجية وممثل تونس في الاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة ب” الصبغة الإستراتيجية للشراكة بين ليبيا وجيرانها وخاصة مع تونس ومصر والجزائر والمغرب .”

وذكر بالمبادرات السياسية التي سبق أن صدرت خلال الأعوام الماضية في تونس ، من بينها المبادرة الثلاثية التونسية الجزائرية المصرية ومبادرة ” دول الجوار الليبي” وأدت إلى عقد عشرات المؤتمرات والاجتماعات عن ليبيا في تونس ومصر والدول المغاربية .

كما نوه سعيد بحيرة بإعادة تعيين سفير لتونس في طرابلس بعد سنوات من الغياب . ونوه بخصال السفير التونسي الجديد الاسعد العجيلي الذي كان مكلفا بملف العلاقات مع ليبيا في الخارجية التونسية وسبق له أن تابعه عن قرب عندما كان سفير لتونس في القاهرة .

لكن بحيرة حذر من ” الإفراط في التفاؤل بسيناريو تحسن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس في علاقة بالانفراج السياسي والأمني والعسكري في ليبيا ” واعتبر أن ” العظمى التي تتحكم في المتغيرات الإقليمية والحروب بالوكالة التي تشهدها المنطقة قد لا تسمح لبعض الدول العربية مثل تونس ب”أن تلعب دورا يتجاوز حجمها ” في ليبيا خاصة عند إبرام صفقات إعادة الإعمار.

خلافات فرنسا وايطاليا وتركيا

في الأثناء حذر عدد من الخبراء العسكريين والاقتصاديين التونسيين مثل الجنرال محمد المؤدب المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق من ” سيناريو انحياز تونس إلى أحد أطراف النزاع الليبي أو إلى إحدى الدول التي ثبت تدخلها المباشر في الحرب الليبية عسكريا وماديا ومن بينها تركيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة وايطاليا وبعض الدول العربية “.

وناشد الجنرال محمد المؤدب في تصريح للشرق الأوسط المسؤولين التونسيين والقيادات العربية ” التزام الحياد التام مستقبلا في النزاع الليبي خدمة لمصالحهم ودعما لجهود صناع القرار في ليبيا من أجل وقف الحرب والانتصار على كل الميليشيات المسلحة المحلية والأجنبية”.

لكن بالرغم من “التصريحات المتفائلة بالتسوية السياسية ” الصادرة عن الموفدة الأممية ستيفاني وليامز وعن السفير الامريكي في ليبيا ريتشار نورلاند بعد زياراته إلى كل من باريس والقاهرة وأنقرة، فإن بعض المراقبين يتعاملون بحذر مع تصريحات قيادات دول أخرى فاعلة في ليبيا بينها فرنسا وروسيا وايطاليا وتركيا.

فقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي لورديان عن مبادرة فرنسية جديدة لإعادة تجميع قيادات من كل دول الجوار الليبي بما فيها السودان والتشاد والنيجر.

والسؤال الذي يطرح هنا : هل يتعلق الأمر بمجهود تكميلي لمسار الحوار السياسي الأممي الذي ينظم في تونس وأعلنت عنه الديبلوماسية الامريكية ستيافني ولييامز بعد مشاورات مع الرئيس التونسي قيس سعيد في قصر قرطاج أم بمسار بديل ومشروع مواز ؟

وهل سوف تقدم المبادرة الفرنسية ” مشروعا جديدا للتسوية ” تحسبا لفشل مؤتمر تونس ، أم تكون مجرد تحرك للضغط وضمان مصالح باريس والشركات الفرنسية في ليبيا في مرحلة إعادة الإعمار ؟

وهل لن يشوش تحرك باريس بقوة عشية انطلاق اجتماعات تونس عن ليبيا على التحركات التي قام بها مؤخرا في المنطقة وزيرا الخارجية الامريكي والدفاع الأمركيين مايك بومبيو ومارك اسبر والقائد العام لقوات أفريكوم الجنرال ستيفان تاونساند والسفير الامريكي في ليبيا رتشارد نورلاند ؟

الخبير التونسي في العلاقات الامريكية العربية المنذر بن عياد لم يستبعد ، في تصريح للشرق الأوسط ، أن تسعى بعض العواصم الإقليمية والاوربية إلى ” تمديد الازمة ” والى ” تأجيل موعد الاتفاق السياسي الليبي -الليبي” إلى مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية .

كما لم يستبعد ” تأجيل” التسوية السياسية في ليبيا إلى ما بعد تحقيق توافقات واضحة في بقية ” بؤر التوتر والنزاعات الإقليمية ” وبينها الخلافات الأمريكية الروسية والتركية اليونانية والفرنسية والإسرائيلية حول مستقبل شرق المتوسط و توزيع حقول الغاز والنفط التي اكتشفت فيه..

كل السيناريوهات ورادة ..لأن المعركة تهم بلدا عضوا في منظمة الدول المصدرة للنفط عدد سكانه 6 ملايين نسمة ..وتقدر بعض الدراسات أن أكثر من ثلاثة أرباع ثرواته الباطنية لم يقع الكشف عنها بعد أو لم يبدأ استغلالها ..

“حقول النفط المشتركة”

في الأثناء يتطلع خبراء ومسؤولون سياسيون في تونس والجزائر ومصر وبقية دول الجوار الليبي إلى أن يؤدي الانفراج السياسي والأمني في ليبيا إلى اعادة تفعيل مشاريع شراكة اقتصادية عملاقة بين ليبيا وجيرانها بما في ذلك في قطاع المحروقات والغاز الصخري أو ما يسمى ب”غاز الشيست “.

وقد أثبتت الدراسات المشتركة قبل ثورات 2011 أن حدود ليبيا مع جيرانها وخاصة مع مصر شرقا و مع تونس والجزائر غربا غنية جدا بحقول المحروقات غير المستغلة وب” صحاري تزخر بالغاز الصخري الذي قد يجعل من ليبيا خامس دولة منتجة له في العالم” .

وقد سبق أن اتفقت القيادة الليبية في عهد معمر القذافي مرارا مع نظيراتها في تونس والجزائر ومصر على الاستغلال المشترك لبعض الثروات الباطنية برا وبحرا من بينها حقل ” البوري” في السواحل التونسية الليبية .

كما اتفقت على إقامة “مناطق اقتصادية حرة مشتركة ” في المحافظات الحدودية تركز فيها مصانع ومؤسسات تجارية وزراعية وتنموية .

ورغم تعثر تنفيذ بعض القرارات السابقة فإن اقتصاديات كثير من المدن في الجنوب التونسي مثل تطاوين وبن قردان ومدنين وجربة وقابس وصفاقس تعتمد على المبادلات مع ليبيا أصبحت تحتضن “أسواقا مشتركة “عملاقة يؤمها سنويا ملايين الجزائريين والسياح الاوربيين والمواطنين.

وقد ناقشت سلطات تونس والجزائر وليبيا قبل 2011 الاستغلال المشترك للمحروقات في ” غدامس” الذي يمتد في مساحات شاسعة حسب الدراسات الجيولوجية في الصحراء التي تربط بين البلدان الثلاثة .

وسبق لشركات نفط وغاز عربية وأوربية وأمريكية أن دخلت في سباق للفوز بصفقات التنقيب والإنتاج في ” المثلث الحدودي الليبي التونسي الجزائري في غدامس “، لكن كل تلك الصفقات تعثرت وتسببت في خلافات مع القذافي ومستشاريه، واجهضت بعد سقوطه.

وسبق لمؤسسة النفط والغاز العملاقة في الجزائر ، صوناتراك ، أن أبرمت اتفاقات مع الجانب الليبي قبل 2011 بهدف أن يستغل البلدان معا ثروات حقلي ” الوفاء ” الليبي و” الرار” الجزائري ..

لكن الاضطرابات الأمنية وإغلاق حقل الوفاء الليبي بعد 2011 أثر سلبا علي قدرات الانتاج حقل ” الرار” في محافظة “ايليزي”..

وسبق لليبيا وتونس والجزائر و مصر أن دخلت منذ 40 عاما في نزاعات حول بعض حقول النفط والغاز الموجودة بالقرب من الحدود البرية أو في عرض البحر . وبلغ الأمر حد التلويح بالحرب مرارا بين ليبيا وكل من مصر وتونس .

كما لجأت الحكومتان التونسية والليبية إلى التقاضي في آخر عهد الرئيس الحبيب بورقيبة أمام محكمة العدل الدولية في لاهي بسبب خلافات حول آبار نفط في حدودهما البحرية وبالقرب من ” الجرف القاري ” .

فهل تكون الحقول الحدودية المشتركة والمناطق التجارية الحرة فرصة لبناء جسور التعاون أم ” لغما ” لاشعال فتيل حروب جديدة في المنطقة ؟

ماهي أهم حقول النفط والغاز في ليبيا ؟

ليبيا عضو في منظمة الدول المصدرة للنفط يقدر انتاجها من النفط بحوالي مليون و200 الف برميل يوميا ، لكن احتياطها من النفط عملاق ويقدر بأكثر من عشرين مليار برميل من النفط وبأكثر من عشرين مليار مترمكعب من الغاز مكعب أغلبها شرق البلاد وفي الصحاري الجنوبية.

ويقدر استهلاك ال6 ملايين مواطن ليبي ب 270 ألف برميل يوميا فقط.
ويصدر أكثر من 80 بالمائة من النفط الخام الليبية إلى أوروبا، وخاصة إلى بلدان الاتحاد الاوربي وخاصة ايطاليا والمانيا .
وتكشف خارطة حقول النفط والغاز الليبية أن أكثر من ثلثيها شرقي البلاد وأن الثلث فقط منتشرة غربا ، خلافا للكثافة السكانية إذ يقدر سكان العاصمة طرابلس ومدن الغرب بحوالي 80 بالمائة .

وتقع أغلب الحقول النفطية بالقرب من خليج سرت ، 500 كلم شرقي العاصمة طرابلس ، وسط البلاد وموطن حاكم ليبيا السابق معمر القذافي .

وتقدر بعض الدراسات أن 80 بالمائة من الاحتياط النفطي الليبي يتمركز في جهة خليج سرت ، وفي حوض جهة غدامس على الحدود الليبية التونسية الجزائرية، أو في حوض برقة شرقا بالقرب من الحدود المصرية ،وفي حقل ” الشرارة “في صحراء مرزوق في الجنوب الغربية و في اقليم فزان وعاصمتعه سبها جنوبا. غير بعيدا عن الحدود الليبية مع بلدان افريقيا جنوب الصحراء.
ويتمركز حوالي ثلثي الحقول النفطية في منطقتي الوسط والشرق وفي الجنوب ، أي في الجهات التي سيطرت عليها قوات الجنرال خيلفة حفتر بعد اندلاع معارك 2014 ، وتقابلها على البحر الابيض المتوسط شرقا موانئ خليج سرت ومدن طبرق وبنغازي والبيضاء والبريقية ورأس الأنوف ، وتقابلها غربا “العاصمة الاقتصادية والصناعية الثانية للبلاد مصراطة .

أما بالنسبة للمدن الليبية من حيث الأهمية النفطية فهي على النحو التالي:
ـ البريقة: وهي اهم منطقة تصدير نفط في ليبيا
ـ طبرق: وهي ميناء نفطي ومقر البرلمان الانتقالي وحكومة الشرق
ـ الزاوية: مدينة صناعية كبرى ، 50 كلم غربي العاصمة طرابلس ،بها أكبر معمل تكرير للنفط في ليبيا، وبجوارها توجد قرية صغيرة شهيرة اسمها «ميليت»، وتعتبر منطقة تجمع وميناء للغاز الطبيعي
ـ رأس لانوف: وفيها المعامل الكبرى للصناعات النفطية في ليبيا، وتعد أيضا ميناء كبيرا للتصدير وسبق للقذافي أن نظم فيها القمة الدورية لقادة الاتحاد المغاربي في 1991.

مؤتمر الحوار السياسي الليبي في تونس:

لعبة مصالح دولية وخلط جديد للأوراق..

· وقف الحرب ينقذ اقتصاد تونس وجيران ليبيا من الانهيار

تونس كمال بن يونس

انطلقت في تونس الاجتماعات الأمنية والسياسية التونسية الليبية رفيعة المستوى تمهيدا لتنظيم “مؤتمر الحوار السياسي الليبي الأول” الذي سينظم في العاصمة التونسية ، فيما أعلنت موفدة الأمم المتحدة بالنيابة ستيفاني ويليامز نجاح اجتماعات جنيف بين كبار القادة العسكريين الليبيين ضمن ما عرف بمجموعة 5+5 في تحقيق اتفاق هدنة أمنية شاملة غير مسبوقة.

هذا المؤتمر الأممي الليبي فتح آفاقا للتسوية السياسية الشاملة والانتعاش الاقتصادي في دور دول الجوار اللببي ، لكنه كشف في نفس الوقت عن صراعات جديدة بين الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الأزمة الليبية .

وفي الوقت الذي تحركت فيه السلطات في تونس والجزائر والمغرب ومصر دعما ” للتسوية السياسية ” التي يمكن أن تخدم مصالحها الاقتصادية على المدى القصير والبعيد ، تعاقبت تحركات العواصم الغربية لمحاولة التأثير في مقررات هذا المؤتمر الذي سوف يحدد مصير بلد تقدر احتياطه من النفط بأكثر من 20 مليار البراميل ومن الغاز بعشرات تريليونات من الامتار المكعبة .

فهل يسفر مؤتمر تونس عن الحوار الليبي عن نتائج ملموسة بما يخدم الاستقرار الأمني والمصالح الاقتصادية في ليبيا والدول المجاورة لها وخاصة في البلدان التي انهار اقتصادها بشكل بعد أزمة كورونا مثل تونس أم يحصل العكس؟

وهل يساهم الانفراج الأمني والسياسي في ليبيا في إنقاذ دول جوارها من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ؟

تكشف تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين والأوربيين عن ليبيا بعد زيارات قاموا بها إلى تونس والجزائر والرباط وطرابلس والقاهرة والخرطوم وجنيف عن وجود ” إرادة سياسية لإيقاف الحرب المدمرة التي تعصف بليبيا منذ حرب الإطاحة بحكم معمر القذافي في 2011 “حسب تصريح أدلى به للشرق الأوسط الديبلوماسي التونسي السابق في ليبيا والخبير لدى الاتحاد الأوربي البشير الجويني .

لكن الجويني استطرد وحذر من ” المبالغة في التفاؤل ومن تجاهل لعبة المصالح المحلية والعربية والدولية في ليبيا ومن تعمق الخلاف حولها بين فرنسا وايطاليا والمانيا وبريطانيا وامريكا وروسيا وتركيا ..” .

وذكر الدبلوماسي التونسي بكون القمة العربية التي عقدت بتونس مطلع شهر ابريل 2019 بحضور الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش دعمت ” المؤتمر الوطني الجامع ” الذي كان مقررا عقده جنوبي ليبيا يوم 19 من نفس الشهر ، لكن الأوضاع العسكرية انفجرت بعد أيام من مغادرة القادة العرب وأمين عام الامم المتحدة تونس . وكانت الحرب الشاملة في العاصمة طرابلس وأغلب مدن الغرب الليبي .

ولم يستبعد الإعلامي التونسي الخبير في الشؤون الليبية علي اللافي في تصريح للشرق الأوسط أن تضرم بعض اللوبيات مجددا ” فتيل الحرب والاقتتال بالقرب من حقول انتاج النفط وموانئ تصديرها ، وهم ما يعني إجهاض أحلام الشعب الليبي وشعوب دول الجوار التي لديها مصالح كبيرة في ليبيا وتطمع في أن تفوز بجانب من صفقات إعادة البناء ومن فرص إنعاش الحركة التجارية والسياحية معها . ”

وأشار اللافي إلى كون ليبيا كانت توظف قبل حرب الإطاحة بالقذافي في 2011 حوالي مليوني عامل عربي نصفهم من مصر ونصفهم الثاني من تونس وبقية دول الجوار.

كما أورد السفير الليبي السابق بتونس احمد النقاصة أن ليبيا كانت الشريك الاقتصادي الأول لتونس قبل ثورات 2011 وأن المبادلات الرسمية وغير الرسمية معها كانت توفر مورد الرزق الأول لملايين التونسيين خاصة في محافظات الوسط والجنوب .

فرصة للمصانع وللتجار

كما يعتبر عدد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين أن ” الاتفاق السياسي الليبي ، تتويجا لمحادثات تونس وسويسرا وألمانيا والمغرب ومصر ، يمكن أن يكون فرصة لإعادة الحياة للمبادلات التجارية ولاتفاقيات التصدير السابقة بين مئات المصانع التونسية والجزائرية والمصرية مع المؤسسات الليبية ومع بقية الأسواق الإفريقية في دول جنوبي الصحراء “، على حد تعبير محسن حسن وزير التجارة التونسي السابق في تصريح للشرق الأوسط .

وأورد محسن حسن أن تطبيع الأوضاع في ليبيا قد يساعد تونس على تحقيق نسبة نمو سنوية في الناتج الخام لا تقل عن نقطة كاملة ، ويمكن أن يساعد السلطات والأطراف الاقتصادية على تخفيف المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة في البلاد .

وأورد محمد المسيليني وزير التجارة السابق والقيادي في حزب الشعب القومي العربي أن عشرات الآلاف من صغار التجار والمستثمرين التونسيين يعتمدون على شراكتهم مع ليبيا.

لكن المسيليني أعرب عن تخوفاته من تعثر مسار المصالحة والتسوية السلمية في ليبيا بعد تعاقب حالات غلق المعبرين الحدوديين بين تونس وليبيا في مستوى ” رأس الجدير” و ” الذهيبة – وازن” ، بسبب خلافات بين كبار المهربين وقادة بعض المجموعات العسكرية الليبية والاضطرابات الاجتماعية في الجهات الحدودية من الجانب التونسي .

