كلمة وزير الدفاع الأمريكي مارك ت. إسبر في المقبرة الأمريكية في شمال أفريقيا – قرطاج – تونس

طاب يومكم جميعا.

نشكر السفارة الأمريكية في تونس على استضافتنا ، كما نشكر الهيئة التذكارية لنصب المعارك الأمريكية على تخصيصها لهذه الأماكن المباركة وحسن صيانتها.

يشرفني أن أكون بينكم هنا بالمقبرة الأمريكية في شمال أفريقيا، المرقد الأبدي لما يزيد عن 2800 جندي وجندية بواسل قاتلوا في شمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية وأكثر من 3700 بطل تخلد ذكراهم أسماؤهم المحفورة على جدار المفقودين.

لقد قاتل هؤلاء الجنود والبحارة والطيارون ومشاة البحرية وأعوان خفر السواحل والبحرية التجارية إلى جانب شركائنا وأصدقائنا في حملة شمال إفريقيا، فأوفوا بقسمهم بالذود عن الولايات المتحدة ودستورها ضد قوى الشر. لم يكتف هؤلاء بتقديم أرواحهم دفاعا عن الحريات التي ننعم بها اليوم، بل علمتنا تجاربهم في القتال أيضا دروسا حيوية لا يزال يرتسم صوابها بعد نحو ثمانية عقود، دروس ينبغي علينا تدبرها في قادم السنوات.

اندلع القتال في شمال إفريقيا عندما حاولت دول المحور قطع الإمدادات وخطوط الاتصال عن الحلفاء في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وأدرك الرئيس روزفلت التهديد الذي تمثله سيطرة دول المحور على المنطقة، فأطلق عملية “تورش” في العام 1942، والتي مثلت أول دخول رئيسي للقوات الأمريكية في مسرح القتال ذاك وأكبر حملة أمريكية في القارة. تكبد الحلفاء خسائر مبكرة في القتال، فتكيفوا مع الأوضاع ببناء قوتهم القتالية وإجراء تغييرات في القيادة والتنسيق بين القوات الجوية والبحرية لمهاجمة مواقع العدو وخطوط الإمداد.

أثبت تعاون الحلفاء زهاء ثلاث سنوات من القتال لزامه لتحقيق النصر سنة 1943 وتحرير المغرب العربي من سيطرة دول المحور. كما أمن طرق الإمداد الإستراتيجية في شمال إفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط​​، وهيأ الحلفاء لتحرير أوروبا. وبيّن انتصارنا ما تبلغه الدول من قوة إذا تماثل عزمها وتآزر صفها ضد الاستبداد وعلّمنا أن التكاتف في القتال سبيل الفوز فيه.

أدى نجاحنا المشترك في الحرب العالمية الثانية إلى إنشاء نظام دولي بعدها ضمن السلام والاستقرار والازدهار في مختلف أنحاء العالم على مدار الـ75 عاما الماضية، ولكن هذا النظام العالمي القائم على قيم الحرية والسيادة وحقوق الإنسان التي تجمعنا يتعرض لضغوطات في زمن تنافس القوى العظمى هذا.

تواصل اليوم الصين وروسيا – منافسانا الاستراتيجيان – ترهيب جيرانها وإكراها، وهي توسّع نفوذها الاستبدادي في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك هذه القارة. وفي الوقت عينه، لا يزال المتطرفون العنيفون يشكلون خطرا على الاستقرار الإقليمي وعلى وطننا أيضا. تمثل شراكة الولايات المتحدة الثابتة مع البلدان التي تشاطرها رؤياها – بما في ذلك بلدان شمال أفريقيا – المفتاح لمواجهة هذه التحديات.

تساعد وزارة الدفاع ضمن جهودنا المشتركة على تعزيز قدرات شركائنا الدفاعية وعلى إضعاف المنظمات المتطرفة العنيفة والتهديدات العابرة للحدود. كما نقدم المساعدات الإنسانية والإغاثة للمجتمعات المحلية عند الكوارث. ونواصل أيضا مواجهة سلوكات بكين وموسكو التي تعتمد الخبث والقسر والسلب والتي تهدف إلى تقويض المؤسسات الأفريقية وتقويض السيادة الوطنية وتقويض الاستقرار واستغلال الموارد في مختلف أنحاء المنطقة.

نلتزم في أعمالنا بحسن النية ويحدونا تطلع صادق إلى أن تكون أفريقيا أكثر أمنا واستقرارا وازدهارا تنجم عن تنمية سياسية واقتصادية تقودها أنشطة تجارة واستثمار متبادلة حرة ومنصفة تحترم سيادة الدول جميعها.

تواصل الولايات المتحدة بصفتها الشريك العالمي المفضل تعميق تحالفاتنا وشراكاتنا في مختلف أنحاء القارة الأفريقية، بما في ذلك مع تونس، حيث مكن الحكم الديمقراطي وسيادة الدولة فيها من إنجاز الكثير من عملنا في المنطقة. نتطلع إلى توسيع هذه العلاقة لمساعدة تونس على حماية موانئها البحرية وحدودها البرية، وردع الإرهاب، ودرء المساعي المفسدة للأنظمة الاستبدادية عن بلادكم فيما نبني علاقات أوثق مستلهمين روح من وضعونا على هذه الطريق.

ينحدر الأبطال المسجّون على هذه الأرض من مختلف بقاع الولايات المتحدة ومن كافة المستويات الاجتماعية. لقد أتوا للقتال من أجل الدستور الأمريكي ومن أجل قيمنا المشتركة ومن أجل المثل العليا التي تحدد الآن معالم نظامنا العالمي الذي تضبطه أصول وقواعد. ونذكر من بينهم الجندي نيكولاس مينو، وهو مهاجر بولندي تخلى عن رتبته كرقيب في الجيش الأمريكي ليلتحق بالقتال خلال الحرب العالمية الثانية، في الجزائر أولا ثم في تونس.

منح الجندي مينو وسام الشرف بعد وفاته تكريما لدكه بشكل منفرد موقع مدفعية رشاشة للعدو تحت وابل من الرصاص واستمراره في التقدم حتى سقوطه قتيلا.

ومن الأبطال الآخرين الذين تظهر أسماؤهم على شواهد القبور وجدار المفقودين قادة مثل الملازم الثاني جيمس ماكولين والملازم الأول شيرمان وايت، وهما طياران من توسكيجي. وقد رافق هذان الطياران الأمريكيان من أصل أفريقي قاذفات ونفذا مهام أخرى ساعدت في تغيير المسار الذي اتخذه الجيش الأمريكي.

نذكر من الرواد الآخرين الجندي الأول روز بوشالا وأليس ماكيني من الفيلق النسائي، فقد وضعت مساهماتهن طوال فترة الحرب حجر الأساس لقوات مسلحة قوية وقادرة ومتنوعة دئبنا على بنائها وتمتينها منذ ذلك الحين.

نقف اليوم باعتزاز بفضل التضحيات التي قدمها هؤلاء الرجال والنساء الذين سبقونا. نكرمهم ونكرم جميع من يخدمون في مختلف أنحاء العالم اليوم ويتركون بصماتهم وهم يدافعون عن قيمنا إلى جانب حلفائنا وشركائنا. كما فعلنا عندما وصلنا إلى هذه الأرض التاريخية في العام 1942، ستواصل الولايات المتحدة في قادم الأيام حماية قضايا الحرية الخالدة وتحصين سيادتنا وقيمنا ودعم النظام الدولي القائم الذي تضبطه المعايير والذي يعود بالمنفعة على بلداننا.