السودان ودول جنوبي الصحراء

في نفس السياق أورد حكيم بن حمودة الخبير الاقتصادي لدى الصناديق الإفريقية والدولية والوزير التونسي السابق للاقتصاد والمالية في تصريح للشرق الأوسط أن ” الدراسات التي أجرتها مؤسسات الاتحاد الإفريقي تؤكد أن دول الجوار الليبي ، وخاصة تونس والسودان ومصر، تأثرت اقتصاديا سلبا بالحرب الطويلة التي تشهدها ليبيا من 2011.

وتوقع بن حمودة أن تنتعش اقتصاديات هذه الدول والقطاع الخاص فيها في صورة نجاح مسار الانفراج السياسي والأمني في ليبيا بعد المؤتمر الأممي في تونس ” .

هذا الاستنتاج قدمه أيضا الخبير الليبي في الدراسات الجيو استراتيجيه مصطفى الساقزلي الذي أعرب في تصريح للشرق الأوسط عن ” تخوفات من أن تعطل صراعات النفوذ وأجندات بعض اللوبيات المحلية والعربية والدولية مسار التسوية السياسية للازمة الليبية.

تفاؤل وحذر

ونوه الدبلوماسي سعيد بحيرة الكاتب العام السابق لوزارة الخارجية وممثل تونس في الاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة ب” الصبغة الإستراتيجية للشراكة بين ليبيا وجيرانها وخاصة مع تونس ومصر والجزائر والمغرب .”

وذكر بالمبادرات السياسية التي سبق أن صدرت خلال الأعوام الماضية في تونس ، من بينها المبادرة الثلاثية التونسية الجزائرية المصرية ومبادرة ” دول الجوار الليبي” وأدت إلى عقد عشرات المؤتمرات والاجتماعات عن ليبيا في تونس ومصر والدول المغاربية .

كما نوه سعيد بحيرة بإعادة تعيين سفير لتونس في طرابلس بعد سنوات من الغياب . ونوه بخصال السفير التونسي الجديد الاسعد العجيلي الذي كان مكلفا بملف العلاقات مع ليبيا في الخارجية التونسية وسبق له أن تابعه عن قرب عندما كان سفير لتونس في القاهرة .

لكن بحيرة حذر من ” الإفراط في التفاؤل بسيناريو تحسن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس في علاقة بالانفراج السياسي والأمني والعسكري في ليبيا ” واعتبر أن ” العظمى التي تتحكم في المتغيرات الإقليمية والحروب بالوكالة التي تشهدها المنطقة قد لا تسمح لبعض الدول العربية مثل تونس ب”أن تلعب دورا يتجاوز حجمها ” في ليبيا خاصة عند إبرام صفقات إعادة الإعمار.

خلافات فرنسا وايطاليا وتركيا

في الأثناء حذر عدد من الخبراء العسكريين والاقتصاديين التونسيين مثل الجنرال محمد المؤدب المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق من ” سيناريو انحياز تونس إلى أحد أطراف النزاع الليبي أو إلى إحدى الدول التي ثبت تدخلها المباشر في الحرب الليبية عسكريا وماديا ومن بينها تركيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة وايطاليا وبعض الدول العربية “.

وناشد الجنرال محمد المؤدب في تصريح للشرق الأوسط المسؤولين التونسيين والقيادات العربية ” التزام الحياد التام مستقبلا في النزاع الليبي خدمة لمصالحهم ودعما لجهود صناع القرار في ليبيا من أجل وقف الحرب والانتصار على كل الميليشيات المسلحة المحلية والأجنبية”.

لكن بالرغم من “التصريحات المتفائلة بالتسوية السياسية ” الصادرة عن الموفدة الأممية ستيفاني وليامز وعن السفير الامريكي في ليبيا ريتشار نورلاند بعد زياراته إلى كل من باريس والقاهرة وأنقرة، فإن بعض المراقبين يتعاملون بحذر مع تصريحات قيادات دول أخرى فاعلة في ليبيا بينها فرنسا وروسيا وايطاليا وتركيا.

فقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي لورديان عن مبادرة فرنسية جديدة لإعادة تجميع قيادات من كل دول الجوار الليبي بما فيها السودان والتشاد والنيجر.

والسؤال الذي يطرح هنا : هل يتعلق الأمر بمجهود تكميلي لمسار الحوار السياسي الأممي الذي ينظم في تونس وأعلنت عنه الديبلوماسية الامريكية ستيافني ولييامز بعد مشاورات مع الرئيس التونسي قيس سعيد في قصر قرطاج أم بمسار بديل ومشروع مواز ؟

وهل سوف تقدم المبادرة الفرنسية ” مشروعا جديدا للتسوية ” تحسبا لفشل مؤتمر تونس ، أم تكون مجرد تحرك للضغط وضمان مصالح باريس والشركات الفرنسية في ليبيا في مرحلة إعادة الإعمار ؟

وهل لن يشوش تحرك باريس بقوة عشية انطلاق اجتماعات تونس عن ليبيا على التحركات التي قام بها مؤخرا في المنطقة وزيرا الخارجية الامريكي والدفاع الأمركيين مايك بومبيو ومارك اسبر والقائد العام لقوات أفريكوم الجنرال ستيفان تاونساند والسفير الامريكي في ليبيا رتشارد نورلاند ؟

الخبير التونسي في العلاقات الامريكية العربية المنذر بن عياد لم يستبعد ، في تصريح للشرق الأوسط ، أن تسعى بعض العواصم الإقليمية والاوربية إلى ” تمديد الازمة ” والى ” تأجيل موعد الاتفاق السياسي الليبي -الليبي” إلى مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية .

كما لم يستبعد ” تأجيل” التسوية السياسية في ليبيا إلى ما بعد تحقيق توافقات واضحة في بقية ” بؤر التوتر والنزاعات الإقليمية ” وبينها الخلافات الأمريكية الروسية والتركية اليونانية والفرنسية والإسرائيلية حول مستقبل شرق المتوسط و توزيع حقول الغاز والنفط التي اكتشفت فيه..

كل السيناريوهات ورادة ..لأن المعركة تهم بلدا عضوا في منظمة الدول المصدرة للنفط عدد سكانه 6 ملايين نسمة ..وتقدر بعض الدراسات أن أكثر من ثلاثة أرباع ثرواته الباطنية لم يقع الكشف عنها بعد أو لم يبدأ استغلالها ..

“حقول النفط المشتركة”

في الأثناء يتطلع خبراء ومسؤولون سياسيون في تونس والجزائر ومصر وبقية دول الجوار الليبي إلى أن يؤدي الانفراج السياسي والأمني في ليبيا إلى اعادة تفعيل مشاريع شراكة اقتصادية عملاقة بين ليبيا وجيرانها بما في ذلك في قطاع المحروقات والغاز الصخري أو ما يسمى ب”غاز الشيست “.

وقد أثبتت الدراسات المشتركة قبل ثورات 2011 أن حدود ليبيا مع جيرانها وخاصة مع مصر شرقا و مع تونس والجزائر غربا غنية جدا بحقول المحروقات غير المستغلة وب” صحاري تزخر بالغاز الصخري الذي قد يجعل من ليبيا خامس دولة منتجة له في العالم” .

وقد سبق أن اتفقت القيادة الليبية في عهد معمر القذافي مرارا مع نظيراتها في تونس والجزائر ومصر على الاستغلال المشترك لبعض الثروات الباطنية برا وبحرا من بينها حقل ” البوري” في السواحل التونسية الليبية .

كما اتفقت على إقامة “مناطق اقتصادية حرة مشتركة ” في المحافظات الحدودية تركز فيها مصانع ومؤسسات تجارية وزراعية وتنموية .

ورغم تعثر تنفيذ بعض القرارات السابقة فإن اقتصاديات كثير من المدن في الجنوب التونسي مثل تطاوين وبن قردان ومدنين وجربة وقابس وصفاقس تعتمد على المبادلات مع ليبيا أصبحت تحتضن “أسواقا مشتركة “عملاقة يؤمها سنويا ملايين الجزائريين والسياح الاوربيين والمواطنين.

وقد ناقشت سلطات تونس والجزائر وليبيا قبل 2011 الاستغلال المشترك للمحروقات في ” غدامس” الذي يمتد في مساحات شاسعة حسب الدراسات الجيولوجية في الصحراء التي تربط بين البلدان الثلاثة .

وسبق لشركات نفط وغاز عربية وأوربية وأمريكية أن دخلت في سباق للفوز بصفقات التنقيب والإنتاج في ” المثلث الحدودي الليبي التونسي الجزائري في غدامس “، لكن كل تلك الصفقات تعثرت وتسببت في خلافات مع القذافي ومستشاريه، واجهضت بعد سقوطه.

وسبق لمؤسسة النفط والغاز العملاقة في الجزائر ، صوناتراك ، أن أبرمت اتفاقات مع الجانب الليبي قبل 2011 بهدف أن يستغل البلدان معا ثروات حقلي ” الوفاء ” الليبي و” الرار” الجزائري ..

لكن الاضطرابات الأمنية وإغلاق حقل الوفاء الليبي بعد 2011 أثر سلبا علي قدرات الانتاج حقل ” الرار” في محافظة “ايليزي”..

وسبق لليبيا وتونس والجزائر و مصر أن دخلت منذ 40 عاما في نزاعات حول بعض حقول النفط والغاز الموجودة بالقرب من الحدود البرية أو في عرض البحر . وبلغ الأمر حد التلويح بالحرب مرارا بين ليبيا وكل من مصر وتونس .

كما لجأت الحكومتان التونسية والليبية إلى التقاضي في آخر عهد الرئيس الحبيب بورقيبة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بسبب خلافات حول آبار نفط في حدودهما البحرية وبالقرب من ” الجرف القاري ” .

فهل تكون الحقول الحدودية المشتركة والمناطق التجارية الحرة فرصة لبناء جسور التعاون أم ” لغما ” لاشعال فتيل حروب جديدة في المنطقة ؟

ماهي أهم حقول النفط والغاز في ليبيا ؟

ليبيا عضو في منظمة الدول المصدرة للنفط يقدر انتاجها من النفط بحوالي مليون و200 الف برميل يوميا ، لكن احتياطها من النفط عملاق ويقدر بأكثر من عشرين مليار برميل من النفط وبأكثر من عشرين مليار مترمكعب من الغاز مكعب أغلبها شرق البلاد وفي الصحاري الجنوبية.

ويقدر استهلاك ال6 ملايين مواطن ليبي ب 270 ألف برميل يوميا فقط.
ويصدر أكثر من 80 بالمائة من النفط الخام الليبية إلى أوروبا، وخاصة إلى بلدان الاتحاد الاوربي وخاصة ايطاليا والمانيا .
وتكشف خارطة حقول النفط والغاز الليبية أن أكثر من ثلثيها شرقي البلاد وأن الثلث فقط منتشرة غربا ، خلافا للكثافة السكانية إذ يقدر سكان العاصمة طرابلس ومدن الغرب بحوالي 80 بالمائة .

وتقع أغلب الحقول النفطية بالقرب من خليج سرت ، 500 كلم شرقي العاصمة طرابلس ، وسط البلاد وموطن حاكم ليبيا السابق معمر القذافي .

وتقدر بعض الدراسات أن 80 بالمائة من الاحتياط النفطي الليبي يتمركز في جهة خليج سرت ، وفي حوض جهة غدامس على الحدود الليبية التونسية الجزائرية، أو في حوض برقة شرقا بالقرب من الحدود المصرية ،وفي حقل ” الشرارة “في صحراء مرزوق في الجنوب الغربي و في اقليم فزان وعاصمتعه سبها جنوبا. غير بعيدا عن الحدود الليبية مع بلدان افريقيا جنوب الصحراء.
ويتمركز حوالي ثلثي الحقول النفطية في منطقتي الوسط والشرق وفي الجنوب ، أي في الجهات التي سيطرت عليها قوات الجنرال خيلفة حفتر بعد اندلاع معارك 2014 ، وتقابلها على البحر الابيض المتوسط شرقا موانئ خليج سرت ومدن طبرق وبنغازي والبيضاء والبريقية ورأس الأنوف ، وتقابلها غربا “العاصمة الاقتصادية والصناعية الثانية للبلاد مصراطة .

أما بالنسبة للمدن الليبية من حيث الأهمية النفطية فهي على النحو التالي:
ـ البريقة: وهي اهم منطقة تصدير نفط في ليبيا
ـ طبرق: وهي ميناء نفطي ومقر البرلمان الانتقالي وحكومة الشرق
ـ الزاوية: مدينة صناعية كبرى ، 50 كلم غربي العاصمة طرابلس ،بها أكبر معمل تكرير للنفط في ليبيا، وبجوارها توجد قرية صغيرة شهيرة اسمها «ميليت»، وتعتبر منطقة تجمع وميناء للغاز الطبيعي
ـ رأس لانوف: وفيها المعامل الكبرى للصناعات النفطية في ليبيا، وتعد أيضا ميناء كبيرا للتصدير وسبق للقذافي أن نظم فيها القمة الدورية لقادة الاتحاد المغاربي في 1991.

بعد زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى تونس: “خارطة طريق” عسكرية تونسية أمريكية .. بقلم كمال بن يونس

تونس في حلف مع واشنطن “ضد الخطر الروسي والصيني”؟

 

بعد 5 أعوام عن زيارة الرئيس الباجي قايد السبسي الى واشنطن وتوقيع البلدين اتفاقية تمنح تونس وضعية ” الشريك المميز في الحلف الأطلسي “..

– وبعد 6 اشهر فقط عن الاستعراض الجوي العسكري الذي نظمه البنتاغون في مطار جزيرة جربة السياحية بحضور الرئيس قيس سعيد وقيادة الاركان التونسية تحت عنوان “الاستعراض الجوي الدولي”، وقع وزير الدفاع الأمريكي الجديد مارك اسبر مع نظيره التونسي الدكتور ابراهيم البرتاجي معاهدة عسكرية تمتد لمدة 10 اعوام حول” التعاون العسكري بين الولايات المتحدة الأمريكية وتونس”.

منعرج جديد؟

– لم تكشف المصادر الرسمية بعد عن تفاصيل هذا الاتفاق العسكري الامني الاستراتيجي ، “بحكم الصبغة السرية لبعض بنود مثل هذه الاتفاقيات الدولية “، لكن تردد على هامش المحادثات العسكرية والامنية التونسية الامريكية ان الاتفاق الجديد وضع أسس” خارطة طريق جديدة” للشراكة العسكرية والامنية” بين البنتاغون والمؤسسة العسكرية التونسية .

وبكل المقاييس تعتبر نتائج زيارة وزير الدفاع الامريكي ومرافقيه إلى تونس حدثا مميزا ، بالنسبة لتونس التي تعتبر ” الشريك العسكري الاول لواشنطن في المنطقة في صورة احتساب عدد العسكريين والمدنيين الذين شاركوا منذ 2011 في دورات تدريب مع البنتاغون والمؤسسات الراجعة اليه بالنظر”.

كما تكتسي الزيارة أهميتها بحكم تلازم التحركات الامريكية في ليبيا والمنطقة بالتنسيق الامني والعسكري التونسي الامريكي تحت يافطات عديدة من بينها ” حماية الحدود البرية والموانئ البحرية والجوية ومكافحة الارهاب في الدول المغاربية ودول الساحل والصحراء الافريقية..”الخ

زيارات قائد افريكوم

وقد تم التمهيد لهذا الاتفاق الحدث بجلسات عمل ومشاورات شارك فيها القايد العام لقيادة القوات الأمريكية في أفريقيا – افريكوم – الجنرال ستيفن تونساند.

وكان تونساند ومساعدوه أدوا خلال الثلاثية الماضية زيارات عمل مكثفة إلى تونس وليبيا والى الجزائر..وعقدوا جلسات عمل مع الرئيسين قيس سعيد وعبد المجيد تبون ومع العاهل المغربي ومع رئيس حكومة طرابلس فايز السراج ومع وزراء الدفاع وقادة الاركان في الدول المغاربية ومع القيادات العسكرية الليبية.

وقد تعاقبت خلال الأشهر الثلاثة الماضية زيارات وزير الخارجية الجزائري الصبري بوقادوم إلى تونس وبعض دول المنطقة ، بما يعني أن المشاورات شملت مشاريع ” خارطة الطريق للشراكة العسكرية الامريكية الشمال افريقية ” بمناسبة جولة وزير الدفاع الامريكي ووفد من البنتاغون إلى العواصم المغاربية .

استبعاد روسيا والصين ؟

في انتظار كشف تفاصيل ” فحوى المعاهدة التونسية الامريكية الجديدة خلال الاعوام العشرة القادمة ” ، بما في ذلك فيما يتعلق بمستجدات ملف ليبيا ، فإن من بين ما شد انتباه المراقبين تزامنها مع تصريحات وزير الدفاع الامريكي في تونس التي تحدث فيها عما وصفه “المخاطر الصينية والروسية “.

واعتبر مارك اسبر في تصريحاته بتونس أن سياسات موسوك وبيكين “تهدد افريقيا ودول صديقة للولايات المتحدة في العالم وفي ليبيا ودول المنطقة.

وقد استبقت الناطقة باسم البنتاغون زيارة وزير الدفاع مارك اسبر إلى تونس والجزائر والمغرب بتصريحات مماثلة حذرت فيها من تصاعد الدور الصيني والروسي في ليبيا وافريقيا والمنطقة .

فهل يتعلق الامر باستبعاد دور موسكو وبيكين من مشاريع التسوية السياسية وبرامج اعادة الاعمار في ليبيا ؟

أم أن واشنطن تريد بوضوح اضعاف دور الصين وروسيا في الدول الافريقية عموما والدول المغاربية خاصة ؟

وهل سوف توافق الجزائر والمغرب ، التي تضاعفت قيمة الاستثمارات الصينية والروسية فيها خلال العقدين الماضيين ، على تصريحات وزير الدفاع الامريكي أم سوف تتمادي في اتباع نفس السياسة الخارجية ..في انتظار نتائج الانتخابات الامريكية ؟

2800 عسكري أمريكي

يذكر أنه وفي مبادرة غير مسبوقة اختار البنتاغون والسفارة الامريكية بتونس موقعا رمزيا للنشاط الرسمي للوزير مارك اسبر ومرافقيه العسكريين والامنيين والسياسيين :مقبرة قرطاج التاريخية .

هذه المقبرة استضافت الصحفيين والسياسيين والعسكريين واختارها البنتاغون لاعلان خطوط سياسته الجديدة عالميا وفي المنطقة مستحضرا مشاركة القوات الامريكية والفرنسية والشمال افريقية مع قوات” الحلفاء ” في الحرب العالمية الثانية ..

مقبرة قرطاج رمز اختاره البنتاغون للاعلان عن ” خارطة طريق عسكرية جديدة تمتد 10 أعوام ” ..لأنها المقبرة التي دفن فيها حوالي 2800 جندي وجندية امريكان قاتلوا القوات النازية و” المحور” في شمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية .

ويبلغ عدد القبور في هذه المقبرة العسكرية الامريكية الرمزية 3700 بينهم عسكريون من جنسيات مختلفة قاتلوا مع قوات ” الحلفاء” ضد القوات الالماتية ضمن ما عرف ب” حملة شمال إفريقيا” .

الوزير الامريكي تعمد عند حديثه عن مستقبل التعاون العسكري مع تونس والبلدان المغاربية أن يستحضر الدور الحاسم الذي لعبته معارك تونس وشمال افريقيا في تحقيق انتصار امريكي فرنسي بريطاني على قوات المانيا النازية في 1943..رغم تفوقها وقتها في اوربا واحتلالها لفرنسا ..

ذكر الوزيركارك استر بأن القتال اندلع في 1942 في شمال إفريقيا عندما حاولت دول “المحور” بزعامة ألمانيا قطع الإمدادات وخطوط الاتصال عن الحلفاء في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وأدرك الرئيس روزفلت التهديد الذي تمثله سيطرة دول المحور على المنطقة، فأطلق عملية “تورش” في العام 1942، والتي مثلت أول دخول رئيسي للقوات الأمريكية في مسرح القتال وأكبر حملة أمريكية في القارة الافريقية .ومهد الانتصار في تونس وشمال افريقيا من تغيير ميزان القوى وسير الاحداث عالميا ضد القوات الالمانية و” المحور”..

هل ستقتنع قيادات المنطقة والعالم ب” التبرير الايديولوجي والتاريخي ” الذي قدمه سيد البنتاغون الجديد لمشروعه عن تطوير الشراكة الجيو استراتيجيه مع تونس ودول افريقيا ” ردا على الخطر الصيني والروسي”؟

وهل سوف تقدم واشنطن دعما ماديا حقيقيا لتونس والدول المغاربية والافريقية بهدف حثها على ” الانخراط في خارطة الطريق الجديدة “؟

قد يأتي الجواب بعد الانتخابات الرئاسية الامريكية المقررة لشهر نوفمبر القادم ..

وسيكون في كل الحالات رهين تفاعل العواصم الاوربية وخاصة باريس وبروكسيل ولندن وبرلين مع المشاريع الامريكية الجديدة في المنطقة ..

رياض الشعيبي المستشار السياسي الجديد للغنوشي: لهذه الأسباب عدت إلى حركة النهضة

· الديمقراطية التونسية ستنتصر

· اوضاع العالم والعرب سوف تتحسن بعد ترامب
الاستاذ رياض الشعيبي المستشار السياسي الجديد الغنوشي كاتب وباحث جامعي تونسي في مؤسسة ” مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية – سيريس ” التابعة للجامعة التونسية ، عرفه كثيرون باحثا في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وفي الفلسفة ، أو عبر أطروحته عن ” تاريخ الافكار، القراءة الليبيرالية لتاريخ الفكر الاقتصادي والاجتماعي”.

كما عرف رياض الشعيبي سياسيا قياديا في حركة النهضة ما بين موفى الثمانينات من القرن الماضي و2013 تاريخ انسحابه منها وتأسيسه ” حزب البناء الوطني” الذي قرر مؤسسوه حله عشية انتخابات 2019 ودخلوا في مفاوضات مع رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي من أجل إعادة الالتحاق مجددا ب” الحركة الأم”.

الصحفي والكاتب كمال بن يونس التقى الاستاذ رياض الشعيبي وأجرى معه الحوار التالي لموقع عربي 21 حول مبررات عودته للنهضة في مرحلة كثرت فيها الانتقادات لقيادتها ، وسط أبناء عن عودة عدد من كوادرها القدامي بينهم حمادي الجبالي الامين العام السابق وأول رئيس حكومة تونسية بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 :

· السؤال الذي يفرض نفسه منذ أن نشرت بلاغا عن عودتك الى النهضة ونشرت قيادتها في صفحتها الرسمية بلاغا يرحب بهذه العودة : لماذا هذا القرار؟ ولماذا الآن بالذات ؟

· الحوار انطلق بيني وبين الاستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة منذ سنة ونصف..

كان مقررا أول الامر اندماج كوادر حزب البناء داخل النهضة ، وقد توصلنا إلى اتفاقات اولوية..

لكن الخطوة تعثرت وقتها بسبب ظروف موضوعية وظروف داخلية في حركة النهضة ..

عدنا إلى الحوار بدعوة من الاستاذ راشد الغنوشي في الربيع الماضي ..ثم قرر كوادر “حزب البناء الديمقراطي ” حل الحزب في صائفة 2019 عشية الانتخابات الرئاسية والتشريعية .

اصبح انضمام عشرات من كوادر حزب البناء السابقين ورئيس الحزب شخصيا الى النهضة قرارا فرديا ..

بعد حواراتنا توجه الاستاذ راشد في يونيو / حزيران عبر قناة تلفزية تونسية ( قناة نسمة ) بنداء علني إلى كل مناضلي حركة النهضة السابقين بالعودة الى العمل في صفوفها ..وهذا ما شجعني على متابعة سلسلة اجتماعات اسبوعية تقريبا مع الاستاذ راشد شملت قضايا فكرية وسياسية ..وكانت الحصيلة بيان حركة النهضة الذي اعلن عن عودتي وبلاغا اعلنت فيه عن قراري ، الذي يبرره حرصي على المساهمة في خدمة قضايا بلدي عبر حزب مؤثر انتميت اليه طويلا ، رغم بعض الخلافات التي تسببت في ابتعادي عنه حوالي 7 أعوام ..

الوضعية في البلاد وداخل النهضة تغيرت ..واعتقد أن فرص البناء والمساهمة في الإصلاح من داخل حزب مثل النهضة أفضل بكثير من الاستقلالية أو المراهنة على أحزاب صغيرة تأسست بعد الثورة وثبت أن دورها محدود جدا ..

عودة الى “بيت الطاعة “؟

· هل هي موجة عودة عدد من القياديين السابقين في حركة النهضة إلى ” بيت الطاعة “..بعد تجارب حزبية وسياسية خارجها على غرار ما حصل سابقا مع قيادة حزب الاصلاح والتنمية بزعامة محمد القوماني وبعض رفاقه ..وما يتردد عن عودة مرتقبة للامين العام السابق حمادي الجبالي ؟

+ بالنسبة للاستاذ حمادي الجبالي الامين العام السابق الذي عملنا معه في مواقع مختلفة قبل انسحابه أعتقد أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي والسيد حمادي الجبالي شخصيا هما الأجدر بتوضيح هذه المسألة والاجابة عن تساؤلكم..

بالنسبة للصديق محمد القوماني ورفاقه في حزب الاصلاح والتنمية اعتقد أن الوضعية تختلف ، لأن أغلبهم خاض تجارب سياسية وحزبية كثيرة من بينها داخل الحزب الديمقراطي التقدمي مع السيد أحمد نجيب الشابي والمرحومة مية الجريبي ..الخ

كما خاض القوماني تجربة تأسيس حزب الاصلاح والتنمية مع نخبة من المناضلين السياسيين وشاركوا في الانتخابات باسم هذا الحزب ، وقد جمعتنا بعد 2013 مبادرات سياسية شارك في بعضها زعماء حزب المؤتمر من اجل الجمهورية التاريخي والاحزاب التي خرجت من رحمه ، مثل المنصف المرزوقي و محمد عبو وعبد الرؤوف العيادي ..

لكن القوماني التحق بالنهضة منذ 2017 مع بلقاسم حسن القيادي السابق في عدة احزاب قومية عربية ويسارية معتدلة ..وأعتقد ان مساره مختلف عن مساري لأني كنت قياديا في حركة الاتجاه الاسلامي ثم في حزب النهضة منذ حوالي 30 عاما ..ولم اغب عنها الا 7 أعوام ..

وفي كل الحالات فإن انفتاح قيادة النهضة على الخبرات والنخب من بين مناضليها السابقين أو من الأحزاب الاخرى مؤشر ايجابي ..

التخوفات من ” المنظومة القديمة “؟

+ السؤال الذي يفرض نفسه مجددا : لماذا نقدتم مع المنصف المرزوقي وأخرين المسار السياسي لحركة النهضة في 2013 وبعد انتخابات 2014 بعد مصالحتها مع الباجي قائد السبسي و حزب النداء ولماذا عدتم اليوم إلى صفوفها ؟

++ كانت لدينا تجارب في 2013 وبمناسية انتخابات 2014 مع رموز حزب المؤتمر السابقين مثل المصنف المرزوقي ورؤوف العيادي ومحمد عبو ..

كانت لدينا تخوفات من عودة المنظومة القديمة للحكم ومن هيمنة رموز نظام زين العابدين بن علي على البلاد بسبب تحالف النهضة مع الباجي قائد السبسي وحزبه ..لذلك دعمنا بقوة ترشيح المنصف المرزوقي في انتخابات 2014..

كما شاركنا بعد ذلك في تحركات ” المعارضة الراديكالية ” ونظمنا وقفات وتحركات احتجاجية مثل ” وين البترول “..الخ

لكننا منذ 2017 حسمنا موقفنا بعدم إعادة ترشيح المنصف المرزوقي وبالسير في اتجاه ” الواقعية “.

قيادة حزب “التيار الديمقراطي” نفسها اخذت مبكرا مسافة من المنصف المرزوقي ومن ” الحراك ” وبعض المقربين منه ..ونحن تميزنا عنهم جميعا وسرنا في اتجاه اكثر واقعية وبراغماتية وعقلانية وابتعدنا عن الأحزاب التي كنا نصفها ب” الثورية ” ..

* لماذا ؟

++ تجربة العمل المشترك مع اصدقائنا في الاحزاب” الثورية ” تمثلت أساسا في سلسلة من الاجتماعات الدورية ..

لكننا توجناها برسالة في موفى 2014 بعثنا بها الى السادة المنصف المرزوقي زعيم ” الحراك ” ورؤوف العيادي زعيم حزب ” الوفاء” ومحمد عبو زعيم “التيار”…وأعلمناهم بأننا لا يمكن أن نواصل العمل المشترك لاسباب عديدة من بينها أننا اكتشفنا أننا نختلف في ثقافتنا السياسية وليس في بعض المواقف فقط ..

الخلاف مع ” الراديكاليين “؟

· حول ماذا اختلفتم أساسا ؟

++ أعلمناهم أننا نؤمن مثلهم بمقولات الثورة والتغيير..لكننا مع التغيير الحقيقي والعقلاني والاصلاحي ..ولم نكن متحمسين الى الراديكالية التي تصل الى العدمية ..فاعددنا رسالة تؤكد التميزعنهم وعن بعض خياراتهم ومواقفهم ..

* بعد مغادرتكم النهضة كانت لديكم مبادرة مشتركة اخرى مع السادة حمادي الجبالي ولطفي المرايحي ومصطفي بن جعفر و محمد عبوومحمد القوماني قبل التحاقه بالنهضة ..

++ فعلا شاركنا في عدة مبادرات بين أحزاب وشخصيات ..وكان من بين أهدافنا التحضير لانتخابات 2019..لكننا اقتنعنا أن الأسلم إعادة فتح حوار مع قيادة حركة النهضة ..

بعد أعوام

** السؤال الذي يفرض نفسه : لماذا عدت إلى حركة اختلفت مع قيادتها قبل 7 أعوام وانتقدتها في وسائل الاعلام في مرحلة من المراحل؟

++السياق السياسي للبلاد ولحركة النهضة تغير ما بين 2013 و2020.. واعتقد أن الديمقراطية التونسية سوف تنتصر رغم كثير من الثغرات والنقائص والصعوبات ورغم فشل النخب السياسية في تحقيق المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي رفعها شباب ثورة 2010-2011..

الاوضاع تغيرت وطنيا ودوليا..وستتغير لصالح انصار الاصلاح والتغيير بعد الانتخابات الامريكية القادمة ..وخاصة في صورة فشل دونالد ترامب ..

اتضح اليوم ان اغلب التشكيلات الحزبية التي تشكلت بعد الثورة تعثرت ومحدودة التأثير في المشهد السياسي ..وان الكيانات التي صمدت هي تلك التي تاسست قبل الثورة ..

ليس هناك شكل اخر للعمل السياسي غير العمل الحزبي ..مع نقائصه ..

من جهة اخرى نسجل أن البلاد لا تزال لم تحقق الاستقرار السياسي ومازالت في مرحلة بناء ..والاحزاب في مرحلة تشكل ..بما في ذلك النهضة ..

النهضة تعيش انتقالا مهما ..ظاهريا يبدو ساكنا ..

ونعقتد أن الانتقال قي المرحلة القادمة قد يكون اعمق ..ومن المفيد المساهمة قي هذا الانتقال ..وصياغة برامج ..

تجارب حركة النهضة فيها مراكمة رغم نقائصها ..وقد قررنا أن ننخرط في هذا الجهد..

والمجال مفتوح بالنسبة للاخوة في حزب البناء المنحل ولكل المناضلين السابقين في النهضة الذين يريديون الالتحاق بها مجددا مثلما ورد في حوار الاستاذ راشد الغنوشي مع قناة نسمة التلفزية في يونيو / حزيران الماضي ..

قصتي مع النهضة

· لماذا انتصرت لتجربتك مع النهضة على تجارب أخرى ؟.

++ علاقتي بالنهضة قديمة وتعود الى الحركة التلمذية في1984 ثم الى الحركة الطلابية الجامعة 1989

عندما كنت طالب فلسفة في كلية الاداب في القيروان..

وقد حكومت في السنة الثانية في الجامعة وسجنت لمدة عام ونصف ..ثم انتقلت الى شعبة الفلسفة في كلية الاداب والعلوم الانسانية في 9 افريل في العاصمة ..

لكن بعد مدة قصيرة اي في 1995 اثيرت ضدي قضية “إعادة بناء تنظيم النهضة السري” فبقيت في حالة فرار لمدة 3 سنوات فرار ثم اعتقلت وقضيت 3 اعوام سجنا …ضمن قضايا مساجين حركة النهضة .

عدت الى شعبة الفسلفة في 2000 وحصلت الى الاجازة في 2004..

ثم عدنا في 2004-2005 الى إعادة بناء تنظيم حركة النهضة رفقة بعض القياديين مثل الاساتذة صالح بن عبد الله البوغانمي وسمير ديلو وكمال الحجام ونور الدين البحيري ..

وتعزز الفريق بعد الافراج عن قياديين بارزين مثل الاخوة الصحبي عتيق ورضا السعبيدي وحمادي الجبالي وعلي العريض و..ما بين 2005 و2010.

ورغم حصولي على شهادة الماجستير في الفلسفة عام 2007 طردت مجددا من التدريس في معهد الناظور في زغوان في 2010..بسبب تقارير امنية كشفتها لي وزارة التربية في عهد الطيب البكوش بعد الثورة والتي قررت إعادة ادماجي ضمن طاقم اساتذة الفلسفة ..

بعد الثورة مباشرة استانفت التدريس وكنت عضوا في مجلس الشورى الاول الذي كان يضم 19 عضوا واسندت رئاسته الى الصحبي عتيق .

وكنت في الهيئة التأسيسية الاولى لحزب حركة النهضة التي تضم 27 شخصية برئاسة الاخ علي العريض ..كما كنت عضوا في مكتب المجلس الذي يضم 6 شخصيات..كان مكتبنا برئاسة علي العريض يعمل الى جانب المكتب التنفيذي الذي يضم رئيس الحركة والامين العام حمادي الجبالي وقياديين اخرين ..

بعد فترة وجيزة أسسنا ” مكتب الكوادر” الذي انفتح على كل الكوادر التونسية القريبة من حركة النهضة ..وقد اشرفت عليه قم وقع انتخابي رئيسا للجنة التحضيرية للمؤتمر التاسع ( 2012)..وساهمت مع نخبة من الاخوة في انجاح المؤتمر ..

مشاريع الاصلاح ؟

· لكن عودتك اليوم الى حركة النهضة ، وربما إلى قيادتها ، مع قياديين سابقين قد تفسر من قبل المراقبين بكونها ” محاولة لتهميش عريضة المائة قيادي ” الذين أصدروا مؤخرا لائحة مطولة وللعرائض التي صدرت قبل ذلك ووجهت انتقادات الى بعض مستشاري رئيس الحركة و” بعض المتنفذين ” حوله الذين يتهمون بتعطيل خطة الاصلاح التي ناقشها المؤتمران التاسع والعاشرفي 2012 ثم في 2016..

** الخيارات كثيرة أمام حركة النهضة منذ مدة طويلة ..وهناك من يدعم تسييرها بطريقة أقرب الى “النظام الرئاسي”..يما يعني اعطاء صلاحيات واسعة لرئيس الحركة ول”مؤسسة رئاسة الحركة “..

وهذا الخيار كان مقبولا في مرحلة السرية ..

الخيار الثاني الذي ازداد انصاره بعد الثورة اقرب الى “النظام البرلماني والقيادة الجماعية” ..واذا سلمنا أن “رئيس الحركة مؤسسة بذاته ” فإن ..التحدي هو احداث التوازن بين دور مؤسسات المكتب التنفيذي ومجلس الشورى أو برلمان الحركة ..

هذا الحوار ليس جديدا وكان محور نقاش وخلاف داخل المؤتمرين التاسع والعاشر..

هناك وجهات نظر مختلفة ومحترمة ..