شكرا جزيلا على حسن استماعكم.

 

زھیر مخلوف یرد على أنیس الحمایدي حول تصریحاته بالندوة الصحفیة.

ردّا على ما أورده السید أنیس الحمایدي في ندوته الصحفیة بتاریخ 17 سبتمبر 2020 ونقلته عدید وسائل الإعلام حول زعمه تدخّل الوكیل العام للجمھوریة بنابل لفائدتي في موضوع قضیّتي وقضایا أخرى في الولایة أعلمك أنه :
أولا : تم استدعائي في الیوم الثاني من الحادثة بعد تعھد النیابة العمومیة بالقضیة مباشرة وقدمت أقوالي لدى قلم البدایة – الشرطة- وتمت المكافحة مع الضدّ وبقیت في حالة سراح وقد أحیلت القضیة في الیوم الموالي على حاكم التحقیق الذي تعھّد بھا واستمع إليّ وإلى الطرف المقابل وتركني في حالة سراح أیضا,وھي إشارة كافیة لك ولغیرك. وأعلمك أنني لم ألتق بنیابة عمومیة أو وكیل جمھوریة حینھا ولم أصادف في حیاتي أن التقیت بوكیل الجمھوریة أو
بالوكیل العام المذكور لا قبلا ولا بعدا ولم تربطني به علاقة بأي شكل من الأشكال سواء كانت مباشرة أو غیر مباشرة ولم یخطر ببالي یوما أن أربط علاقة بأي قاض من القضاة حتى وأنا نائب رئیس ب”ھیئة الحقیقة
والكرامة” ولا حتى في أحلك الفترات التي مررت بھا في ھذه القضیة المفتعلة، وذلك لسبب بسیط ھو أني مؤمن ببراءتي ومؤمن بأن الله ھو الكفیل بإظھار البراءة والحقیقة.
ورغم أني حوكمت ظلما في مناسبات سابقة أیام قمع بن علي كلفتني السجن في 3 محطات متفرقة بلغ مجملھا 3 أعوام إلا أني بقیت أؤمن أن القضاء لا بد أن یبقى مستقلا ومحایدا وقویا ونبیلا وأن تبقى ساحته من أشرف الـساحات وأقدسـھا ،كونھم في الأصل حاملوا لواء الحق والعـدل والـساھرون على محاولـة تحقیقـه.
ثانیا : أعلمك أنني لم أكن نائبا بالبرلمان حین تعھّد بقضیتي حاكم التحقیق وبالتالي لا دخل للوكیل العام بملفّي ولا صحة للغمز الذي ادعیته أنت “سیدي” الحمایدي ووصفتني فیه بالنافذ.
ثالثا : من أول یوم بالبرلمان قدّمت وثیقة ممضاة لحاكم التحقیق عبر المحامي تخلّیْت فیھا عن حصانتي إیمانا مني بضرورة حسم الملف بعیدا عن التوظیف السیاسي أو التمسك بالحصانة واعتقادا باستقلالیة المرفق القضائي وإیمانا مني ببراءتي .
رابعا : لقد ضغطت “سیدي” أنیس الحمایدي أنت وزمیلتك بالجمعیة من خلال استعمالكما للإعلام وكافة الوسائل سابقا وحاليا لتثبیت الاتھام ضدي بشتى الطرق الأمر الذي كان وسیكون سببا في التأثیر السلبي على مجریات القضیة وھو ما أعتبره جرما في حقّي وفي حق المسارات القضائیة التي لم تُحسم بعدُ بشكل نھائي فضلا عن تأثیرك المباشرة بمثل ھذه الاتھامات على حیاد المرفق القضائي ومسّا بسلطة القضاء واستقلاله.
خامسا : لقد تعرّضتُ إلى حملات شعواء من جمعیات مشبوھة تجھل مضمون القضیة وحیثیات الحادثة وصبرت وسكتّ ،وتعرّضت إلى حملات إعلامیة غیر مسبوقة في الإذاعات والتلفزات والوسائط الإلكترونیة ورغم ذلك صبرت ولُذتُ بالصمت واحتسبته مثوبة عند الله وذلك لاعتقادي الراسخ بعبثیة جدوى توظیف الإعلام للتأثیر على القضاء, وتعرّضت كذلك إلى توظیف ضاغط من طرف أحزاب سیاسیة معلومة استغلت الحادثة والصورة لتجییرھا في غیر حقیقتھا ولتضلیل الرأي العام من أجل الانتقام من خصم سیاسي بشكل رخیص ومبتذل ومقذع،ورغم ذلك اصطبرت حسرة وألما انتظارا لحسم الملف من طرف السلطة القضائیة فحسب.
ولكن أن یقتحم معركة التشویه قضاة یزعمون أنھم یناضلون من أجل استقلال القضاء وحیاده فھو لعمري من أسوإ ما یمكن أن یخرّب البلاد والمرفق القضائي وینال من القواعد الأساسیة المنصوص علیھا في مبادئ الأمم المتحدة القاضیة بأن “تفصل السلطة القضائیة في المسائل المعروضة علیھا دون تحیز على أساس الوقائع ووفقا للقانون،
ودون أیة تقییدات أو تأثیرات غیر سلیمة أو أیة إغراءات أو ضغوط أو تھدیدات أو تدخلات، مباشرة كانت أو غیر مباشرة من أي جھة أو لأي سبب”.وأنت “السید” أنیس وما أتیته بتصریحاتك قد خرقت أھم المبادئ الأممیة التي كان الأجدر أن یتشرّبھا ضمیرك ولكن شتان بین الثرى والثریّا.
سادسا :إن ما اجترحته من ذكر أسماء بعض المتقاضین في خرق واضح للدستور التونسي یجعلك في دائرة الاتھام ونترفع عن ذلك ولكن لا نحتاج إلاّ أن نذكّرك بالدستور التونسي في فصله 102 الذي ینص على أن: “القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلویة الدستور، وسیادة القانون، وحمایة الحقوق والحریات…والقاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغیر القانون ” .كما یجدر بي إعلامك أن قاضي التحقیق ھو من حقّق في القضیّة وھو المھیمن على ملفه ولا دخل للوكیل العام في الموضوع وكل اتھاماتك لزملائك قد ینال من المبدأ الثامن للأمم المتحدة “یسلك القضاة دائما لدى ممارسة حقوقھم مسلكا یحفظ ھیبة منصبھم ونزاھة واستقلال القضاء”.وأنت “سیدي” لم تحفظ ھیبةً لمنصبك وصفتك أو احترامًا لزملائك وحیادھم ولم تحفظ ثقةَ المتقاضین بسلطتكم .أذكرك أن الفصل 108 من الدستور ینصّ على أنه “لكل شخص الحق في محاكمة عادلة في أجل معقول ,والمتقاضون متساوون أمام القضاء…وحق التقاضي وحق الدفاع مضمونان…ویُحجر التدخل في السیر العادي
للقضاء. ” وأنت بصنیعك قد تدخلت في السیر العادي للقضاء قبل الحسم النھائي في الملف واستعملت صفتك للتأثیر على مسارات التقاضي ووظفت الإعلام لتثبیت الاتھام ظلما وعدوانا مستعملا اسمي وذلك للتشكیك في أھم مؤسسة قضائیة منتخبة وھي المجلس الأعلى للقضاء ورموزه وھو ما یؤكد المُسلّمة التي تقول بأنك بصدد تصفیة حساباتك
الشخصیة فحسب على حساب المتقاضین وعلى حساب الدور الرئیسي الموكول للمرفق القضائي الحامي لحقوق الإنسان والحریات الأساسیة كما حمایة الضحایا، أو من یحتمل أن یكونوا ضحایا ودوره كذلك في ضمان حصولھم على سبل الإنصاف الفعالة ومحاكمة عادلة طبق ما تقتضیه المواثیق الدولیة والدستور التونسي. وأنت بتصریحاتك
قد عبثت بھذه المبادئ الكونیة والعالمیة والقیم الدستوریة الدنیا. فضلا عن أخلاقیات المھنة وشرفھا.
سابعا : أرید أن أذكرك بما نصت علیه اللجنة المعنیة بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة إلى أن” الحق في محاكمة حیادیة ونزیھة یرتبط ارتباطا وثیقا بالضمانات الإجرائیة الممنوحة للدفاع. وأذكرك بتعریفات المحكمة الأوربیة عن تعریف الحیاد “بأنه عدم التحیّز أو إظھار العداء أو إظھار التعاطف إلى أيّ من طرفي التقاضي”ویجدر أن أذكرك أیضا بما نص علیه المیثاق الأوروبي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة على “وجوب امتناعھم عن أي فعل أو سلوك .وھا أنك وأنت تحمل صفة القاضي قد عصفت بھذه المُسلّمات ونسفت ضماناتنا الإجرائیة الدنیا في الدفاع وأظھرت عداء لأحد طرفي التقاضي وشككت في زملائك وفي حیادیة المرفق كله ونسبت كذبا وزورا اتھامات للجمیع بشكل مقرف, وھو ما دفع المجالس القضائیة قاطبة باتھامك أنك غیر مسئول وبصدد تصفیة الحسابات وأنك مشھّر وماس بسمعة القضاء ولا تؤمن بالمؤسسات الدستوریة ولا بالھیئات والسلطات المنتخبة, ولا تؤمن بنتائج الانتخابات كما ویعزز ھذه الاتھامات جل مواقفك التي أصدرتھا منذ سبتمبر 2016.
ثامنا :أرید أن أذكرك أننا وفي زمن الجمر وأیام قمع بن علي ویوم كنت أنت ماسكا بحواف ملف “الحوض المنجمي” ومؤثرا فیه، كنا نحن نناضل من أجل استقلالیة القضاء وحیاده وتحملنا وزر المضایقة مع زملاءك
الأشاوس السیدات والسادة الأفاضل كلثوم كنو واحمد الرحموني وروضة العبیدي ولیلى بحریة وحمادي الرحماني وغیرھم كثیر . وھا أننا نجد أنفسنا نقطّع نواجذنا أن أصبح بعض قضاة الجمعیة التي ناضلنا معھا ومن أجلھا تھتك ستر المناضلین الأبریاء وتكذب علیھم وتنال من المحاكمات العادلة وتتدخل في شأن المسارات القضائیة وتمس من ھیبة القضاء الذي طالما ظلمنا وسجننا زمن الجمر في أكثر من مناسبة . وكنا نتمنى منك ومن زمیلتك مراكمة استقلالية المرفق القضائي وتجنب التأثیر في المسارات القضائیة والتعالي
عن تصفیة الحسابات الضیّقة ولكن خاب ظننا فیكم. وما كل ما یتمنى المرء یدركه تجري الریاح بما لا تشتھي السفن.
أًختم لأقول إن السلطة القضائیة باعتبارھا إحدى سلطات الدولة الثلاث محمول علیھا طبق القوانین والأعراف أن تُجرّم نشر أمور من شأنھا التأثیر على القضاة الذین أُنیط بھم الفصل في دعوى مطروحة أمام أي جھة من جھات القضاء في البلاد وفي رجل القضاء أو النیابة أو غیرھم من الموظفین المكلفین بالتحقیق أو التقصي أو ختم بحث الملفات أو أمور من شأنھا التأثیر في الرأي العام لمصلحة طرف ضد طرف أو لحساب طرف آخر، لأن ھذا المسلك من شأنه التأثیر في الرأي العام الذي یقع في حیرة من أمره إذا ما أصدرت المحكمة حكما لا یتفق مع ما انتھت إلیه
“المحاكمة الإعلامیة” التي أطلقھا وبتّ فیھا “إعلامیّا” بعض القضاة غیر المسئولین والتي تبلغ بنا إلى نتیجة تسيء إلى العدالة وتزعزع ثقة الرأي العام فیھا،وثقة المتقاضین بھا كما فرضیة القبول بالتأثیر في مسارات العدالة .