وفي كل الحالات فإن رئيس المكتب التنفيذي ورئيس الحركة ليس لديه قرارسيادي داخل المكتب بل تتخذ القرارات بالتشاور..

الان برزت اولويات اخرى طرحتها لوائح داخلية من بينها “لائحة المائة” ..

واعتقد أنه عندما تبرز خلافات فإن كل طرف يمكن ان يقدم حججا ..وقراءات وتاوليات ..من نص ” الوحدة والتجديد” الذي وقعها 14 شخصية في الربيع الماضي ثم وثيقة المائة ..حول ” التداول والتمديد ” ..

في المقابل هناك من يعتبر ان الخلاف حول شخصية رئيس الحركة ثانوي مقارنة بالخلافات حول مستقبل المؤسسات ..واصلاحها واحتمال تكليف مكتب تنفيذي جديد يضم شخصيات اعتبارية بصلاحيات واسعة ..

سيناريو الانقسام ؟

· ما هو رأيكم في وجهة النظر التي تحذر من سيناريو الانقسام والانشقاقات داخل النهضة على غرار ماجرى في بقية الأحزاب التونسية والعربية وخاصة في الأحزاب الايديولوجية؟

++ يمكن تجنب سيناريوهات الانشقاق والتصدع

إذا سلمنا ب3 مبادئ :

– أولا : كل مشاريع الاصلاح يمكن أن تناقش مادام ليس هناك طرف يقول انه ضد الديمقراطية والاحتكام اليها .

– ثانيا : فض المشاكل الداخلية داخل المؤسسات وتجنب الكشف عنها لوسائل الاعلام .. لأن ردود الفعل تكون عكسية من قبل غالبية كوادر الحركة ومناضليها في تلك الحالة ..

– ثالثا : في كل حزب يبقى الحوارالالية المثلى لحل الخلافات ..بعيدا عن كل أشكال المغالبة والتهديد ..

صحيح أن هناك انقسام داخل النهضة حول مستقبل راشد الغنوشي ودور مؤسسات الحركة بعد المؤتمر القادم لكن هذه القضية الخلافية يمكن حسمها عبر الحوار وحلول توافقية بعيدا عن كل صيغ المغالبة ..

صحيح أن البعض داخل “مجموعة المائة” ليس راضيا على تركيبة لجنتي الاعداد المادي والمضموني ..

لكن ” تصدير الخلاف الداخلي ” الى وسائل الاعلام قد يعني ترجيح خيار ” المغالبة “..بينما يمكن للحوار ان يؤدي الى توافقات جديدة واستبعاد التصدع والصدام بين “منتصرين” و”منهزمين” ..

التفاؤل مطلوب .. والعالم يتطلع الى المتغيرات الاقليمية والدولية بعد مؤشرات الانفراج السياسي في ليبيا وعودة الحراك الشعبي في عدة دول عربية ..وبعد الانتخابات الامريكية التي يؤمل أن ينتصر فيها أعداء الغلو والتطرف ..


كمال بن يونس

مسارات التطرف الجهادي وتجارب الإقصاء اليومي عند شباب الأحياء الشعبيّة: محاولة في الفهم

ملخـــــــــــص :
تسعى هذه الورقة إلى فهم مسارات التطرف الجهادي عند شباب الأحياء الشعبيّة التونسية ضمن سياق معيشهم اليومي. وهو معيش مطبوع بتوتر صارخ بين شعور بالإقصاء والإذلال، من جهة، وشعور بالسخط والاحتجاج، من جهة أخرى، يتولد أساسا عن أنماط الحكم السائدة في هذه الأحياء. وبالاعتماد على معطيات مستمدة من ملاحظات ومقابلات إثنوغرافية، تجادل الورقة بإمكانية فهم هذه المسارات بوصفها مسارات تحول جوهري، أي انتقالاً رمزياً من موقع الخضوع والإذلال إلى موقع التفوق المبني على الانتماء إلى صفوة دينيّة فائقة، عبر تبني نموذج تأويلي متخيّل عن جماعة المسلمين الأولى وتجسيده ضمن هويّة سرديّة متطرّفة.

في كتابه حرب الذاتيّات في الإسلام، يرسم المحلّل النفساني فتحي بن سلامة صورة الجهادي على أنّه مسلم فائق (sur-musulman). فهو لا يكتفي بأن يكون كأيّ مسلم، بل يرى ضرورة إظهار ذلك، وتبليغه عبر الرموز الخارجيّة، والمغالاة السلوكيّة والتعبديّة. وينمّ ذلك، في نظر بن سلامة، عن قناعة لدى المسلم الفائق بأنّ سبب هزيمة المسلمين وإذلالهم، هو خيانتهم للدّين المتماهي في تصوّره مع تقليد إسلامي أصيل متخيّل ومتعيّن في زمن النبيّ والصحابة والتابعين، وأنّ تمكينهم لن يكون سوى باستعادة هذا المثال المجروح عبر مواجهة شاملة مع الحداثة والعالم الذي شكّلته. وتجري هذه المواجهة في مجالات متعدّدة، ابتداءً من اللباس والتعبّد وصولاً إلى الجهاد المسلّح، حيث تتّخذ شكل مطالبة عنيفة تتطلّب من الذات أن تطهّر نفسها من شوائب العالم الحديث، فتؤدّي بها إلى إلغاء الآخر، بإلغاء نفسها حتى تتأكّد كذاتيّة فائقة وقد أتاح عملنا الإثنوغرافي حول مسارات التطرّف الجهادي لدى شباب الأحياء الشعبيّة في تونس ما بعد الثورة، معاينة عمليّات تشكّل ذاتيّة المسلم الفائق في سياقات تجريبيّة. وقد تركّز حقل العمل البحثي في عدد من الأحياء الشعبيّة التونسيّة بغرب العاصمة، والتي مثلت بالنّسبة للجهاديّين الأماكن المفضّلة للدّعوة والتعبئة الجماهيريّة، ومجالاً حيويّاً لأنشطتهم. وكانت هذه الأحياء قد تشكّلت منذ بداية السبعينات في أحزمة العاصمة على وتيرة ديناميّة حضريّة هامشيّة تغذّيها هجرة ريفيّة وافرة. وقد حال تعطّل مسار التصنيع وانحصاره في قطاعات محدودة، كالصّناعات التحويليّة وصناعة الملابس والنسيج، دون توفّر شروط اندماج الوافدين في النسيج المديني بالكامل، وهو ما أدّى إلى تحوّل التجمّعات السكنيّة العفويّة حول المدن إلى “مجالات هامشيّة” تعاني من الهشاشة والإقصاء الاجتماعي، وتنتشر فيها بشدّة مظاهر الانحراف والجريمة والاقتصاد اللانظامي. كما حوّلها كذلك إلى “مجالات احتجاجيّة” تتخلّق في رحمها الهويّات الرّافضة، مثل مجموعات موسيقى الرّاب ومشجّعي كرة القدم، والهبّات الشعبيّة المناهضة والثوريّة.

وفي جميع الأحوال، كان انتشار الحركة السلفيّة الجهاديّة يتمّ في الأحياء الشعبيّة من خلال جملة من الأنشطة والممارسات التي تحشد نموذجاً معياريّاً متخيَّلاً ومتعيّناً في جماعة المسلمين الأولى، وهو ما تبلوره الإيديولوجيا الجهاديّة وتسعى إلى نشره على مستوى الساحات المحليّة والمعيش اليومي، مشكّلة بذلك حركة اجتماعيّة متطرّفة، لم تتّخذ شكلاً حزبيّاً أو مؤسّساتياً، بل بقيت تُمارَس ضمن شبكات ممتدّة تفتقر إلى الهيكلة والتّراتب الهرمي الشكلي والصفة القانونيّة الرسميّة إزاء الدولة، متّخذة شكل مجموعات من الشباب الجهادي المتناثرة في مناطق متعدّدة على مدى البلاد. وتنتظم هذه المجموعات إمّا حول مرجعيّة ترابيّة أو مشيخيّة، متغذّية من التفاعلات اليوميّة المباشرة بين الأنصار والمتعاطفين، ويوحّدها توجّه إيديولوجي مشترك.

لأن توحّد جزء واسع من هذه المجموعات ضمن تنظيم “أنصار الشريعة” على قاعدة مشروع سياسي جهادي، إلاّ أنّ هذا التنظيم لم ينجح في الانتقال التامّ إلى مستوى التشكّل المؤسّساتي المكتمل، حيث انهارت التجربة إثر حظره من قبل “حكومة الترويكا” الثانية في جويليّة 2013. ليدخل في صراع مسلح مع الدولة سيؤدّي إلى هروب قياداته، وتفكّك شبكات أنصاره وانتقالها إلى العمل السرّي ضمن مجموعات صغيرة العدد متعاطفة أو منتمية إلى “الدولة الإسلاميّة”، بشكل غالب، أو إلى “تنظيم القاعدة”، بشكل أقلّ. فمع بدايات العام 2014، غادر قرابة 3000 شابّ تونسي إلى سوريا للقتال في صفوف “الدولة الإسلاميّة”. وينحدر قسم كبير من هؤلاء المقاتلين الجهاديّين، حسب التقارير الإعلاميّة والأمنيّة المتوفّرة، من مناطق البلاد الداخليّة المهمّشة والأحياء الشعبيّة الطرفيّة بالمدن الكبرى.

ما هي الفئات الاجتماعيّة التي يجتذبها التطرّف الجهادي بالأساس؟ ما هي دلالة التحوّل الجهادي في سياق الأحياء الشعبيّة التونسيّة؟ وكيف ترتبط مسارات التحول الجهادي بتجارب الإقصاء اليوميّة التي يعيشها الشباب في الأحياء الشعبيّة؟

نجد، من جهة أولى، شبيبة الطبقات الشعبيّة التي تعيش حالة هشاشة اقتصاديّة وعلائقيّة، وتحمل رأسمالاً تعليميّاً متدنيّاً، ووصوماً رمزية تتعلّق إمّا بأصولها الاجتماعيّة أو بتجارب إجراميّة أو تجارب انحراف عاشتها سابقاً، وهي حالة شريحة واسعة منها. ومن جهة أخرى، شبيبة الفئات الهشّة من الطبقة الوسطى، التي تتمتّع عموماً برأسمال تعليمي عالٍ وأصول اجتماعيّة معتبرة، لكنها تجد نفسها مع ذلك في وضع إقصاء اجتماعي نتيجة أزمة بطالة أصحاب الشهادات العليا. وهذا ما يجعل فئات واسعة من الطبقة الوسطى عاجزة عن إعادة إنتاج مواقعها الاجتماعيّة في سياقٍ يتميّز بتآكل نظام قيمها المرتكز أساساً على الاستحقاق والجدارة، وعلى الترقّي الاجتماعي من خلال التعليم، وذلك نتيجة تعطّل إواليّات الصعود الاجتماعي التقليديّة. لكن، كيف نفسّر انجذاب هاتين الفئتين بالأساس إلى التطرّف الجهادي؟

في خيمة دعويّة نظّمها شباب “أنصار الشريعة”، بدُوّار هيشر في 12 نوفمبر 2012 بعد صلاة العصر ببطحاء تسمّى “بطحاء الرياحي” بشارع “خالد ابن الوليد” بحيّ “دوّار هيشر”، خطب الداعية السلفي الجهادي “كمال زرّوق” بحماس شديدٍ في جمهور غالبيّته شبابي صارخاً:

شباب الإسلام… إنّ الشعب ينتظركم… فعلّموا الناس الدّين ولنرى معاملاتكم… ولنرى أقوالكم وأفعالكم في المجتمع بإذن الله. أنتم الخير وأنتم القادة وأنتم الصّحوة… أنتم ستقودون الأمّة إلى النّصر، وقد قال فيكم النبيّ ”يخرجون رجالاً من المغرب يلبسون الصّوف يفتحون جزيرة العرب وهي مسلمة”… أنتم الشباب الذي سيدرك المهدي ويدرك الفتن ويدرك الملاحم”.

كمال زرّوق – سلفي جهادي

كان يمكن لهذه الملاحظة أن تمرّ مرور الكرام دون أن تسترعي أيّ انتباه، لكونها تفصيلاً غير ذي قيمة تفسيريّة هامّة، وهي ظاهريّاً كذلك. إلاّ أنّها أبانت عن قيمتها الفعليّة حين استثارت سؤالاً بسيطاً في ذهننا مفاده: كيف يتحوّل هؤلاء الشبّان من أفراد مهمّشين ومقصيّين، إلى فاعلين يمثّلون “القادة والصحوة الذين سيقودون الأمّة إلى النّصر“؟ فعلى رأي مارسيل موس، فإنّ “ما قد يبدو تفاصيل عابرة، قد تكون في الواقع تركّزاً لمبادئ“

وفي هذا المستوى، سنحاول طرح فرضيّة مفادها أنّ هؤلاء الشبّان الجهاديّين يعيشون التحوّل الجهادي بوصفه عمليّة تحوّل جوهري (Transsubstanciation) يختبرون من خلاله نوعاً من الترقّي الأنطولوجي، بحيث يمكن أن يتحوّل الفرد الموصوم سلبيّاً، ابن الحيّ الشعبي المهمّش أو حامل الشهادة الجامعيّة العاطل عن العمل أو المنحرف أو الممارس للعمل الهشّ، الخ… إلى واحد من “الصفوة” المشكّلة للـ”طائفة المنصورة” التي ستحقّق وعد الله في الأرض.

من أبرز وجوه وضعيّات الإقصاء الاجتماعي التي يعيشها شباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة، هي الوصمة السلبيّة التي تعلق بهويّتهم الذاتيّة. ويتأتّى جزء مهمّ من هذه الوصمة، لا من خصائصهم الذاتيّة أو موقعهم الاجتماعي الفردي، بل أساساً من هويّتهم الجماعيّة بوصفهم من سكّان حيّ شعبي. فعلى قول أحد شبّان حيّ “دوّار هيشر”، في خضمّ تفسيره أسباب سعيه لتغيير مكان إقامته المدوّن في بطاقة تعريفه الوطنيّة وعموماً.

ما دام عنوان إقامتك المسجّل في بطاقة تعريفك هو دوّار هيشر، فذلك مشكل… حتى لو كنت تشتغل ولك مورد رزق قارّ وأنت إنسان مستقيم لا غبار عليك، فستبقى دائماً النظرة السلبيّة تلاحقك، لأنّك من دوّار هيشر لا غير !”

أحمد – 26 سنة

تتشكّل هذه الوصمة العالقة بالأحياء الشعبيّة في تونس من ثلاثة أبعاد أساسيّة، وهي الجريمة والعنف وظروف العيش المتدنيّة. ففي دراسة كميّة أجرتها منظّمة “أنتيرناشيونال آلرت” على عيّنة ممثّلة من 750 شابّ من حيّ “دوّار هيشر” وحيّ “التضامن” بين سنّ 18 و35 سنة، أجاب 42.2% من المستجوبين على سؤال “كيف يرى غير المتساكنين حالة الأمن في حيّك؟” بمترديّة جدّاً، وأجاب 28.2% بمترديّة. فيما أجاب 32.9 % من المستجوبين على سؤال “كيف يرى غير المتساكنين ظروف العيش في حيّك؟” بمترديّة جدّاً، و30% بمترديّة. ومن الملاحظ اعتبار المستجوبين، بنسبة 30%، حضور الحركة السلفيّة أهمّ

الأبعاد التي انضافت إلى صورة الحيّين بعد الثورة. والمثير في ذلك بروز أهميّة هذا المتغيّر الجديد في تشكيل صورة الحيّين، في مقابل تصريح المستجوبين بتراجع أهميّة متغيّر الجريمة من 29.2% قبل الثورة إلى 13.8% بعدها، ومتغيّر النزاعات المحليّة من 26.1% إلى 16.1%. وبقدر ما يدّل ذلك على تغيّر في هويّة هذين الحيّين الشعبيّين بعد الثورة، فهو يدلّ كذلك على قوّة الانغراس المجالي المادّي والرّمزي الذي حقّقته الحركة الجهاديّة فيهما.

جمعية مبدعون

وتزوّدنا دراسة كميّة أخرى أجرتها جمعيّة “مبدعون” بمعطيات مقارنة حول فروقات تمثّلات المراهقين بين سنّ 12 و18 سنة لصورة حيّهم، ضمن عيّنة تمثيليّة موزّعة بين الأحياء الشعبيّة والأحياء السّكنيّة الفاخرة ونصف الفاخرة. حيث شملت هذه الدراسة 272 مراهق من حيّ “الكرم الغربي”، و110 مراهق من أحياء “سيدي بو سعيد” و”المرسى”. وفي حين تقع جميع هذه الأحياء في الضاحية الشماليّة للعاصمة تونس، يُعرف الكرم الغربي عموماً بأنّه حيّ شعبي، فيما تعرف أحياء “سيدي بو سعيد” و”المرسى” بكونها من فضاءات سكنى الطبقات الوسطى والعليا خصوصاً. وتظهر النتائج الأوليّة لهذه الدراسة فروقات بارزة بين تمثّلات المستجوبين في “الكرم الغربي” لهويّة حيّهم وصورته لدى غير المتساكنين، في مقابل تمثّلات المستجوبين في “المرسى” و”سيدي بو سعيد”.

فبخصوص تمثّلات المستجوبين لهويّة أحيائهم، نجد أنّ 75% من المستجوبين في “الكرم الغربي” يوافقون بشدّة على اعتبار حيّهم حيّاً شعبيّاً، فيما يوافق 13.6% منهم نسبيّاً على ذلك. وعلى عكس ذلك، لا يوافق سوى 11.8% من المستجوبين في “سيدي بو سعيد” و”المرسى” تماماً على اعتبار أحيائهم أحياءً شعبيّة، فيما يوافق 25.5% منهم نسبيّاً على ذلك. ومن جهة أخرى، يوافق 30.9% من المستجوبين في “الكرم الغربي” بشدّة على أنّ حيّهم مهمّش، فيما يوافق 25.7% منهم نسبيّاً على ذلك. وفي المقابل، نجد أنّ 0.9% فحسب من المستجوبين في “سيدي بو سعيد” و”المرسى” يوافقون تماماً على أنّ أحياءهم مهمّشة، في حين يوافق 10% منهم فقط نسبيّاً على ذلك.

وإجمالاً، فإنّه بقدر ما يعتبر تراكم التفاوتات الاجتماعيّة والاقتصاديّة مهمّاً في فهم موقع الأحياء الشعبيّة ضمن التكوين الحضري لمدينة تونس، فإنّ هذه المعطيات تنبّهنا إلى أنّ الرموز والصور السلبيّة مهمّة بدورها في تشكيل هذه الجغرافيا الاجتماعيّة المخصوصة. فهذه الصور والرموز ليست مجرّد “أحكام مسبقة” أو “مغلوطة” ينبغي الاشتغال على تفكيكها، بقدر ما تمثّل “أفعالاً خطابيّة” بتعبير فيلسوف الخطاب جون أوستين، أي إحدى مظاهر نشاط القوى الاجتماعيّة الفاعلة في تحديد موقع الأحياء الشعبيّة في “أدنى سلّم نظام التراتبيّة الهرميّة للأماكن التي تتشكّل منها المدينة”. فهذه الصور والرّموز، تنخرط عبر تراكمها في شكل وصمة جماعيّة سلبيّة ضمن إواليّات الإقصاء التي تجعل من الأحياء الشعبيّة مناطق نبذ حضري. وهي وصمة ترزح بقوّة على معيش سكّان الأحياء الشعبيّة، وتساهم في إنتاج أشكال التمييز المادّي التي يعانونها. وفي هذا الصدد، توقّفنا خلال عملنا الميداني في حيّ “دوّار هيشر” على عدد من التجارب المعيشيّة التي يواجه فيها شباب هذه الأحياء أشكالاً مختلفة من التمييز على أساس الوصمة السلبيّة العالقة بهويّتهم الجماعيّة. ففي سياق حديثه عن الصعوبات التي تواجه شباب حيّه في إيجاد موطن شغل.

انطلاقاً من هذه المعطيات الكميّة والكيفيّة، يمكن أن نرى تأثير الوصمة السلبيّة العالقة بشباب الأحياء الشعبيّة على العلاقة بالذّات وتشكيل الهويّة الجماعيّة والقدرة على الحراك والصعود في الفضاء الاجتماعي. حيث يصحّ القول، على نحو ما يستنتج ديدييه لابيروني بخصوص الضواحي الحضريّة الفرنسيّة، أنّه لا وجود لأحياء شعبيّة دون صورة الأحياء الشعبيّة، و“لا وجود لتفاوتات دون تأويل لهذه التفاوتات”. إذ ليست هذه الصور والتأويلات مجرّد نظام رمزي يعكس علاقات اجتماعيّة مخصوصة، بقدر ما هو نظام ينخرط في بناء هذه العلاقات وهيكلتها. ومن ذلك، يمكن أن نفهم نزوع شباب الأحياء الشعبيّة إلى التعبير عن وضعيّات الإقصاء الاجتماعي التي يختبرونها، رغم اختلاف مساراتهم الاجتماعيّة وتعدّدها، انطلاقاً من لغة يغلب عليها الطابع المعياري والأخلاقي بما هي “تجربة احتقار و”شعوراً باللامساواة” والإقصاء، وعدم القدرة على عيش “الحياة” والانخراط بشكل كامل في المجتمع“.

وهو ما يؤشّر على أنّ تجربة الاقصاء الاجتماعي لا تتحدّد فحسب بلغة الاقتصاد السياسي للتفاوتات، الذي يركّز على الفوارق الطبقيّة والماديّة بين التكوينات الاجتماعيّة، بل تتحدّد أيضاً بلغة اقتصاد معياري تنخفض فيه الدلالات الاجتماعيّة للتفاوتات لتكتسي دلالات “أخلاقيّة” و”معنويّة” بوصفها “ثمرة تمييز إقصائي معمّم. وهو تمييز يحرم الأفراد من الولوج إلى نمط عيش “عادي” أو يقدّرون أنّه عادي، وهو أيضاً من نتاج الإرادة السلبيّة للفئات المتفوقّة“. فبقدر ما يعتبر الإقصاء الاجتماعي تجربة لامساواة في توزيع الرساميل الاقتصاديّة وتجريداً من دعائم الحماية الاجتماعيّة ونبذاً خارج دوائر الإدماج المؤسّساتيّة، على نحو ما يبرز روبرت كاستيل، فهو كذلك تجربة احتقار وتجريد من الاعتبار المعنوي واختبار أشكال متراكبة من نفي الاعتراف بتعبير أكسيل هونيث. ومن هنا، تبرز أهميّة تجاوز الفصل التحليلي الذي أقامته نظريّات الإقصاء الاجتماعيّة والفلسفيّة بين مجالي التوزيع الاجتماعي والاعتراف الرّمزي، نحو الدمج بينهما على نحو دعوة نانسي فرايزر، وهو ما يتولّد عنه مقاربة مزدوجة للإقصاء “تُتناول ضمنها كلّ ممارسة على أنّها ممارسة اقتصاديّة وثقافيّة في الآن نفسه… وتقيّم ضمنها جميع الممارسات من منظورين مزدوجين، أي منظور التوزيع ومنظور الاعتراف، لكن دون أن يُختزل أيّاً منهما في الآخر“.

تقدّم لنا بعض المعطيات الكيفيّة من سيرة أنس (33 سنة) مدخلاً إلى قراءة مسارات التطرّف الجهادي لشباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة، انطلاقاً من منظور الاقتصاد المعنوي لديناميّات الإقصاء التي تخضع لها ساكنة هذه الأحياء، وخصوصاً منها فئات الشباب. حيث ينحدر أنس من حيّ “التضامن” الواقع غرب العاصمة تونس، وهو من أضخم الأحياء الشعبيّة التونسيّة من جهة تعداد ساكنته وأقدمها من جهة التكوّن التاريخي، أين اعتنق المنهج السلفي الجهادي سنة 2004، وسجن سنة 2006 تحت طائلة قانون الإرهاب. وبعد الثورة، انضمّ أنس إلى تنظيم “أنصار الشريعة”، قبل أن يغادر نحو سوريا سنة 2012 حيث قاتل مع “جبهة النصرة” لسنتين، ومن ثمّ انحاز إلى “الدولة الإسلاميّة” في صراعها مع “تنظيم القاعدة” حول أولويّة قيادة الجبهة السوريّة أوائل سنة 2014، قبل أن ينشقّ عنها أواخر سنة 2016.

وفي مستهلّ سلسلة مقابلاتنا البحثيّة، طلبنا من أنس أن يصف حياته قبل بداية مسار تطرّفه الجهادي، فكانت اجابته:

“أنا ابن حيّ شعبي من العاصمة تونس. كنت مغرماً بموسيقى الرّاب والهيب هوب، وكنت لاعب كرة قدم كذلك. كنت أجيد لعبة كرة القدم، قبل أن تزلّ بي الأقدام وأصير معروفاً في الحيّ بالسطو على النّاس والسّرقة. بالطبع، خارج الحيّ، كان كلّ همّي التسلّط على أولئك الذين يسمّون بالطبقة الغنيّة في البلد، الذين أرى منهم الظلم… يعني، حاول أن تتخيّل ابن حيّ شعبي، ذليل، لا تلبس مثل النّاس ولا تعيش مثل النّاس. ترى أحدهم من أبناء فلان أو علاّن الذي يسرقك كلّ يوم، وأبوه يضحك على النّاس، تراه يرتدي حذاءً رياضيّاً قيمته 280 ديناراً، أمّا أنا فأجد نفسي غير قادر على اقتناء حذاء قيمته 70 ديناراً مثلاً. هذه من الأشياء التي جعلتني أفكّر أنّ مالهم هو في الأصل مالنا، وأنّه ينبغي عليّ استعادته. هذه هي القاعدة المتعارف عليها في الأحياء الشعبيّة… كذلك، تخيّل أنّك جالس أمام منزلكم، ويأتيك أحدهم لا علاقة له بك لا من قريب ولا من بعيد، يأمرك بالدخول إلى المنزل. لماذا ذلك؟ حينها تشعر بأنّك محقور… تشعر بأنّك تعيش تحت الذّل. يعني، تصوّر ابن الغنيّ يقوم بأيّ فعلة ولا يحاسب عليها، أمّا أنت فتحاسب على سفاسف المشاكل، وقد يبعثون بك إلى السّجن ستّة أشهر لمجرّد أنهم مسكوا لديك آلة حادّة… والحمد لله، قدّر الله عزّ وجلّ أنني لم أدخل السجن، وكان الله سبحانه وتعالى خير حافظ، رغم تورطّي في قضيّة محاولة قتل آنذاك وعمليّات سرقة وسطو. لكن الله عزّ وجلّ سلّم أمري، ولم أحاكم بالسجن في هذه القضايا لأنّي كنت عندها قاصراً في سنّ السّابعة عشرة، ولم يكن القضاة يرغبون في التركيز على قضايا القُصَّر، فلا يحكمون فيها بالسجن… لكن، كما قلت لك، كلّ من عاش في تونس يعرف معنى الظلم، ويعرف كيف يتسلّط هؤلاء الطواغيت… يعرف كيف يمسكون بالمرء في الشارع ويصفعونه على الملأ ويأمرونه بالعودة إلى منزله…”.

أنس – 33 سنة
يتواتر في سرد أنس لمسار عيشه قبل تحوّله الجهادي عبارتان تحملان شحنة معنويّة صارخة، وهما الذلّ والاحتقار. ويمكننا المجادلة بأنّ هذه الشحنة المعنويّة تتأتّى من سرد أنس لمسار عيشه بوصفه سرداً لتجارب مكثّفة من الاحتقار، يمكن ارجاعها إلى اختبار شكل أساسي من أشكال نفي الاعتراف، ألا وهو نفي الحقوق. وتبعاً لأكسيل هونيث، يشير نفي الحقوق إلى “أشكال الاحتقار الشخصي التي يخضع لها فرد ما، عبر اقصائه من التمتّع بحقوق مخصوصة ضمن المجتمع“. ومن الجدير هنا التنويه إلى أنّ هذه الحقوق تتحدّد اجتماعيّاً وسياسيّاً بحسب الظرفيّة التاريخيّة والتطوّر المؤسّساتي العامّ لكلّ نظام اجتماعي مخصوص، حيث تمثّل “المطالب الفرديّة التي يمكن أن يتوقّع الفرد أن يحظى بها اجتماعيّاً بشكل مشروع بوصفه منخرطاً في النظام الاجتماعي، متساوياً مع غيره في الحقوق، كعضو كامل في جماعة معيّنة“. بذلك، لا يتمّ ضمن هذه التجربة المخصوصة من الاحتقار تجريد الفرد من احترامه المعياري لذاته فحسب، بل من “قدرته على الارتباط بذاته بوصفه شريكاً تفاعليّاً يتساوى قانونيّاً مع أضرابه من البشر“.

ويظهر هذا الأمر جليّاً في شهادة أنس، من ناحية أولى، من خلال حديثه عن الفوارق بين من يسمّيهم “أبناء الطبقة الغنيّة” وأمثاله من “أبناء الأحياء الشعبيّة”. حيث يصف أنس هذه العلاقة من منظور “النحن والهم”، أي من منظور التفرقة الحادّة بين مجموعتين متفاوتتين في الحقوق، نتيجة التوزيع غير المتكافئ للرساميل الاقتصاديّة داخل المجتمع. غير أنّ المصطلحات التي يستخدمها في إعادة بناء هذه العلاقة في خطابه لا تصوّرها على أنّها علاقة تفاوت في الحقوق فحسب، بقدر ما تصوّرها كذلك على أنها علاقة استغلال. ففي نظر أنس، لا يكتفي “برجوازيّو المدينة” والطبقات الحضريّة العليا بالتّمتع بنمط عيش فائق يُحرم ساكنة الأحياء الشعبيّة من حقّ الولوج إليه، بل يتحقّق لها ذلك أساساً من خلال استغلال الطبقات الشعبيّة والعمل على تأبيد وضعها.

وإزاء صورة “أبناء الأغنياء” القادرين على اكتساب علامات الترف المادي المحروم منها وتأكيد الذّات من خلال الاستهلاك والترفيه، يصف أنس صورته بسيمياء شعوريّة يمتزج فيها الإذلال بالسّخط. وبناءً عليه، تتّخذ علاقة التفاوت التي يصوّرها أنس بين “أبناء الأحياء الشعبيّة” و“أبناء الأغنياء”، بعداً معنويّاً يتشابك فيه نفي الاعتراف مع التفاوت في التوزيع المادّي للثروة. فإذا كانت هذه العلاقة قائمة، من جهة، على التفاوت في توزيع الرساميل الماديّة بين الطبقات داخل المجتمع، فهي تُختبر في المعيش اليومي، من جهة أخرى، على أنّها علاقة حيف في توزيع الجدارة المعنويّة المتأتيّة من التمتّع بقسم متساوٍ من هذه الموارد والخيرات بوصفه حقّاً مشروعاً.

من ناحية ثانية، يصف أنس لقاءاته بعناصر الشّرطة بلغة معنويّة صارخة، فهي وضعيّات يشعر فيها بـ”الحُقرة” إلى درجة يخيّل له معها أنّه يعيش” تحت الذلّ”، حيث تتكثّف في هذه اللقاءات تجربة الإقصاء، لا من حيث هي علاقة تفاوت في القوّة فحسب، بل أساساً من جهة أنّها عمليّة تجريد من الاعتبار المعنوي.

وفي حين يمكن المجادلة بأنّ هذه العلاقة تمثّل نمط تفاعل متواتر بين شباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة وأجهزة الشّرطة وأعوانها، في سياق هيمنة أنماط الحكم النيوليبراليّة القائمة على بتر يد الدولة الرّاعية وتعزيز يد الدولة العقابيّة([1])، فإنّ هذا الشكل من اللقاءات بالشّرطة يتردّد وصفه بنفس الوقع واللّغة المعنويّة لدى العديد من الشبّان الجهاديّين.

ومن ذلك، ما يصفه أسعد 38 سنة، وهو شابّ جهاديّ سابق من حيّ دوّار هيشر، في علاقته بالشّرطة وأثرها في تجربة تحوّله الجهاديّة:

أكثر شيء كنت أكرهه في حياتي هو الشّرطة… كرهتهم منذ صغري، وزاد كرهي لهم حين سُجنت أوّل مرّة نظراً لكميّة الضرب والصفع والإهانة التي تلقيّتها… لقد سُجنت سبع مرّات بعد ذلك، منهم مرّتين من أجل تعنيفي لحرّاس السجن… حين بدأت ألتزم دينيّاً وأواظب على الصّلاة في المسجد، هناك تعرّفتُ على مجموعة من السلفيّين الجهاديّين… وبعد فترة قصيرة، بدؤوا باستقطابي إلى المنهج وتعليمي الأصول… أتذّكر حينها أنّ أحدهم قال لي كونهم يعرفون ماضيّ جيّداً، وأنّه يقدّر ذلك لأنّي كنت ضدّ الطاغوت حتى وأنا على ضلالة، وذكر لي حينها قول الرّسول “خياركم في الجاهليّة، خياركم في الإسلام”… وقد كان لكلامه وقع كبير في نفسي”.

أسعد – 38 سنة

وفي كلتا الشهادتين، تبرز اللقاءات اليوميّة والعاديّة بأعوان الشرطة على أنّها تجربة احتقار يتزاوج فيها شكلان من نفي الاعتراف، وهما نفي الحقوق والاعتداء الجسدي. فبالنسبة إلى نفي الحقوق، فهو يبرز في حديث أنس عن الممارسات التمييزيّة التي يفعّلها أعوان الشرطة بين “أبناء الأحياء الشعبيّة” و”أبناء الأغنياء”. وفي نظره، فإنّ تطبيق القانون على الفئتين فيه كيل بمكيالين، فهو تطبيق أعمى وصارم وعنيف حين يتعلّق الأمر بشباب الأحياء الشعبيّة، فيما يتسنّى لأبناء الطبقات العليا الإفلات من القانون، بقوّة الرأسمال الرمزي المتعيّن في الجاه الاجتماعي، والرأسمال الاقتصادي المتعيّن في الثروة الماديّة.

أمّا بالنسبة إلى الاعتداء الجسدي، فيظهر في صورة الحرمان “من السيطرة الذاتيّة التي يمارسها المرء على جسده الخاصّ“، من خلال الضرب أو الاعتداء أو سوء المعاملة السجنيّة، حيث لا يتضمّن فحسب اختبار الأذى، بقدر ما يتضمّن أيضاً اختبار “الشعور بالخضوع التامّ إلى رحمة ذاتٍ أخرى“([1]). كذلك، يشمل الاعتداء الجسدي إخضاع الذّوات عبر مراقبة حركة أجسادها وضبطها في المجال العامّ، وهو شكل طاغٍ من السيطرة اليوميّة يختبره شباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة بكثافة، عبر عديد الممارسات الأمنيّة مثل حملات الشّرطة وعمليّات التثبّت من الهويّة أو المداهمات الفجئيّة.

فعبر مثل هذه الممارسات الأمنيّة، المنغرسة بدقّة في نسيج المعيش اليومي، يتمّ تربيع الأحياء الشعبيّة ومراقبتها وضبط سلوكيّات ساكنتها بوصفها “مناطق خطرة” تمثّل تهديداً للنّظام العامّ. وبهذا، يكتسب الحيّ أو “الحومة”، لدى ساكنيها من الشباب معنى مزدوجاً: فالحومة تمثّل ضرباً من الحمى بما هي مجال انتماء وحماية، كما تمثّل أيضاً مجال اخضاع ونبذ. وفي هذا الصدد، يخبرنا عليّ 25 سنة، وهو شابّ من حيّ “دوّار هيشر”، ضمن سياق تفكّره في تجربته السجنيّة القصيرة: “لا فرق بين أن تكون في الداخل أو في الخارج… في السجن أو في الحومة… ففي تونس، حتى في الـcivile كلّنا مرابيط“. وفي كلّ الحالات، يؤدّي اختبار هذه التجارب اليوميّة من الإخضاع والنبذ والاحتقار إلى إنتاج تشكيلة ذاتيّة يقع الإذلال في القلب منها.