الامضاء
زھیر مخلوف

الملك سلمان يدعو لنزع سلاح حزب الله

حمل العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز “حزب الله” اللبناني المسؤولية عن الانفجار المدمر الذي هز مرفأ بيروت أوائل أغسطس، داعيا إلى نزع سلاح “الحزب” لتحقيق الأمن في البلاد.

وشن الملك السعودي، في كلمة مسجلة أمام الدورة الـ75 للجمعية العامة للأمم المتحدة، هجوما حادا على “حزب الله”، واصفا إياه بأنه “حزب إرهابي تابع لإيران“.

وأعلن الملك سلمان عن وقوف السعودية إلى جانب الشعب اللبناني الذي يواجه كارثة إنسانية نتيجة لانفجار مرفأ بيروت، مشددا على أن الانفجار “يأتي نتيجة هيمنة حزب الله.. على اتخاذ القرار في لبنان بقوة السلاح مما أدى إلى تعطيل مؤسسات الدولة الدستورية“.

وتابع: “تحقيق ما يتطلع إليه الشعب اللبناني الشقيق من أمن واستقرار ورخاء يتطلب تجريد هذا الحزب الإرهابي من السلاح”.

مسارات التطرف الجهادي وتجارب الإقصاء اليومي عند شباب الأحياء الشعبيّة: محاولة في الفهم

ملخـــــــــــص :
تسعى هذه الورقة إلى فهم مسارات التطرف الجهادي عند شباب الأحياء الشعبيّة التونسية ضمن سياق معيشهم اليومي. وهو معيش مطبوع بتوتر صارخ بين شعور بالإقصاء والإذلال، من جهة، وشعور بالسخط والاحتجاج، من جهة أخرى، يتولد أساسا عن أنماط الحكم السائدة في هذه الأحياء. وبالاعتماد على معطيات مستمدة من ملاحظات ومقابلات إثنوغرافية، تجادل الورقة بإمكانية فهم هذه المسارات بوصفها مسارات تحول جوهري، أي انتقالاً رمزياً من موقع الخضوع والإذلال إلى موقع التفوق المبني على الانتماء إلى صفوة دينيّة فائقة، عبر تبني نموذج تأويلي متخيّل عن جماعة المسلمين الأولى وتجسيده ضمن هويّة سرديّة متطرّفة.

في كتابه حرب الذاتيّات في الإسلام، يرسم المحلّل النفساني فتحي بن سلامة صورة الجهادي على أنّه مسلم فائق (sur-musulman). فهو لا يكتفي بأن يكون كأيّ مسلم، بل يرى ضرورة إظهار ذلك، وتبليغه عبر الرموز الخارجيّة، والمغالاة السلوكيّة والتعبديّة. وينمّ ذلك، في نظر بن سلامة، عن قناعة لدى المسلم الفائق بأنّ سبب هزيمة المسلمين وإذلالهم، هو خيانتهم للدّين المتماهي في تصوّره مع تقليد إسلامي أصيل متخيّل ومتعيّن في زمن النبيّ والصحابة والتابعين، وأنّ تمكينهم لن يكون سوى باستعادة هذا المثال المجروح عبر مواجهة شاملة مع الحداثة والعالم الذي شكّلته. وتجري هذه المواجهة في مجالات متعدّدة، ابتداءً من اللباس والتعبّد وصولاً إلى الجهاد المسلّح، حيث تتّخذ شكل مطالبة عنيفة تتطلّب من الذات أن تطهّر نفسها من شوائب العالم الحديث، فتؤدّي بها إلى إلغاء الآخر، بإلغاء نفسها حتى تتأكّد كذاتيّة فائقة وقد أتاح عملنا الإثنوغرافي حول مسارات التطرّف الجهادي لدى شباب الأحياء الشعبيّة في تونس ما بعد الثورة، معاينة عمليّات تشكّل ذاتيّة المسلم الفائق في سياقات تجريبيّة. وقد تركّز حقل العمل البحثي في عدد من الأحياء الشعبيّة التونسيّة بغرب العاصمة، والتي مثلت بالنّسبة للجهاديّين الأماكن المفضّلة للدّعوة والتعبئة الجماهيريّة، ومجالاً حيويّاً لأنشطتهم. وكانت هذه الأحياء قد تشكّلت منذ بداية السبعينات في أحزمة العاصمة على وتيرة ديناميّة حضريّة هامشيّة تغذّيها هجرة ريفيّة وافرة. وقد حال تعطّل مسار التصنيع وانحصاره في قطاعات محدودة، كالصّناعات التحويليّة وصناعة الملابس والنسيج، دون توفّر شروط اندماج الوافدين في النسيج المديني بالكامل، وهو ما أدّى إلى تحوّل التجمّعات السكنيّة العفويّة حول المدن إلى “مجالات هامشيّة” تعاني من الهشاشة والإقصاء الاجتماعي، وتنتشر فيها بشدّة مظاهر الانحراف والجريمة والاقتصاد اللانظامي. كما حوّلها كذلك إلى “مجالات احتجاجيّة” تتخلّق في رحمها الهويّات الرّافضة، مثل مجموعات موسيقى الرّاب ومشجّعي كرة القدم، والهبّات الشعبيّة المناهضة والثوريّة.

وفي جميع الأحوال، كان انتشار الحركة السلفيّة الجهاديّة يتمّ في الأحياء الشعبيّة من خلال جملة من الأنشطة والممارسات التي تحشد نموذجاً معياريّاً متخيَّلاً ومتعيّناً في جماعة المسلمين الأولى، وهو ما تبلوره الإيديولوجيا الجهاديّة وتسعى إلى نشره على مستوى الساحات المحليّة والمعيش اليومي، مشكّلة بذلك حركة اجتماعيّة متطرّفة، لم تتّخذ شكلاً حزبيّاً أو مؤسّساتياً، بل بقيت تُمارَس ضمن شبكات ممتدّة تفتقر إلى الهيكلة والتّراتب الهرمي الشكلي والصفة القانونيّة الرسميّة إزاء الدولة، متّخذة شكل مجموعات من الشباب الجهادي المتناثرة في مناطق متعدّدة على مدى البلاد. وتنتظم هذه المجموعات إمّا حول مرجعيّة ترابيّة أو مشيخيّة، متغذّية من التفاعلات اليوميّة المباشرة بين الأنصار والمتعاطفين، ويوحّدها توجّه إيديولوجي مشترك.

لأن توحّد جزء واسع من هذه المجموعات ضمن تنظيم “أنصار الشريعة” على قاعدة مشروع سياسي جهادي، إلاّ أنّ هذا التنظيم لم ينجح في الانتقال التامّ إلى مستوى التشكّل المؤسّساتي المكتمل، حيث انهارت التجربة إثر حظره من قبل “حكومة الترويكا” الثانية في جويليّة 2013. ليدخل في صراع مسلح مع الدولة سيؤدّي إلى هروب قياداته، وتفكّك شبكات أنصاره وانتقالها إلى العمل السرّي ضمن مجموعات صغيرة العدد متعاطفة أو منتمية إلى “الدولة الإسلاميّة”، بشكل غالب، أو إلى “تنظيم القاعدة”، بشكل أقلّ. فمع بدايات العام 2014، غادر قرابة 3000 شابّ تونسي إلى سوريا للقتال في صفوف “الدولة الإسلاميّة”. وينحدر قسم كبير من هؤلاء المقاتلين الجهاديّين، حسب التقارير الإعلاميّة والأمنيّة المتوفّرة، من مناطق البلاد الداخليّة المهمّشة والأحياء الشعبيّة الطرفيّة بالمدن الكبرى.

ما هي الفئات الاجتماعيّة التي يجتذبها التطرّف الجهادي بالأساس؟ ما هي دلالة التحوّل الجهادي في سياق الأحياء الشعبيّة التونسيّة؟ وكيف ترتبط مسارات التحول الجهادي بتجارب الإقصاء اليوميّة التي يعيشها الشباب في الأحياء الشعبيّة؟

نجد، من جهة أولى، شبيبة الطبقات الشعبيّة التي تعيش حالة هشاشة اقتصاديّة وعلائقيّة، وتحمل رأسمالاً تعليميّاً متدنيّاً، ووصوماً رمزية تتعلّق إمّا بأصولها الاجتماعيّة أو بتجارب إجراميّة أو تجارب انحراف عاشتها سابقاً، وهي حالة شريحة واسعة منها. ومن جهة أخرى، شبيبة الفئات الهشّة من الطبقة الوسطى، التي تتمتّع عموماً برأسمال تعليمي عالٍ وأصول اجتماعيّة معتبرة، لكنها تجد نفسها مع ذلك في وضع إقصاء اجتماعي نتيجة أزمة بطالة أصحاب الشهادات العليا. وهذا ما يجعل فئات واسعة من الطبقة الوسطى عاجزة عن إعادة إنتاج مواقعها الاجتماعيّة في سياقٍ يتميّز بتآكل نظام قيمها المرتكز أساساً على الاستحقاق والجدارة، وعلى الترقّي الاجتماعي من خلال التعليم، وذلك نتيجة تعطّل إواليّات الصعود الاجتماعي التقليديّة. لكن، كيف نفسّر انجذاب هاتين الفئتين بالأساس إلى التطرّف الجهادي؟

في خيمة دعويّة نظّمها شباب “أنصار الشريعة”، بدُوّار هيشر في 12 نوفمبر 2012 بعد صلاة العصر ببطحاء تسمّى “بطحاء الرياحي” بشارع “خالد ابن الوليد” بحيّ “دوّار هيشر”، خطب الداعية السلفي الجهادي “كمال زرّوق” بحماس شديدٍ في جمهور غالبيّته شبابي صارخاً:

شباب الإسلام… إنّ الشعب ينتظركم… فعلّموا الناس الدّين ولنرى معاملاتكم… ولنرى أقوالكم وأفعالكم في المجتمع بإذن الله. أنتم الخير وأنتم القادة وأنتم الصّحوة… أنتم ستقودون الأمّة إلى النّصر، وقد قال فيكم النبيّ ”يخرجون رجالاً من المغرب يلبسون الصّوف يفتحون جزيرة العرب وهي مسلمة”… أنتم الشباب الذي سيدرك المهدي ويدرك الفتن ويدرك الملاحم”.