ضمن مقابلة بحثيّة أخرى مع أنس، سألناه عن الفروق بين ضروب المقاتلين التونسيّين الذين “هاجروا” إلى الدولة الإسلاميّة وانخرطوا في صفوفها، فكانت إجابته:

لكلّ منهم نموذجه وقدوته… فهناك الاستشهادي الذي تراه يبغي “الدقمة” ويرغب في أن يفجرّ نفسه في العدوّ مسبّباً فيه الضرر حتى ينال الجنّة مباشرة… وهناك الاقتحامي الذي يكون مثله مثل بقيّة الجنود يقاتل في المعارك إلى أن ينال الشهادة… وهناك الانغماسي، الذي يندسّ في صفوف العدوّ وخطوطه الخلفيّة، فيُثخن فيه ما أمكنه ذلك من ثمّ يخرج سالماً… من قبل، كنتُ مولعاً بسيرة خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، فهو عقل عسكري كبير وقائد سيّر جيوشاً وفتح بلداناً… ذاك قدوتي، لذلك اخترت أن أكون مقاتلاً انغماسيّاً… فأنا أبغي الموت بعد الإثخان في العدوّ، فإمّا أن أُقتل أنا، أو يُسَلّم هو أمره… أبغي أن أفتح بلداناً وأنشر الدين وأقاتل الكفّار حتى تكون كلمة الله هي العليا”.

أنس – 33 سنة

ومجدّداً، نجد أنفسنا هنا إزاء نفس السؤال الذي استهللنا به هذه الورقة: كيف نفهم التحوّل السردي بين المقطعين الذين أوردناهما من شهادة أنس البحثيّة، من بناء سرديّ لذات محتقَرة ومذلولة وممحوقة، إلى بناء سرديّ آخر لذات فائقة ومتمكّنة وقاهرة؟ إنّ واحدة من الفرضيات التفسيريّة الممكن طرحها، هو فهم هذا التحوّل بوصفه مسار تحوّل جوهري. حيث يؤشّر التحوّل الجوهري على السيرورة التي تكتسب من خلالها الكائنات أو الأشياء قيمة أو رأسمالاً رمزيّاً لا تتوفّر عليهما بحكم أصالتها، ممّا يمنحها جوهراً مغايراً. وقد صاغ بيير بورديو هذا المفهوم ضمن نظريّته عن الهيمنة الرمزيّة، وتحديداً في وصفه السيرورات التي تُكتسب من خلالها المنتجات الثقافيّة والشهادات العلميّة قيمة الرّفعة أو النّبالة، من خلال تكريسها عبر المؤسّسات المحتكرة للشرعيّة الرمزيّة ضمن الفضاء الاجتماعي. وفي بعض المواضع، يؤشّر بورديو على المفهوم بمصطلحات رديفة، مثل السحر الاجتماعي أو الخيمياء الاجتماعيّة. فمثله مثل السّحر والخيمياء، يمرّ التحوّل الجوهري بالأساس عبر الاعتقاد في القدرة الرمزيّة التي تدّعيها قوّة ما على تحويل جواهر الموادّ والكائنات، حتى تترقّى أنطولوجيّاً.

في هذا الصدد، سنكتفي بطرح فرضيّة مفادها أنّ مسارات التطرّف الجهادي لشباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة، تمثّل مسارات تحوّل جوهري يترقّون عبرها أنطولوجيّاً من وضعيّة إذلال إلى وضعيّة تفوّق مبنيّ على الاعتقاد في الانتماء إلى نخبة دينيّة مصطفاة، يؤدّي ضمنها مفعول القوّة الرمزيّة التي تتوفّر عليها الطوبى الجهاديّة دوراً مهمّاً. فمثلها مثل جلّ الطوباويّات، تمثّل الطوبى الجهاديّة “نمط خيال اجتماعي“تكمن ميزته الأساسيّة في قدرته على نقل الخيال من فضاء الواقع الرّاهن إلى فضاء واقع مفارق لم يتحقّق بعد. و”من أجل القدرة على الحلم بواقع آخر”، على نحو ما يؤكّد بول ريكور، “ينبغي أوّلاً ضمان اكتساب هويّة سرديّة، من خلال التأويل المتجدّد للتقاليد التي نستند عليها في ذلك“، وهذا عين ما نستكشفه في شهادة أنس البحثيّة، إذ أنّ تحوّله من ذاتيّة خاضعة حيث كان “يحسّ كأنّه يعيش تحت الذلّ“، إلى ذاتيّة فائقة حيث “يبغي فتح بلدان ونشر الدين وقتال الكفّار“، يمثّل بناءً لهويّة سرديّة من خلال اقتدائه بنموذج تأويلي متخيّل متعيّن في سيرة الصحابي خالد بن الوليد. ففي مقابل الواقع الرّاهن الذي يجعل منهم أفراداً خاضعين وممحوقين ومذلولين، تطرح الطوبى الجهاديّة على أمثال أنس من شباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة، إمكانيّة استئناف واقع آخر يكونون فيه أفراداً فاعلين وقاهرين وفائقين، عبر التماهي مع تصوّرات مثاليّة لأبطال تاريخيّين مستمدّة من نموذج تأويلي مخصوص لتاريخ الإسلام. ومن ذلك، نقرأ في نصّ صدر عن “كتيبة عقبة بن نافع”، الفرع الأساسي لـ”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” بتونس، تنعى فيه اثنين من مقاتليها لقيا حتفهما في عمليّة شنّتها ضدّها قوّات الأمن والجيش التونسيّة:

“…في الوقت الذي كانت فيه قوافل الشباب المغرّر بهم تخوضُ البحار على مراكب الموت، زرافاتٍ ووحداناً تشوُّفًا لعيشة رغيدة خلف البحار، كان أبطال الإسلام وشباب الإيمان يبحثون عن مواطن العزِّ والاستشهاد، ليبرهنوا للعالم أجمع بأنّ روح التضحية والفداء لا زالت راسخة في أمّة الإسلام، يضخّها الآباء والأمّهات دماً دفّاقاً في عروق الأبناء، لا يمكن لأيّ قوّة متغرطسة على وجه الأرض استئصالها، ومن يسدّ طريق العارض الهطلِ؟! إنّها ظاهرة عجز الغرب الكافر وأذنابه من حكام الرِّدّة عن استيعابها، فسخّروا كلّ طاقاتهم وأجهدوا أنفسهم عبر مكرٍ خبيث لإغراق الشباب المسلم في مستنقعات الرذيلة والضياع…، فيتحوّل أولئك الشباب وبصناعة الله إلى فرسان يذودون عن الإسلام، شباب يخرجون من قاعات اللَّهو والغناء إلى ساحات المدافع والقنابل، شباب لطالما رابط على مدرّجات الملاعب يحملون أعلام الأندية، يرابطون اليوم على خطوط القتال الأولى وهم يحملون رايات الجهاد بيمينهم وبالأخرى سلاحهم، ولكنّ هذا التحوّل وللأسف هو حال القليل من شباب الأمّة، لتبقى الأغلبيّة الغالبة خارج مجال التغطية… فعليك يا أخي بسيرة هؤلاء، فلن تعدم نوراً من أنوارهم تضيء به دربك، وبلسماً يقطع عنك الهمّ والغمّ، وينبوعاً من الماء الزُّلال يُذهب عنك ظمأ الحياة، فهي سِيَرٌ تعيد سِيَرَ الصالحين الأوّلين من سلفنا الصالح التي جَمَعَت بين جميع أحوال المؤمن في هذه الدنيا، من الهداية إلى الصدع بالحقّ إلى الهجرة ثمّ الجهاد والثبات، ثمّ في الختام الشهادة”.

إنّ التحوّل الذي يتحدّث عنه بيان هذه المجموعة الجهاديّة، هو تحوّل جوهري لفئات شبابيّة من ذاتيّات خاضعة ومستلبة إلى ذاتيّات فائقة وبطوليّة، بوصفها جزءًا من الطّائفة المنصورة الموكول لها تحقيق العود الأبدي الموعود لزمن التمكين والسطوة المنقضي، تبعاً لنموذج تأويلي مؤسطر لتاريخ القرون الثلاثة الأولى من الإسلام. ومن لدنّ هذا النموذج، تشكّل هذه الفئات من الشباب سرديّات هوويّة تصير عبرها ذواتاً فائقة، تكتسب تفوّقها المتخيّل من التفوّق المثالي لأيقونات نموذجها المؤسطر، فكأنّها سرديّات محبوكة على طراز “سِيَر تُعيد سِيَر الصالحين الأوّلين من السلف الصالح” في زمن الإخضاع والاحتقار والإذلال الحاضر. فالعالم الاجتماعي، يُمثّل بالنسبة إلى فئات واسعة من الشباب التونسي، بفعل الهشاشة الاقتصاديّة وانحصار دوائر الإدماج وتعطّل إواليّات الصعود الاجتماعي وموروث الاستبداد السياسي الكاسح، كليّة ساحقة يختبرون تحت وطأتها نفي الاعتراف في شكله الجذري، إلى حدّ أن يصير “عالماً لا يقدر فيه على البقاء سوى البطل. حيث يغدو الانضمام إلى الفيالق الجهاديّة والدفاع عن إسلام “قويّ وقاهر” نمط بقاءٍ، ووهماً هستيريّاً بالاندماج ضمن فضاءٍ يحمي ويرتق نرجسيّة مفتوقة“.

وإذا كان هذا المسلم الفائق يتمثّل نفسه بطلاً، إلاّ أنّه “بطل سلبي” بتعبير فرهاد خوسروخوفار، أي أنّ بطولته ليست بطولة إيجابيّة تتأتّى من سعيه إلى الاندماج في المجتمع والنجاح ضمنه ونيل تقديره الإيجابي، بل بطولة سلبيّة تتأتّى من سعيه إلى إخضاع المجتمع لإرادة تفوّقه، عبر إرهابه. لذلك، فإنّه كلّما زاد كره المجتمع له، كلّما تعزّز إحساس البطل السلبي بالتفوّق، بحيث لم يعد هذا الكره يمثّل في نظره علامة نبذ وإقصاء وتحقير، بل علامة مفاصلة تؤكّد تفوّقه على المجتمع الذي حقّره سابقاً. وصراع البطل السلبي ليس صراعاً من أجل الاعتراف، أي من أجل استعادة مكانته المعنويّة المسلوبة ضمن النظام الاجتماعي المحقّر له، بل صراعاً من أجل التفوّق المطلق ضدّ هذا النظام. وبعبارة أخرى، فإنّ البطل السلبي لا يبحث عن “نيل الاعتراف من هيئة الاعتراف العليا القائمة…، بل إلى تنصيب نفسه كمانح أعلى للاعتراف…، ينبغي على الآخرين انتظار اعترافه وتلمّسه منه“، وهو صميم ما يعبّر عنه مقطع دالّ من شهادة أنس، حين يصرّح: “أنا أبغي الموت بعد الإثخان في العدوّ، فإمّا أن أقتل أنا، أو يُسَلّم هو أمره“.

ما العمل لمناهضة تحوّل هذه الفئات من الشباب التونسي نحو التطرّف الجهادي، بما تخلّفه آثار العنف والإرهاب على المجتمع من آثار مدمّرة؟

منذ اندلاعها في ربيع سنة 2011، ما يزال مسار الثورة التونسيّة مستمرّاً عبر نضالات طيف واسع من الحركات الاجتماعيّة والمدنيّة الشبابيّة التي تشكّلت في خضمّها. ورغم اختلاف رهاناتها وديناميّاتها وفاعليها، فإنّ هذه الحركات تشترك في مطلب أساسي يُشكّل رابطاً يصلها أفقياً ببعض، وهو الكرامة باعتبارها الشكل الأوّلي من الاعتراف السياسي المؤسّس للمواطنة. ولعلّ الرهان على دعم هذه الحركات الاجتماعيّة وتجذيرها مجتمعيّاً في صراعاتها من أجل الاعتراف والإدماج والمواطنة، قد يدعّم قدرتها على حشد فئات الشباب المقصيّة والمذلولة ضمن تحوّلات جوهريّة نحو ذاتيّات مواطنيّة، وتطرح عليها أطراً وخطابات تتوسّل النضال ديمقراطيّاً ومدنيّاً من أجل نظام اجتماعي عادل، عوض أطر وخطابات الحركات الجهاديّة المتطرّفة. وقد يكون ذلك خياراً في النضال السياسي يطرح على الشباب بديلاً مواطنيّاً عن التطرّف، كما يناضل في الآن نفسه من أجل تغيير النظام الاجتماعي القائم المساهم في إنتاج شروط التطرّف.

المصدر : مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان___ 9سبتمبر 2020

 

ألبوم صور : ندوة عن دلالات الاتفاق الأمريكي “الاسرائيلي” الإماراتي

في مؤسسة التميمي :
ندوة عن دلالات الاتفاق الأمريكي الاسرائيلي الإماراتي (التطبيع) بمشاركة التنسيقية التونسية الفلسطينية ومنتدى ابن رشد وسفارة فلسطين بتونس و ديبلوماسيين و اكاديميين و إعلاميين وشخصيات سياسية

هل هو إرهاص أوّل لتحوّل في السلوك الدولي إزاء الغطرسة الأمريكية؟ . بقلم محمد إبراهيم الحصايري

في المقال الذي نشرته في 18 أفريل 2020 على هذا الموقع تحت عنوان « إلى متى هذا الصمت على التوغّل في اغتيال المنظومة الأممية والمواثيق الدولية؟.. استعرضتُ بالتفصيل سلسلة القرارات العديدة التي اتّخذها الرئيس الأمريكي غريب الاطوار دونالد ترامب على امتداد الأربعين شهرا الأولى من ولايته، في إطار ما أسماه بالسياسة المغايرة لسياسات أسلافه فيما يتعلّق بمنظمة الأمم المتحدة وهيئاتها، وبقية المنظمات والاتفاقيات الدّولية الأخرى، وقد استخلصت، في خاتمته، أنّ « المؤسف في الأمر هو أنّ العالم وقف حتى الآن صامتا متفرّجا على ما يجري، وقابل قرارات الرئيس الأمريكي وإجراءاته بردود فعل رخوة ومتراخية لا ترقى إلى خطورة أفعاله التي لا تعير أيّ اهتمام للأصدقاء قبل الأعداء، وللحلفاء قبل الخصوم، ولا تبالي بمصالح الكرة الأرضية كلّها والإنسانية جمعاء في سبيل تجسيم شعار (أمريكا أولا) وتحقيق المصالح الأمريكية »…

 

وأضفتُ قائلا إنّه « إذا استمرّ هذا الوضع فإنّ المرجّح أن يؤدّي إلى تقويض أركان النظام العالمي القائم، وأن يدخل العالم في حالة من الفوضى الخطيرة التي سيصعب الخروج منها، في غياب نظام بديل يمكن أن يحلّ محلّه ».

واليوم وبعد « الهزيمة النكراء » التي منيت بها الولايات المتحدة الأمريكية يوم الجمعة 14 أوت الجاري في مجلس الأمن الدولي الذي رفض مشروع القرار الذي تقدمت به من أجل التمديد في حظر السلاح المفروض على إيران، يحقّ لنا أن نسأل السؤال الذي طرحته في العنوان: « هل هو إرهاص أول لتحوّل في السلوك الدولي إزاء الغطرسة الأمريكية؟ ».

إنّ الولايات المتّحدة الأمريكية لم تجد من مؤيّد لمشروعها إلا دولة وحيدة هي جُمْهُورِيَّة الدُّومِنِيكَان التي كانت استعمرتها من سنة 1916 إلى سنة 1924 ثم تدخّلت فيها عسكريا عند اندلاع حربها الأهلية سنة 1965.

أمّا روسيا والصين فقد رفضتا المشروع دون أن تحتاجا إلى استخدام حقّ النقض.

وأما الإحدى عشرة دولة الباقية وفيها حليفاتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ومنها أيضا بلادنا، فقد فضّلت الامتناع عن التصويت.

وأمام هذا الفشل الذّريع الذي لم تعرف له الولايات المتحدة الأمريكية مثيلا طيلة السنوات الخمس والسبعين من عمر منظمة الأمم المتحدة، أرغى الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب وأزبد، وتوعّد يوم السبت 15 أوت الجاري بأنّه سيلجأ إلى آلية « snapback » من خلال استخدام حق النقض بطريقة معاكسة تمكّنه، بصفة آحادية، من أن يفرض على إيران العقوبات الأممية التي ينصّ عليها الاتفاق المبرم حول الملف النووي الإيراني سنة 2015 رغم أنّه كان تفرّد بالانسحاب منه منذ ماي سنة 2018، ثم أردف انسحابه بسلسلة من العقوبات المشدّدة وغير المسبوقة التي لم يكتف بفرضها على إيران، بل فرض على العالم الالتزام بتطبيقها.

ويرى المحللون أنّ لجوءه إلى هذه الآلية يعني أنّه لن يشارك في اللقاء الذي دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى عقده حول الملف الإيراني بمشاركة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وألمانيا وإيران، كما إنّ من شأنه أن يؤدي إلى إيقاع المجلس في إحدى أسوإ الأزمات الدبلوماسية في تاريخه.

ويبدو أنّ إصرار الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب على تمرير مشروع القرار بأيّ شكل من الأشكال قبل شهر نوفمبر القادم راجع إلى رغبته في تسجيل « نجاح » آخر (إلى جانب اتفاق إبراهيم حول التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، وربما اتفاق قريب مماثل آخر مع دولة عربية ثانية) يساعده على خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة والفوز بالولاية الثانية مهما كان الثمن…

ولقد اعتبر الرئيس الإيراني حسن روحاني اليوم الذي تمّ فيه رفض المشروع الأمريكي في مجلس الأمن « يوما مشهودا في تاريخ بلاده وفي تاريخ النضال ضد الغطرسة العالمية »، غير أنّ استدامة هذا الإرهاص الأوّل تبقى رهينة تأكّده في المستقبل وعدم النكوص عنه مثلما يخشى من الاتصال الذي تم، بعد التصويت، بين الرئيسين الأمريكي والفرنسي والذي تناول، حسب البيت الأبيض، الضرورة العاجلة لعمل في الأمم المتحدة للتمديد في حظر السلاح المفروض على إيران.