كمال زرّوق – سلفي جهادي

كان يمكن لهذه الملاحظة أن تمرّ مرور الكرام دون أن تسترعي أيّ انتباه، لكونها تفصيلاً غير ذي قيمة تفسيريّة هامّة، وهي ظاهريّاً كذلك. إلاّ أنّها أبانت عن قيمتها الفعليّة حين استثارت سؤالاً بسيطاً في ذهننا مفاده: كيف يتحوّل هؤلاء الشبّان من أفراد مهمّشين ومقصيّين، إلى فاعلين يمثّلون “القادة والصحوة الذين سيقودون الأمّة إلى النّصر“؟ فعلى رأي مارسيل موس، فإنّ “ما قد يبدو تفاصيل عابرة، قد تكون في الواقع تركّزاً لمبادئ“

وفي هذا المستوى، سنحاول طرح فرضيّة مفادها أنّ هؤلاء الشبّان الجهاديّين يعيشون التحوّل الجهادي بوصفه عمليّة تحوّل جوهري (Transsubstanciation) يختبرون من خلاله نوعاً من الترقّي الأنطولوجي، بحيث يمكن أن يتحوّل الفرد الموصوم سلبيّاً، ابن الحيّ الشعبي المهمّش أو حامل الشهادة الجامعيّة العاطل عن العمل أو المنحرف أو الممارس للعمل الهشّ، الخ… إلى واحد من “الصفوة” المشكّلة للـ”طائفة المنصورة” التي ستحقّق وعد الله في الأرض.

من أبرز وجوه وضعيّات الإقصاء الاجتماعي التي يعيشها شباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة، هي الوصمة السلبيّة التي تعلق بهويّتهم الذاتيّة. ويتأتّى جزء مهمّ من هذه الوصمة، لا من خصائصهم الذاتيّة أو موقعهم الاجتماعي الفردي، بل أساساً من هويّتهم الجماعيّة بوصفهم من سكّان حيّ شعبي. فعلى قول أحد شبّان حيّ “دوّار هيشر”، في خضمّ تفسيره أسباب سعيه لتغيير مكان إقامته المدوّن في بطاقة تعريفه الوطنيّة وعموماً.

ما دام عنوان إقامتك المسجّل في بطاقة تعريفك هو دوّار هيشر، فذلك مشكل… حتى لو كنت تشتغل ولك مورد رزق قارّ وأنت إنسان مستقيم لا غبار عليك، فستبقى دائماً النظرة السلبيّة تلاحقك، لأنّك من دوّار هيشر لا غير !”

أحمد – 26 سنة

تتشكّل هذه الوصمة العالقة بالأحياء الشعبيّة في تونس من ثلاثة أبعاد أساسيّة، وهي الجريمة والعنف وظروف العيش المتدنيّة. ففي دراسة كميّة أجرتها منظّمة “أنتيرناشيونال آلرت” على عيّنة ممثّلة من 750 شابّ من حيّ “دوّار هيشر” وحيّ “التضامن” بين سنّ 18 و35 سنة، أجاب 42.2% من المستجوبين على سؤال “كيف يرى غير المتساكنين حالة الأمن في حيّك؟” بمترديّة جدّاً، وأجاب 28.2% بمترديّة. فيما أجاب 32.9 % من المستجوبين على سؤال “كيف يرى غير المتساكنين ظروف العيش في حيّك؟” بمترديّة جدّاً، و30% بمترديّة. ومن الملاحظ اعتبار المستجوبين، بنسبة 30%، حضور الحركة السلفيّة أهمّ

الأبعاد التي انضافت إلى صورة الحيّين بعد الثورة. والمثير في ذلك بروز أهميّة هذا المتغيّر الجديد في تشكيل صورة الحيّين، في مقابل تصريح المستجوبين بتراجع أهميّة متغيّر الجريمة من 29.2% قبل الثورة إلى 13.8% بعدها، ومتغيّر النزاعات المحليّة من 26.1% إلى 16.1%. وبقدر ما يدّل ذلك على تغيّر في هويّة هذين الحيّين الشعبيّين بعد الثورة، فهو يدلّ كذلك على قوّة الانغراس المجالي المادّي والرّمزي الذي حقّقته الحركة الجهاديّة فيهما.

جمعية مبدعون

وتزوّدنا دراسة كميّة أخرى أجرتها جمعيّة “مبدعون” بمعطيات مقارنة حول فروقات تمثّلات المراهقين بين سنّ 12 و18 سنة لصورة حيّهم، ضمن عيّنة تمثيليّة موزّعة بين الأحياء الشعبيّة والأحياء السّكنيّة الفاخرة ونصف الفاخرة. حيث شملت هذه الدراسة 272 مراهق من حيّ “الكرم الغربي”، و110 مراهق من أحياء “سيدي بو سعيد” و”المرسى”. وفي حين تقع جميع هذه الأحياء في الضاحية الشماليّة للعاصمة تونس، يُعرف الكرم الغربي عموماً بأنّه حيّ شعبي، فيما تعرف أحياء “سيدي بو سعيد” و”المرسى” بكونها من فضاءات سكنى الطبقات الوسطى والعليا خصوصاً. وتظهر النتائج الأوليّة لهذه الدراسة فروقات بارزة بين تمثّلات المستجوبين في “الكرم الغربي” لهويّة حيّهم وصورته لدى غير المتساكنين، في مقابل تمثّلات المستجوبين في “المرسى” و”سيدي بو سعيد”.

فبخصوص تمثّلات المستجوبين لهويّة أحيائهم، نجد أنّ 75% من المستجوبين في “الكرم الغربي” يوافقون بشدّة على اعتبار حيّهم حيّاً شعبيّاً، فيما يوافق 13.6% منهم نسبيّاً على ذلك. وعلى عكس ذلك، لا يوافق سوى 11.8% من المستجوبين في “سيدي بو سعيد” و”المرسى” تماماً على اعتبار أحيائهم أحياءً شعبيّة، فيما يوافق 25.5% منهم نسبيّاً على ذلك. ومن جهة أخرى، يوافق 30.9% من المستجوبين في “الكرم الغربي” بشدّة على أنّ حيّهم مهمّش، فيما يوافق 25.7% منهم نسبيّاً على ذلك. وفي المقابل، نجد أنّ 0.9% فحسب من المستجوبين في “سيدي بو سعيد” و”المرسى” يوافقون تماماً على أنّ أحياءهم مهمّشة، في حين يوافق 10% منهم فقط نسبيّاً على ذلك.

وإجمالاً، فإنّه بقدر ما يعتبر تراكم التفاوتات الاجتماعيّة والاقتصاديّة مهمّاً في فهم موقع الأحياء الشعبيّة ضمن التكوين الحضري لمدينة تونس، فإنّ هذه المعطيات تنبّهنا إلى أنّ الرموز والصور السلبيّة مهمّة بدورها في تشكيل هذه الجغرافيا الاجتماعيّة المخصوصة. فهذه الصور والرموز ليست مجرّد “أحكام مسبقة” أو “مغلوطة” ينبغي الاشتغال على تفكيكها، بقدر ما تمثّل “أفعالاً خطابيّة” بتعبير فيلسوف الخطاب جون أوستين، أي إحدى مظاهر نشاط القوى الاجتماعيّة الفاعلة في تحديد موقع الأحياء الشعبيّة في “أدنى سلّم نظام التراتبيّة الهرميّة للأماكن التي تتشكّل منها المدينة”. فهذه الصور والرّموز، تنخرط عبر تراكمها في شكل وصمة جماعيّة سلبيّة ضمن إواليّات الإقصاء التي تجعل من الأحياء الشعبيّة مناطق نبذ حضري. وهي وصمة ترزح بقوّة على معيش سكّان الأحياء الشعبيّة، وتساهم في إنتاج أشكال التمييز المادّي التي يعانونها. وفي هذا الصدد، توقّفنا خلال عملنا الميداني في حيّ “دوّار هيشر” على عدد من التجارب المعيشيّة التي يواجه فيها شباب هذه الأحياء أشكالاً مختلفة من التمييز على أساس الوصمة السلبيّة العالقة بهويّتهم الجماعيّة. ففي سياق حديثه عن الصعوبات التي تواجه شباب حيّه في إيجاد موطن شغل.

انطلاقاً من هذه المعطيات الكميّة والكيفيّة، يمكن أن نرى تأثير الوصمة السلبيّة العالقة بشباب الأحياء الشعبيّة على العلاقة بالذّات وتشكيل الهويّة الجماعيّة والقدرة على الحراك والصعود في الفضاء الاجتماعي. حيث يصحّ القول، على نحو ما يستنتج ديدييه لابيروني بخصوص الضواحي الحضريّة الفرنسيّة، أنّه لا وجود لأحياء شعبيّة دون صورة الأحياء الشعبيّة، و“لا وجود لتفاوتات دون تأويل لهذه التفاوتات”. إذ ليست هذه الصور والتأويلات مجرّد نظام رمزي يعكس علاقات اجتماعيّة مخصوصة، بقدر ما هو نظام ينخرط في بناء هذه العلاقات وهيكلتها. ومن ذلك، يمكن أن نفهم نزوع شباب الأحياء الشعبيّة إلى التعبير عن وضعيّات الإقصاء الاجتماعي التي يختبرونها، رغم اختلاف مساراتهم الاجتماعيّة وتعدّدها، انطلاقاً من لغة يغلب عليها الطابع المعياري والأخلاقي بما هي “تجربة احتقار و”شعوراً باللامساواة” والإقصاء، وعدم القدرة على عيش “الحياة” والانخراط بشكل كامل في المجتمع“.

وهو ما يؤشّر على أنّ تجربة الاقصاء الاجتماعي لا تتحدّد فحسب بلغة الاقتصاد السياسي للتفاوتات، الذي يركّز على الفوارق الطبقيّة والماديّة بين التكوينات الاجتماعيّة، بل تتحدّد أيضاً بلغة اقتصاد معياري تنخفض فيه الدلالات الاجتماعيّة للتفاوتات لتكتسي دلالات “أخلاقيّة” و”معنويّة” بوصفها “ثمرة تمييز إقصائي معمّم. وهو تمييز يحرم الأفراد من الولوج إلى نمط عيش “عادي” أو يقدّرون أنّه عادي، وهو أيضاً من نتاج الإرادة السلبيّة للفئات المتفوقّة“. فبقدر ما يعتبر الإقصاء الاجتماعي تجربة لامساواة في توزيع الرساميل الاقتصاديّة وتجريداً من دعائم الحماية الاجتماعيّة ونبذاً خارج دوائر الإدماج المؤسّساتيّة، على نحو ما يبرز روبرت كاستيل، فهو كذلك تجربة احتقار وتجريد من الاعتبار المعنوي واختبار أشكال متراكبة من نفي الاعتراف بتعبير أكسيل هونيث. ومن هنا، تبرز أهميّة تجاوز الفصل التحليلي الذي أقامته نظريّات الإقصاء الاجتماعيّة والفلسفيّة بين مجالي التوزيع الاجتماعي والاعتراف الرّمزي، نحو الدمج بينهما على نحو دعوة نانسي فرايزر، وهو ما يتولّد عنه مقاربة مزدوجة للإقصاء “تُتناول ضمنها كلّ ممارسة على أنّها ممارسة اقتصاديّة وثقافيّة في الآن نفسه… وتقيّم ضمنها جميع الممارسات من منظورين مزدوجين، أي منظور التوزيع ومنظور الاعتراف، لكن دون أن يُختزل أيّاً منهما في الآخر“.

تقدّم لنا بعض المعطيات الكيفيّة من سيرة أنس (33 سنة) مدخلاً إلى قراءة مسارات التطرّف الجهادي لشباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة، انطلاقاً من منظور الاقتصاد المعنوي لديناميّات الإقصاء التي تخضع لها ساكنة هذه الأحياء، وخصوصاً منها فئات الشباب. حيث ينحدر أنس من حيّ “التضامن” الواقع غرب العاصمة تونس، وهو من أضخم الأحياء الشعبيّة التونسيّة من جهة تعداد ساكنته وأقدمها من جهة التكوّن التاريخي، أين اعتنق المنهج السلفي الجهادي سنة 2004، وسجن سنة 2006 تحت طائلة قانون الإرهاب. وبعد الثورة، انضمّ أنس إلى تنظيم “أنصار الشريعة”، قبل أن يغادر نحو سوريا سنة 2012 حيث قاتل مع “جبهة النصرة” لسنتين، ومن ثمّ انحاز إلى “الدولة الإسلاميّة” في صراعها مع “تنظيم القاعدة” حول أولويّة قيادة الجبهة السوريّة أوائل سنة 2014، قبل أن ينشقّ عنها أواخر سنة 2016.

وفي مستهلّ سلسلة مقابلاتنا البحثيّة، طلبنا من أنس أن يصف حياته قبل بداية مسار تطرّفه الجهادي، فكانت اجابته:

“أنا ابن حيّ شعبي من العاصمة تونس. كنت مغرماً بموسيقى الرّاب والهيب هوب، وكنت لاعب كرة قدم كذلك. كنت أجيد لعبة كرة القدم، قبل أن تزلّ بي الأقدام وأصير معروفاً في الحيّ بالسطو على النّاس والسّرقة. بالطبع، خارج الحيّ، كان كلّ همّي التسلّط على أولئك الذين يسمّون بالطبقة الغنيّة في البلد، الذين أرى منهم الظلم… يعني، حاول أن تتخيّل ابن حيّ شعبي، ذليل، لا تلبس مثل النّاس ولا تعيش مثل النّاس. ترى أحدهم من أبناء فلان أو علاّن الذي يسرقك كلّ يوم، وأبوه يضحك على النّاس، تراه يرتدي حذاءً رياضيّاً قيمته 280 ديناراً، أمّا أنا فأجد نفسي غير قادر على اقتناء حذاء قيمته 70 ديناراً مثلاً. هذه من الأشياء التي جعلتني أفكّر أنّ مالهم هو في الأصل مالنا، وأنّه ينبغي عليّ استعادته. هذه هي القاعدة المتعارف عليها في الأحياء الشعبيّة… كذلك، تخيّل أنّك جالس أمام منزلكم، ويأتيك أحدهم لا علاقة له بك لا من قريب ولا من بعيد، يأمرك بالدخول إلى المنزل. لماذا ذلك؟ حينها تشعر بأنّك محقور… تشعر بأنّك تعيش تحت الذّل. يعني، تصوّر ابن الغنيّ يقوم بأيّ فعلة ولا يحاسب عليها، أمّا أنت فتحاسب على سفاسف المشاكل، وقد يبعثون بك إلى السّجن ستّة أشهر لمجرّد أنهم مسكوا لديك آلة حادّة… والحمد لله، قدّر الله عزّ وجلّ أنني لم أدخل السجن، وكان الله سبحانه وتعالى خير حافظ، رغم تورطّي في قضيّة محاولة قتل آنذاك وعمليّات سرقة وسطو. لكن الله عزّ وجلّ سلّم أمري، ولم أحاكم بالسجن في هذه القضايا لأنّي كنت عندها قاصراً في سنّ السّابعة عشرة، ولم يكن القضاة يرغبون في التركيز على قضايا القُصَّر، فلا يحكمون فيها بالسجن… لكن، كما قلت لك، كلّ من عاش في تونس يعرف معنى الظلم، ويعرف كيف يتسلّط هؤلاء الطواغيت… يعرف كيف يمسكون بالمرء في الشارع ويصفعونه على الملأ ويأمرونه بالعودة إلى منزله…”.

أنس – 33 سنة
يتواتر في سرد أنس لمسار عيشه قبل تحوّله الجهادي عبارتان تحملان شحنة معنويّة صارخة، وهما الذلّ والاحتقار. ويمكننا المجادلة بأنّ هذه الشحنة المعنويّة تتأتّى من سرد أنس لمسار عيشه بوصفه سرداً لتجارب مكثّفة من الاحتقار، يمكن ارجاعها إلى اختبار شكل أساسي من أشكال نفي الاعتراف، ألا وهو نفي الحقوق. وتبعاً لأكسيل هونيث، يشير نفي الحقوق إلى “أشكال الاحتقار الشخصي التي يخضع لها فرد ما، عبر اقصائه من التمتّع بحقوق مخصوصة ضمن المجتمع“. ومن الجدير هنا التنويه إلى أنّ هذه الحقوق تتحدّد اجتماعيّاً وسياسيّاً بحسب الظرفيّة التاريخيّة والتطوّر المؤسّساتي العامّ لكلّ نظام اجتماعي مخصوص، حيث تمثّل “المطالب الفرديّة التي يمكن أن يتوقّع الفرد أن يحظى بها اجتماعيّاً بشكل مشروع بوصفه منخرطاً في النظام الاجتماعي، متساوياً مع غيره في الحقوق، كعضو كامل في جماعة معيّنة“. بذلك، لا يتمّ ضمن هذه التجربة المخصوصة من الاحتقار تجريد الفرد من احترامه المعياري لذاته فحسب، بل من “قدرته على الارتباط بذاته بوصفه شريكاً تفاعليّاً يتساوى قانونيّاً مع أضرابه من البشر“.

ويظهر هذا الأمر جليّاً في شهادة أنس، من ناحية أولى، من خلال حديثه عن الفوارق بين من يسمّيهم “أبناء الطبقة الغنيّة” وأمثاله من “أبناء الأحياء الشعبيّة”. حيث يصف أنس هذه العلاقة من منظور “النحن والهم”، أي من منظور التفرقة الحادّة بين مجموعتين متفاوتتين في الحقوق، نتيجة التوزيع غير المتكافئ للرساميل الاقتصاديّة داخل المجتمع. غير أنّ المصطلحات التي يستخدمها في إعادة بناء هذه العلاقة في خطابه لا تصوّرها على أنّها علاقة تفاوت في الحقوق فحسب، بقدر ما تصوّرها كذلك على أنها علاقة استغلال. ففي نظر أنس، لا يكتفي “برجوازيّو المدينة” والطبقات الحضريّة العليا بالتّمتع بنمط عيش فائق يُحرم ساكنة الأحياء الشعبيّة من حقّ الولوج إليه، بل يتحقّق لها ذلك أساساً من خلال استغلال الطبقات الشعبيّة والعمل على تأبيد وضعها.

وإزاء صورة “أبناء الأغنياء” القادرين على اكتساب علامات الترف المادي المحروم منها وتأكيد الذّات من خلال الاستهلاك والترفيه، يصف أنس صورته بسيمياء شعوريّة يمتزج فيها الإذلال بالسّخط. وبناءً عليه، تتّخذ علاقة التفاوت التي يصوّرها أنس بين “أبناء الأحياء الشعبيّة” و“أبناء الأغنياء”، بعداً معنويّاً يتشابك فيه نفي الاعتراف مع التفاوت في التوزيع المادّي للثروة. فإذا كانت هذه العلاقة قائمة، من جهة، على التفاوت في توزيع الرساميل الماديّة بين الطبقات داخل المجتمع، فهي تُختبر في المعيش اليومي، من جهة أخرى، على أنّها علاقة حيف في توزيع الجدارة المعنويّة المتأتيّة من التمتّع بقسم متساوٍ من هذه الموارد والخيرات بوصفه حقّاً مشروعاً.

من ناحية ثانية، يصف أنس لقاءاته بعناصر الشّرطة بلغة معنويّة صارخة، فهي وضعيّات يشعر فيها بـ”الحُقرة” إلى درجة يخيّل له معها أنّه يعيش” تحت الذلّ”، حيث تتكثّف في هذه اللقاءات تجربة الإقصاء، لا من حيث هي علاقة تفاوت في القوّة فحسب، بل أساساً من جهة أنّها عمليّة تجريد من الاعتبار المعنوي.

وفي حين يمكن المجادلة بأنّ هذه العلاقة تمثّل نمط تفاعل متواتر بين شباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة وأجهزة الشّرطة وأعوانها، في سياق هيمنة أنماط الحكم النيوليبراليّة القائمة على بتر يد الدولة الرّاعية وتعزيز يد الدولة العقابيّة([1])، فإنّ هذا الشكل من اللقاءات بالشّرطة يتردّد وصفه بنفس الوقع واللّغة المعنويّة لدى العديد من الشبّان الجهاديّين.

ومن ذلك، ما يصفه أسعد 38 سنة، وهو شابّ جهاديّ سابق من حيّ دوّار هيشر، في علاقته بالشّرطة وأثرها في تجربة تحوّله الجهاديّة:

أكثر شيء كنت أكرهه في حياتي هو الشّرطة… كرهتهم منذ صغري، وزاد كرهي لهم حين سُجنت أوّل مرّة نظراً لكميّة الضرب والصفع والإهانة التي تلقيّتها… لقد سُجنت سبع مرّات بعد ذلك، منهم مرّتين من أجل تعنيفي لحرّاس السجن… حين بدأت ألتزم دينيّاً وأواظب على الصّلاة في المسجد، هناك تعرّفتُ على مجموعة من السلفيّين الجهاديّين… وبعد فترة قصيرة، بدؤوا باستقطابي إلى المنهج وتعليمي الأصول… أتذّكر حينها أنّ أحدهم قال لي كونهم يعرفون ماضيّ جيّداً، وأنّه يقدّر ذلك لأنّي كنت ضدّ الطاغوت حتى وأنا على ضلالة، وذكر لي حينها قول الرّسول “خياركم في الجاهليّة، خياركم في الإسلام”… وقد كان لكلامه وقع كبير في نفسي”.