رسائل مفتوحة عن اللقاء التونسي الإيطالي الأوروبي حول الهجرة غير النظامية

يزور اليوم الاثنين 17 اوت تونس السادة وزير خارجية إيطاليا ووزيرة الداخلية المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والمفوض الأوروبي لسياسات الجوار في إطار سلسة الضغوطات التي لن تنتهي على تونس من اجل اتفاق جديد حول الهجرة

السيد رئيس الجمهورية

لقد برهنت الازمة الأخيرة حول الهجرة ان تونس تحتاج اليوم وعيا جديدا لتصحيح علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي ودوله من اجل مقاربة اشمل لمعالجة قضايا الهجرة غير النظامية

لقد كرست اغلب الاتفاقيات التي وقعتها تونس مع الاتحاد الأوروبي عدم التكافؤ في التمكن من الحقوق وعدم المساواة في حرية التنقل كما أنها لا تستجيب للتطلعات الشرعية لمواطنات ومواطني تونس في عدالة المعاملة وتستوجب استراتيجية المعايير المزدوجة للحقوق مراجعة شاملة تخرجنا من موقع “الحارس الأمين” و”المتعاون المثالي” الى موقع الشريك على قاعدة تكريس الحقوق والحريات واحترام سيادة تونس وكرامة مواطنيها.

السيد رئيس الجمهورية

وأنتم تتابعون الضغوطات الإيطالية من اجل اتفاق جديد حول الهجرة يشرّع للترحيل القسري الجماعي او بشكل اوضح للطرد الجماعي للتونسيين في انتهاك صارخ للمعاهدات والمواثيق الدولية.

وتتطلب عملية الترحيل القيام بإجراءات إدارية معقدة، وخلال هذه الفترة يقع احتجاز المهاجرين من طرف السلطات الإيطالية. وعادة ما تنسب لهم جنح تتعلق بعدم امتلاكهم لهويات قانونية.

ويخضع المهاجرون غير النظاميين الى الوصم والفرز والتدقيق منذ وصولهم ولا يتم تقييم كل حالة على حدة ولا تقدّم لهم المعلومات والنصائح الضرورية حول حقوقهم.

في ظل غياب الشفافية والوضوح فإن عملية الترحيل القسري للمهاجرين غير النظاميين تشوبها خروقات قانونية وانتهاك صريح لحقوق وحريات المرحلين حيث يتعرّض المهاجرون إلى استخدام مفرط للقوة، والتعذيب، وضروب أخرى من سوء المعاملة، أو الاعتقال التعسفي والعنف خلال إجراءات أخذ البصمات والتي تتم في اغلب الأحيان عنوة كما انه لا يمكن الطعن في قرار الترحيل ولايحضى المهاجرون بالترجمة المحايدة ولا الدعم القانوني المناسب ليتم بعد ذلك طردهم جماعيا في مخالفة للبنود 3 و4 و14 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان كما ان القانون الدولي (اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 وبروتوكولها المعدل لعام 1967) يشدد على ضرورة احترام جملة من الشروط لإتمام عملية الترحيل .

السيد رئيس الجمهورية

وانتم تستقبلون الوفد الأوروبي – الإيطالي املنا ان تنتصروا لقيم الإنسانية وللحقوق والحريات ولتعاون ثنائي عادل يكرّس تبادل الحريات مع شركائنا ويحفظ سيادتنا وكرامة مواطنينا والعمل على ارساء استراتيجية وطنية حول الهجرة تكون متكاملة وادماجية وتحفض الحقوق والحريات.

السيد وزير الخارجية الإيطالية

السيدة وزيرة الداخلية الإيطالية

وانتم اليوم في تونس تريدون تحقيق رغبتكم في ترحيل عدد أكبر من المهاجرين الى تونس، نذكركم بأنكم قلتم ان إيطاليا تستقبل مهاجرين بأعداد اقل من السنوات السابقة (2015 – 2018) وان تونس تمرّ بأزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية وانكم دوما ترغبون في مساندة “التجربة التونسية”. ان دولتكم تعاني من نقص كبير في اليد العاملة في عديد القطاعات فلعله من الأجدر التفاوض مع تونس حول اتفاق يسهل هجرة العمال الموسميين.

ان عدم تعاونكم في قضايا المفقودين التونسيين في الهجرة غير النظامية وجه آخر لمسارات تعاون تريدونها فقط في اتجاه واحد كما ان الصور والفيديوهات الواردة من بعض مراكز الاحتجاز في إيطاليا تثبت انتهاكا ممنهجا جسديا ونفسيا لكرامة المهاجرين التونسيين.

ان كسبكم لثقة ناخبيكم ومواطنيكم لا يمر عبر انتهاك حقوق المهاجرين وتخويفهم وتهديد دول الجوار وابتزازهم بل عبر المساهمة في بناء فضاء متوسطي أكثر عدلا وسلما وتضامنا وضامنا للحقوق والحريات.

السادة مفوضي الاتحاد الأوروبي

نظريا، تعتمد الاتفاقيات الدولية على مبدأ التبادل بين الدول الاطراف والتي يفترض أن تتفاوض من منطلق المساواة. رغم هذا، يبدوا أن حرية التنقل بين تونس والاتحاد الاوروبي لا تمنح الا لطرف واحد.

أن الاتحاد الاوروبي من خلال سياسة التشدد في منح التأشيرات وجعلها انتقائية لفئات بعينها يعمق هوة التفاوت الاجتماعي ويكرس اللامساواة بين الطبقات الاجتماعية

ان الاتحاد الاوروبي يسعى الى مزيد انفتاح تونس على اوروبا من حيث تنقل البضائع والخدمات ورؤوس الاموال ولكن ليس من حيث حرية تنقل الافراد. رغم تأكيده انه يريد التأقلم مع سياقات ما بعد “الثورات” في المنطقة ومع التحديات التي تواجهها دولها.

على الاتحاد الأوروبي ودوله اثبات احترامه للحقوق والحريات لمواطني الضفة الجنوبية وما يسميه دعمه الدائم لتونس ودعوة دوله الأعضاء الى إطلاق سراح المهاجرين غير النظاميين التونسيين في مراكز الاحتجاز بإيطاليا واسبانيا وغيرها.

ان المكاسب السياسية والحقوقية في تونس هشة ومهددة بسبب تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالبلاد والذي تساهم في تعميقه شراكات غير عادلة وسياسات وممارسات تساهم في تعميق الازمة الاجتماعية بما يهدد بنسف المسار الديمقراطي بالبلاد.

السيدات والسادة صانعي القرار

ان الطاقات المؤمنة بالقيم الإنسانية والحقوق والحريات تواصل نضالها في تونس وإيطاليا والضفتين دفاعا عن حقوق المهاجرين وتساهم في انقاذ الأرواح وتعمل من اجل بحر ابيض متوسط وعالم اكثر تضامنا وسلاما ولن تثنيها المقاربات المعادية للهجرة والمهاجرين في الضفتين ولن تستسلم لقوانين او اتفاقيات توضع على المقاس تصادر الحقوق وتكرس التمييز.

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

الرئيس عبدالرحمان الهذيلي

هشام المشيشي … من الصف الثاني في الحكومات السابقة إلى قمة الهرم

موظف عمل مع «النظام القديم» واليساريين والإسلاميين
تونس: كمال بن يونس

فاجأ الرئيس التونسي قيس سعيّد الشعب والمراقبين عندما رشّح لتشكيل الحكومة الحالية وزير الداخلية في الحكومة المستقيلة هشام المشيشي وتجاهل 21 شخصية رشحتها الكتل البرلمانية والأحزاب، بينها بعض زعمائها وخبراء اقتصاد لديهم حضور دولي. وطرح كثيرون نقاط استفهام عن الدلالات السياسية والأمنية لترشيح وزير داخلية لرئاسة الحكومة. لكن المفاجأة الكبيرة الثانية كانت ترحيب غالبية الأطراف السياسية والبرلمانيين والإعلاميين بهذا الترشيح.

لوحظ أن بلاغات معظم الأحزاب اليسارية والليبرالية والعلمانية وحزب «حركة النهضة» وقياداتها نوهت بخصال هشام المشيشي وبينها «استقلاليته الحزبية ورصيده في الإدارة التونسية»، وفي الصف الثاني في مؤسسات الحكم عند ترؤسه مكاتب عدد من الوزراء منذ 2014، منهم عدد من رموز «النظام القديم» و«اليسار الراديكالي» و«النهضة».

أيضاً، نوّهت البيانات بـ«نزاهته وحياديته وانفتاحه على كل العائلات السياسية» خلال الأشهر الماضية، عندما عيّن مستشارا قانونيا للرئيس سعيّد ثم وزيراً للداخلية، فلم يعرف عنه أن تورط في النزاعات الحزبية والمعارك السياسية وصراعات أجنحة الحكم.

في المقابل استهدف قطاع من جمهور مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الشخصيات السياسية الرئيس التونسي بسبب تجاهله الأسماء التي اقترحتها الكتل البرلمانية في بلد ينص دستوره بوضوح على أن نظامها السياسي «برلماني معدل»، وأن البرلمان هو الذي يصادق على الحكومة ويراقبها.

– من «الجهات المهمشة»

لقد نوه عدد من السياسيين والجامعيين، كعالم الاجتماع والوزير السابق سالم الأبيض وزهير المغزاوي البرلماني وأمين عام حزب الشعب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» بـ«جرأة» الرئيس الذي رشح لرئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ البلاد شخصية ولدت في بلدة بوسالم، الفقيرة. وهي من «المدن المهمشة» في محافظة جندوبة القريبة من الحدود الجزائرية، حيث ترتفع نسب البطالة والفقر والأمية والجريمة مقارنة بالنسب الوطنية.

هذا الاختيار يسجل لأول مرة في تاريخ تونس التي تداول على المناصب العليا في الدولة فيها خلال الـ65 الماضية ساسة كان جلّهم من محافظتي سوسة والمنستير في منطقة الساحل السياحية، موطن الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي اللذين حكما البلاد بين 1955 و2011. وكان البعض الآخر من العاصمة تونس موطن الرئيس السابق الباجي قائد السبسي والرئيس المؤقت عام 2011 فؤاد المبزّع ورئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر. وكان تعيين إلياس الفخفاخ، أصيل مدينة صفاقس «عاصمة الجنوب والوسط الشرقي للبلاد»، رئيسا للحكومة قبل 5 أشهر، «التمرد الأول الذي قام به قيس سعيّد على الأعراف» عبر تجاهله لأبناء الساحل والعاصمة.

ومع تراكم معضلات البطالة والفقر والتهميش في المحافظات الداخلية للبلاد، وخاصة في الشمال الغربي، مثل جندوبة موطن هشام المشيشي، يرى مراقبون متخصصون أن رئيس الحكومة المكلف قد يحصل على «هدنة» من قبل زعماء النقابات والمنظمات التي تتزعم منذ 2010 الاحتجاجات الشبابية العنيفة على البطالة والفقر والتهميش والرشوة والفساد وتطالب بـ«حق الجهات الداخلية في مشاريع تنموية فورا».

– لا يحمل جنسية ثانية

من جهة أخرى، توقف عدد من المراقبين والشخصيات السياسية عند خصوصيات أخرى للمشيشي من بينها كونه لا يحمل جنسية ثانية خلافاً لعدد من رؤساء الحكومات السابقين من الشخصيات التي رشحتها الأحزاب لخلافة الفخفاخ. وكانت وسائل الإعلام والمنابر السياسية قد انتقدت حمل كبار السياسيين التونسيين جنسيات ثانية، منها الفرنسية، بينهم عدد من رؤساء الحكومات السابقين كيوسف الشاهد وإلياس الفخفاخ. ومع أن القانون والدستور يسمحان لحامل «أكثر من جواز سفر» بالاحتفاظ بجنسيته التونسية، شنت المواقع الاجتماعية حملة إعلامية على عدد من مرشحي الأحزاب لخلافة الفخفاخ بحجة أن «الجنسية المزدوجة التي قد تؤثر على الولاء وعلى الصفقات التي يبرمها مع الدولة التي يحمل جنسيتها». ويبدو أن هذه الحملة ضغطت عند اختيار المشيشي.

– ابن الإدارة.. وموالٍ للدولة

وقد نوهت شخصيات سياسية من رموز الدولة والحزب الحاكم قبل 2011 بما وصفته بـ«وطنية»، هشام المشيشي خريج «المدرسة الوطنية للإدارة في الجامعة التونسية»، وهي المؤسسة التي كانت دوما تابعة إدارياً لرئاسة الحكومة وموالية سياسيا للدولة والحزب الحاكم، ويوظّف خريجوها عادةً في مراكز القرار في مختلف الوزارات.

كذلك، يمنع على أي معارض أن يدرس في هذه الجامعة ـ ويطرد إذا ما أوقف بشبهة ممارسته أنشطة سياسية معادية لنظام الحكم. ومن ثم، فوضعية طلبتها لا تختلف كثيرا عن وضعية طلبة مدارس ضباط الأمن والجيش الوطني. لذا يصعب أن تجد بين خريجي «المدرسة الوطنية للإدارة» شخصيات بارزة من رموز المعارضة اليسارية والقومية والإسلامية، خلافا لخريجي بقية الكليات.

وقد شهدت المواقع الاجتماعية الرسمية لعدد من كوادر الدولة والإدارة منذ عقود، بينهم الوزير الطيب اليوسفي، مدير مكتب رئاسة الحكومة قبل انتفاضة 2011 وبعدها، ترحيباً بتعيين هشام المشيشي باعتباره «ابن الإدارة التونسية ـ ولم يتورط أبداً في الصراعات الحزبية التي استفحلت منذ انتفاضة 2011 وأساءت إلى مصالح البلاد وشعبها». كذلك نوه المدير العام في وزارتي التعليم العالي والخارجية سابقا الأكاديمي سعيد بحيرة بعدد من خصال المشيشي ومنها كونه «خبيرا في الإدارة والقانون وخريج المدرسة الوطنية للإدارة وجامعات الحقوق والقانون في تونس وفي مدينة تولوز الفرنسية».

هذا، ويجمع المراقبون أن من بين أسباب اختيار الرئيس سعيّد للمشيشي مستشاراً قانونياً في رئاسة الجمهورية في العام الماضي ثم وزيرا للداخلية في حكومة إلياس الفخفاخ، خبرته القانونية والإدارية وتخرّجه في الجامعة التي كان سعيّد أستاذاً فيها لمدة ربع قرن، بكلية الحقوق والعلوم السياسية تونس 2.

وما يُذكر أنه إذا كان الدستور يعطي الرئيس حق مشاركة رئيس حكومته في اختيار وزيري الدفاع والخارجية فإن سعيّد نجح في فبراير (شباط) الماضي في تعيين عدد من خبراء القانون على رأس عدة وزارات في حكومة الفخفاخ، بينهم المشيشي في الداخلية ونور الدين الري في الخارجية، وعماد الحزقي في الدفاع، وثريا الجريبي في العدل. وهو ما دفع بعض المنتقدين من التحذير من «الاستعاضة عن ديكتاتورية النظام القديم بديكتاتورية القضاة وخبراء القانون».

– عمل مع الإسلاميين واليسار

لكن نقطة قوة هشام المشيشي التي «قد تصبح يوما نقطة ضعفه الكبرى» حسب الكاتب الصافي سعيد هي أنه «مستقل عمل في الصف الثاني للحكومات السابقة مع سياسيين من مختلف التيارات». وحقاً، كان المشيشي مستشاراً ومسؤولاً في «الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد» التابعة للدولة. كذلك خاض منذ 2014 تجارب إدارية وسياسية في الصف الثاني في الحكومة، وترأس دواوين عدد من كبار الوزراء بينهم محمود بن رمضان اليساري والأمين العام السابق لـ«منظمة العفو الدولية» في لندن والقيادي السابق في الحزب الشيوعي ثم في حزب «نداء تونس»، وعماد الحمامي الناطق الرسمي السابق باسم «حركة النهضة»، ونايلة شعبان الحقوقية اليسارية والناشطة النسوية.

– رئيس حكومة شاب

في الوقت نفسه نوه مراقبون بكون رئيس الحكومة المكلف «من جيل الشباب»، فهو من مواليد عام 1974، أي أنه أصغر من سلفه إلياس الفخفاخ بسنتين وأكبر من يوسف الشاهد بسنة واحدة. وهكذا تطوى مرحلة «رؤساء الحكومات المخضرمين» الذين قادوا البلاد في المرحلة الماضية، مثل محمد الغنوشي والباجي قائد السبسي وحمّادي الجبالي والحبيب الصيد. أيضاً قد ينهي هذا التكليف مرحلة الجمع بين المسؤوليات الحكومية ولعب دور في عالم المال والأعمال مباشرة أو عبر أحد أفراد العائلة، كما شهدت تونس خلال العقدين الماضيين. ثم أنه يضع حدا للجمع بين رئاسة الحكومة والإشراف المباشر وغير المباشر على مكاتب استشارات وخدمات دولية ودراسات لديها عقود مع سفارات أجنبية في تونس أو مؤسسات دولية، خلافاً لما كانت عليه وضعيات بعض رؤساء الحكومات والوزراء في السنوات السابقة. ويبدو أن من أسباب استبعاد تكليف مرشحي الأحزاب والكتل البرلمانية لرئاسة الحكومة أن عددا منهم يشتبه في تورطهم في قضايا «تضارب مصالح» و«الشراكة مع مؤسسات أوروبية ودولية وعربية».

– يعرف الملفات الأمنية

إلا أن البعد الأهم في السيرة الذاتية لهشام المشيشي هي مروره بوزارة الداخلية لمدة 5 أشهر. والسؤال الكبير الذي طرحته وسائل الإعلام والشخصيات السياسية من مختلف الأطراف بعد تصريحات الرئيس سعيّد عن «المخاطر الأمنية الداخلية والخارجية» التي تهدد البلاد هو: هل يعتبر الرئيس أن على رأس أولويات الحكومة المقبلة الملفات الأمنية، ولذلك اختار أن يرشح وزيرا للداخلية؟

معظم المصادر ترجح ذلك، خاصة أن معلومات شبه مؤكدة تؤكد أنه اقترح أول الأمر على وزير الدفاع عماد الحزقي تكليفه بتشكيل الحكومة، لكن الحزقي اعتذر «لأسباب شخصية». ولكن هل سينجح هشام المشيشي وحكومته في رفع التحديات الأمنية والاجتماعية الكبيرة التي قد تستفحل بسبب مضاعفات جائحة «كوفيد – 19» ولا سيما على الاقتصاد والسياحة؟ الإجابة تبدو رهينة عوامل كثيرة، بينها «سيناريوهات» تطور علاقات قصر قرطاج الرئاسي بالبرلمان والحكومة وشركاء تونس الدوليين.

الموفد الأميركي لإيران : نظام طهران خطر على شعبه والمنطقة

تونس: كمال بن يونس

اعتبر برايان هوك الموفد الأميركي لإيران وكبير مستشاري وزير الخارجية الأميركية، أن سلطات طهران تمثل خطراً ليس على دول المنطقة فحسب، بل على شعبها أيضاً. وقال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن طهران تدعم الإرهابيين والمتمردين في اليمن والخليج ولبنان وإسرائيل، موضحاً أنه أجرى محادثات في تونس – العضو غير الدائم في مجلس الأمن منذ مطلع العام – وذلك ضمن جولة ستشمل دولاً خليجية وأوروبية في شأن تمديد مجلس الأمن حظر الأسلحة المفروض على إيران منذ 13 عاماً والذي ينتهي في 18 أكتوبر المقبل (تشرين الأول).

وكشف هوك تفاصيل عن فحوى محادثاته الهادفة إلى تصعيد العقوبات الأميركية ضد طهران ومبرراته «في ظل تمادي النظام الإيراني في تصدير الأسلحة الثقيلة لدول الجوار، فضلاً عم دعمه الإرهاب والميليشيات المسلحة في اليمن والخليج وعدد من دول المنطقة والعالم».

وفي ما يلي نص الحوار:

> السيد برايان هوك، ما هي الخطوة المقررة في مستوى مجلس الأمن الدولي بالنسبة لحظر الأسلحة على إيران؟

– عملياً، لدينا مشروع نسعى لأن تصادق عليه كل الدول الأعضاء في مجلس الأمن، سواء كانت دائمة العضوية أم لا. ومن المهم تمديد تلك العقوبات التي بدأت قبل 13 عاماً لأن القرار الحالي ينتهي مفعوله في 18 أكتوبر (تشرين الأول) القادم. وعدم تمديد هذا القرار سيعني مزيداً من الأخطار على كل شعوب المنطقة ودولها وعلى أصدقائنا في الخليج وفي العالم. إن عدم تمديد هذا القرار سيعني مزيداً من تصدير الأسلحة من إيران إلى اليمن وسوريا والعراق ولبنان، ومزيداً من الأسلحة الإيرانية لحزب الله اللبناني وحركة حماس وغيرها. نحن نرفض ذلك جملة وتفصيلاً، ونعتبر أن من مصلحة شعوب المنطقة ودولها دعم جهود التنمية وتحسين أوضاع الشعوب والقضاء على الأسباب العميقة للتطرف والإرهاب، ومن بينها الفقر والاستبداد وغياب الحكومة الرشيدة.

> وما هي الخطوات القادمة في تحرك الإدارة الأميركية دعماً لهذا التوجه السياسي؟

– سوف أقوم بزيارات إلى عدد من الدول الأوروبية والدول العربية، خاصة في الخليج العربي، لتفسير مستجدات التهديدات الإيرانية لدول المنطقة وضرورة تمديد حظر الأسلحة عليها. لن أقدم مزيدا من التفاصيل لأسباب أمنية وسياسية، ولكن أتابع مع سفراء الولايات المتحدة في العالم تحركاتهم لتفسير المساعي الأميركية حتى يمدد مجلس الأمن الدولي قرار حظر الأسلحة على إيران، إلى جانب عقوبات أخرى ستبقى مفروضة على عليها، من بينها العقوبات الاقتصادية.

> ما هو رأيكم في وجهة النظر التي قد تنتقد بعض السياسات الأميركية خاصة في عهد إدارة ترمب، ومن بينها اتهامها بفرض عقوبات على الشعوب وليس على الأنظمة، لأن الشعوب هي التي تتضرر من العقوبات وليس السلطات؟

– هذا ما تروجه السلطات الإيرانية، ولكن الواقع مغاير بذلك فقد لاحظنا منذ شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي مظاهرات ضد السلطات الإيرانية بسبب سياساتها الداخلية وإهدارها مئات المليارات منذ 41 عاما في التسلح والحروب عوض إنفاقها في برامج التنمية والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والتربوي وتحسين الظروف المعيشية للشعب. لقد كشفت التقارير المصورة من داخل المدن الإيرانية والعاصمة طهران أن آلاف المتظاهرين كانوا يتجنبون المشي فوق صورة علم الولايات المتحدة الأميركية الذي رسمته السلطات وكانوا يسيرون بجانبه ثم يعلنون أنهم سئموا افتعال الحروب والمعارك مع الولايات المتحدة ومع العالم وإنفاق أموال الشعب في الحروب والتسلح بدلاً عن تحسين الخدمات الطبية والاجتماعية وظروف ملايين الفقراء والشباب العاطل عن العمل. نحن لا نطلب التدخل في شؤون إيران الداخلية ولكننا نرفض السماح بتصدير مزيد من الأسلحة إليها لأنها سوف تنشرها في المنطقة لمزيد نشر الحروب والتوتر في العراق وسوريا واليمن ولبنان وفي بقية البلدان المجاورة لها.

> تزور تونس لأول مرة، ما هو سياق هذه الزيارة وماهي نتائجها؟

– فعلا هذه هي الزيارة الأولى التي أقوم بها إلى تونس ودول شمال أفريقيا منذ تكليفي بمسؤولية ملف إيران. وقد سعدت خلال هذه الزيارة بمقابلة مسؤولين كبار من رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية وتحادثنا حول التعاون بين الولايات المتحدة وتونس العضو حالياً في مجلس الأمن الدولي، وهو تعاون برز منذ مدة معها ومع الدول العربية والأفريقية بما في ذلك ما يتعلق بمشروع تونس حول تفعيل دور الأمم المتحدة في مكافحة كورونا. كما دعمت تونس المشروع الأميركي الدولي لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى سوريا.

لقد تعلمت منذ كنت طالباً الكثير عن إمبراطورية قرطاج وعن ترجمة الإنجيل في كنائس عاصمة شمال أفريقيا في العهدين البونيقي والروماني ودورها الثقافي والاقتصادي والسياسي وقتها، وسعدت بزيارة قرطاج وتونس تستعد لتشكيل حكومة جديدة، سندعم التعاون معها اقتصاديا وعسكريا وأمنياً بما في ذلك في مجالات مكافحة التطرف والإرهاب ودعم الحلول السياسية والسلمية للحرب في ليبيا ولأزمات الشرق الأوسط، بما فيها النزاع العربي الإسرائيلي والتهديدات الإيرانية لدول المنطقة وتصديرها للأسلحة ودعمها للميليشيات المورطة في العنف والإرهاب…

> زيارتكم إلى تونس وهي تحيي عيد الجمهورية وتستعد لتشكيل حكومة جديدة، هل كان الهدف منها مجرد إقناع سلطاتها بتمديد الحظر العسكري الأممي ضد إيران باعتبار أن تونس عضو في مجلس الأمن الدولي؟

– طبعا نحن نقدر دور تونس في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، والسياسة الخارجية التونسية كانت دوما معتدلة ومعارضة للإرهاب والعنف ولسياسات التدخل العسكري الأجنبي في الدول. نحن قمنا منذ 13 عاما مع مجلس الأمن الدولي بأعضائه الدائمين الخمسة وبقية الأعضاء غير الدائمين بحظر الأسلحة على إيران لكي لا تزيد من تصدير الأسلحة لدول الجوار وللميليشيات المسلحة التي تدعمها في كثير من المناطق من اليمن إلى لبنان مروراً بالعراق وسوريا. صحيح أن تونس ليست مستهدفة حاليا بخطر الأسلحة الإيرانية والميليشيات المسلحة لكنها دولة تساند مثل الولايات المتحدة وبقية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن سياسات منع العدوان الخارجي والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومن بينها الدول الصديقة في الخليج والمشرق العربي ولبنان وسوريا.

تونس شريك قوي للولايات المتحدة الأميركية، وقد أصبحت منذ أعوام دولة تتمتع بوضعية «عضو مميز» في الحلف الأطلسي يستفيد من حقوق كل الأعضاء في الحلف دون أن يكون عضوا فيه. هذه الوضعية منحتها حقوقا جديدة من بينها ترفيع الشراكة الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية، وقد تجاوز الدعم العسكري والأمني لتونس بعد تغيير الحكم في عام 2011 المليار دولار وناهز الدعم الاقتصادي ضعف هذا المبلغ وهو مرشح لأن يتضاعف بفضل مجموعة من الآليات والتحركات المشتركة التي تجري منذ مدة في واشنطن وتونس من بينها زيارات وفود من وزارات التجارة والمؤسسات الحكومية والشركات الأميركية العملاقة. ونحن لدينا برامج شراكة وتنسيق مع تونس لمكافحة الإرهاب في ليبيا ودول شمال أفريقيا ودول الساحل والصحراء، ونلتقي مع تونس في دعم خيار التسوية السياسية السلمية في ليبيا واستبعاد خيار العودة إلى التصعيد العسكري والنزاع المسلح فيها.

> وهل بحثتم في تونس ملفات التدخل العسكري والأجنبي في ليبيا بعد المواقف التي صدرت في مؤخراً في واشنطن عن الحرب الليبية؟

– واشنطن تدعم التسوية السياسية والسلمية للحرب الليبية، ونحن نعارض بوضوح تدخل بعض الدول بأسلحة وقوات أجنبية في ليبيا تابعة لها سواء كانت جيوشاً نظامية أو ميليشيات من المرتزقة أو العصابات المسلحة التي تجلب من مناطق النزاعات الأخرى. ونحن نعتقد أن تونس ودول جوار ليبيا سوف تكون أول مستفيد من نجاح جهود التسوية السياسية للأزمة الليبية ولوقف الحرب وخروج القوات الأجنبية ومنع تركيز قواعد وأنظمة صواريخ تابعة لها على الأراضي الليبية. من حق الدول أن تكون لديها مصالح اقتصادية في ليبيا وخارجها لكن لا بد من منع التدخل الأجنبي فيها.

> هل لن تتغير أولويات السياسة الخارجية الأميركية في العالم العربي الإسلامي وفي الخليج، خاصة بعد الانتخابات الرئاسية القادمة التي قد تؤدي إلى انتخاب رئيس ديمقراطي خلفاً للرئيس ترمب؟

– نحن نثق في أننا أنصار دونالد ترمب والجمهوريين، سنكسب الانتخابات وأننا نستعد لعهدة ثانية بعدها. وأعتقد أن ثوابت السياسة الخارجية هي نفسها ومن بينها رفض التدخل الإيراني في دول الجوار وتمديد فرض حظر الأسلحة عليه.

“عدالة” فوق العدالة ! ! ! بقلم عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

“فرضنا عقوبات على أعضاء المحكمة الجنائية الدولية، وسوف تُتخذ الإجراءات المناسبة في حال إقدامها على إصدار قرارات بشأن الجنود الأمريكيين… ونرفض قرارات المحكمة التي تتعلّق بإسرائيل ، ولن نقبل أن يمس أحد أفرادنا وحلفاءنا…” هذا ما قاله مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي في مؤتمر صحفي عقده نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس ، ضمّه إلى وزير العدل ويليام بار ووزير الدفاع مارك أسبر ومستشار الأمن القومي روبرت أوبراين.

وإذا ما عرفنا أن هذا الكلام يقال بمناسبة صدور أمر تنفيذي من الرئيس دونالد ترامب تحت عنوان “حماية الأمن القومي الأمريكي” ، سندرك أهمية ، بل خطورة ، مثل هذا الكلام الذي يأتي عقب اتخاذ المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية قراراً في شهر مارس (آذار ) المنصرم، قضى بالمضي بتحقيقات بخصوص الجرائم التي ارتكبها الجنود الأمريكان في أفغانستان ، حيث خدم فيها نحو 800 ألف جندي منذ غزوها العام 2001 ولغاية العام الجاري 2020 ، وكانت واشنطن قد قررت الانسحاب من أفغانستان بعد توقيع اتفاقية مع تنظيم طالبان في فبراير (شباط) الماضي 2020.

أما روبرت أوبراين فقد أضاف على كلام بومبيو بأن واشنطن ستفرض عقوبات على مسؤولي المحكمة وعائلاتهم في حال اتخاذها إجراءات ضد جنود الجيش الأمريكي وأفراده، وزاد على ذلك وليام بار اتهام المحكمة بالفساد مؤكداً أن النظام القضائي الأمريكي هو أفضل من أي نظام، وقال إن القرار يهدف إلى الدفاع عن “السيادة الأمريكية” وأن المحكمة تستهدف “العدالة الأمريكية”.

وقارب مارك أسبر المسألة من زاوية أخرى حين قال: لن نسمح بمحاكمة مواطنين أمريكيين بقضايا ” غير شرعية”، وأن رجال ونساء الجيش الأمريكي لن يمثلوا بأي حال من الأحوال أمام المحكمة الجنائية الدولية، وإننا نعمل على دعم القانون وحقوق الإنسان.

وتطرح هذه المعطيات ثلاث قضايا قانونية دولية أمام الباحث:

أولها- لمن العلوية للقانون الوطني أم للقانون الدولي؟ وهي إشكالية قديمة- جديدة، وإذا كان هناك في واشنطن من يقول سمو القوانين الأمريكية على جميع القوانين، لأنها الأفضل والأرقى، فلماذا تطالب الولايات المتحدة دول العالم وشعوبها بالخضوع للقانون الدولي؟ ولعلها لا تتحرّج عن مثل هذا التناقض الصارخ الذي لا يقبله المنطق القانوني ولا ترتضيه الدول مهما كانت صغيرة أم كبيرة.

وثانيها- فكرة السيادة، التي لم تعد “مطلقة” ، بل إن واشنطن هي من أوائل الدول التي بشّرت بهدم مبدأ السيادة التقليدي واعتبار قاعدة حقوق الإنسان ذات سمة أرقى من بقية قواعد القانون الدولي المعاصر، وكانت تصرّ خلال صراعها الآيديولوجي مع المعسكر الاشتراكي على ذلك، ونجحت في تثبيت هذه القاعدة العلوية كقاعدة مستقلة في مؤتمر هلسنكي للأمن والتعاون الأوروبي العام 1975 الذي حضرته مع كندا، إضافة إلى 33 دولة أوروبية ، فكيف لها أن تقول بتقدّم السيادة على حقوق الإنسان؟

وثالثها- موضوع العدالة الدولية وعلاقتها بالعدالة الأمريكية ، فكيف تهمل واشنطن ما تراكم من قواعد قانونية دولية ذات صفة إنسانية فيما يسمى بالقانون الإنساني الدولي، وخصوصاً اتفاقيات لاهاي لعام 1899 و1907 واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، وتضع نظامها القضائي فوق النظام القضائي الدولي، بل تهدّد الأخير بالعقوبات ، ضاربة عرض الحائط التراكم الدولي التاريخي على هذا الصعيد.

والسؤال اليوم إذا كانت واشنطن ترفض إخضاع جنودها للمحكمة الجنائية الدولية التي تأسست في روما العام 1998 وسبق لها أن انضمت إليها ومعها “إسرائيل”، ولكنها حين دخلت حيّز التنفيذ العام 2002 انسحبت منها ومعها حليفتها ، فكيف تسمح لنفسها اليوم أن تلاحق قادة دول ومنظمات وحركات تحرّر شعبية وفقاً لقوانينها في حين أنها ترفض مثول أفرادها للقضاء الدولي عن جرائم ارتكبوها بحق شعوب ودول مستقلة بموجب مواثيق واتفاقيات دولية، من جانب محكمة تتلقّى ملفات يحيلها إليها مجلس الأمن الدولي في الكثير من الأحيان؟

ومن المفارقة أن واشنطن حين تتحلّل من القوانين الدولية وتزدري القضاء الدولي، تسمح لنفسها بفرض قوانينها الخاصة على الآخرين، كما هو “قانون قيصر” الذي دخل حيّز التنفيذ ضد سوريا بفرض حصار مشدّد عليها وعقوبات على من يتعامل معها، باعتبارها صاحبة ” حق” يميل معها حيثما تميل ، مثلما قامت بقصف مدينتي هيروشيما ونكازاكي اليابانيتين بالقنابل الذرية في العام 1945 عشية انتهاء العمليات الحربية، واستخدمت ” سياسة الأرض المحروقة” في حربها ضد فيتنام ومارست حصاراً ضد كوبا لمدة 6 عقود من الزمان، واحتلت أفغانستان بزعم القضاء على الإرهاب الدولي، وكانت قد فرضت حصاراً شاملاً ضد العراق لأكثر من 12 عاماً استهدفت منه تجويع وإذلال شعب كامل ، ثم قامت باحتلاله وتدمير الدولة العراقية بجعلها عرضة للعنف والإرهاب وفرضت عليها نظاماً طائفياً إثنياً؛

فعن أي عدالة نتحدث وكيف يمكن مساءلة المرتكبين عن جرائم دولية حسب القانون الدولي؟!