أسعد – 38 سنة

وفي كلتا الشهادتين، تبرز اللقاءات اليوميّة والعاديّة بأعوان الشرطة على أنّها تجربة احتقار يتزاوج فيها شكلان من نفي الاعتراف، وهما نفي الحقوق والاعتداء الجسدي. فبالنسبة إلى نفي الحقوق، فهو يبرز في حديث أنس عن الممارسات التمييزيّة التي يفعّلها أعوان الشرطة بين “أبناء الأحياء الشعبيّة” و”أبناء الأغنياء”. وفي نظره، فإنّ تطبيق القانون على الفئتين فيه كيل بمكيالين، فهو تطبيق أعمى وصارم وعنيف حين يتعلّق الأمر بشباب الأحياء الشعبيّة، فيما يتسنّى لأبناء الطبقات العليا الإفلات من القانون، بقوّة الرأسمال الرمزي المتعيّن في الجاه الاجتماعي، والرأسمال الاقتصادي المتعيّن في الثروة الماديّة.

أمّا بالنسبة إلى الاعتداء الجسدي، فيظهر في صورة الحرمان “من السيطرة الذاتيّة التي يمارسها المرء على جسده الخاصّ“، من خلال الضرب أو الاعتداء أو سوء المعاملة السجنيّة، حيث لا يتضمّن فحسب اختبار الأذى، بقدر ما يتضمّن أيضاً اختبار “الشعور بالخضوع التامّ إلى رحمة ذاتٍ أخرى“([1]). كذلك، يشمل الاعتداء الجسدي إخضاع الذّوات عبر مراقبة حركة أجسادها وضبطها في المجال العامّ، وهو شكل طاغٍ من السيطرة اليوميّة يختبره شباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة بكثافة، عبر عديد الممارسات الأمنيّة مثل حملات الشّرطة وعمليّات التثبّت من الهويّة أو المداهمات الفجئيّة.

فعبر مثل هذه الممارسات الأمنيّة، المنغرسة بدقّة في نسيج المعيش اليومي، يتمّ تربيع الأحياء الشعبيّة ومراقبتها وضبط سلوكيّات ساكنتها بوصفها “مناطق خطرة” تمثّل تهديداً للنّظام العامّ. وبهذا، يكتسب الحيّ أو “الحومة”، لدى ساكنيها من الشباب معنى مزدوجاً: فالحومة تمثّل ضرباً من الحمى بما هي مجال انتماء وحماية، كما تمثّل أيضاً مجال اخضاع ونبذ. وفي هذا الصدد، يخبرنا عليّ 25 سنة، وهو شابّ من حيّ “دوّار هيشر”، ضمن سياق تفكّره في تجربته السجنيّة القصيرة: “لا فرق بين أن تكون في الداخل أو في الخارج… في السجن أو في الحومة… ففي تونس، حتى في الـcivile كلّنا مرابيط“. وفي كلّ الحالات، يؤدّي اختبار هذه التجارب اليوميّة من الإخضاع والنبذ والاحتقار إلى إنتاج تشكيلة ذاتيّة يقع الإذلال في القلب منها.

ضمن مقابلة بحثيّة أخرى مع أنس، سألناه عن الفروق بين ضروب المقاتلين التونسيّين الذين “هاجروا” إلى الدولة الإسلاميّة وانخرطوا في صفوفها، فكانت إجابته:

لكلّ منهم نموذجه وقدوته… فهناك الاستشهادي الذي تراه يبغي “الدقمة” ويرغب في أن يفجرّ نفسه في العدوّ مسبّباً فيه الضرر حتى ينال الجنّة مباشرة… وهناك الاقتحامي الذي يكون مثله مثل بقيّة الجنود يقاتل في المعارك إلى أن ينال الشهادة… وهناك الانغماسي، الذي يندسّ في صفوف العدوّ وخطوطه الخلفيّة، فيُثخن فيه ما أمكنه ذلك من ثمّ يخرج سالماً… من قبل، كنتُ مولعاً بسيرة خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، فهو عقل عسكري كبير وقائد سيّر جيوشاً وفتح بلداناً… ذاك قدوتي، لذلك اخترت أن أكون مقاتلاً انغماسيّاً… فأنا أبغي الموت بعد الإثخان في العدوّ، فإمّا أن أُقتل أنا، أو يُسَلّم هو أمره… أبغي أن أفتح بلداناً وأنشر الدين وأقاتل الكفّار حتى تكون كلمة الله هي العليا”.

أنس – 33 سنة

ومجدّداً، نجد أنفسنا هنا إزاء نفس السؤال الذي استهللنا به هذه الورقة: كيف نفهم التحوّل السردي بين المقطعين الذين أوردناهما من شهادة أنس البحثيّة، من بناء سرديّ لذات محتقَرة ومذلولة وممحوقة، إلى بناء سرديّ آخر لذات فائقة ومتمكّنة وقاهرة؟ إنّ واحدة من الفرضيات التفسيريّة الممكن طرحها، هو فهم هذا التحوّل بوصفه مسار تحوّل جوهري. حيث يؤشّر التحوّل الجوهري على السيرورة التي تكتسب من خلالها الكائنات أو الأشياء قيمة أو رأسمالاً رمزيّاً لا تتوفّر عليهما بحكم أصالتها، ممّا يمنحها جوهراً مغايراً. وقد صاغ بيير بورديو هذا المفهوم ضمن نظريّته عن الهيمنة الرمزيّة، وتحديداً في وصفه السيرورات التي تُكتسب من خلالها المنتجات الثقافيّة والشهادات العلميّة قيمة الرّفعة أو النّبالة، من خلال تكريسها عبر المؤسّسات المحتكرة للشرعيّة الرمزيّة ضمن الفضاء الاجتماعي. وفي بعض المواضع، يؤشّر بورديو على المفهوم بمصطلحات رديفة، مثل السحر الاجتماعي أو الخيمياء الاجتماعيّة. فمثله مثل السّحر والخيمياء، يمرّ التحوّل الجوهري بالأساس عبر الاعتقاد في القدرة الرمزيّة التي تدّعيها قوّة ما على تحويل جواهر الموادّ والكائنات، حتى تترقّى أنطولوجيّاً.

في هذا الصدد، سنكتفي بطرح فرضيّة مفادها أنّ مسارات التطرّف الجهادي لشباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة، تمثّل مسارات تحوّل جوهري يترقّون عبرها أنطولوجيّاً من وضعيّة إذلال إلى وضعيّة تفوّق مبنيّ على الاعتقاد في الانتماء إلى نخبة دينيّة مصطفاة، يؤدّي ضمنها مفعول القوّة الرمزيّة التي تتوفّر عليها الطوبى الجهاديّة دوراً مهمّاً. فمثلها مثل جلّ الطوباويّات، تمثّل الطوبى الجهاديّة “نمط خيال اجتماعي“تكمن ميزته الأساسيّة في قدرته على نقل الخيال من فضاء الواقع الرّاهن إلى فضاء واقع مفارق لم يتحقّق بعد. و”من أجل القدرة على الحلم بواقع آخر”، على نحو ما يؤكّد بول ريكور، “ينبغي أوّلاً ضمان اكتساب هويّة سرديّة، من خلال التأويل المتجدّد للتقاليد التي نستند عليها في ذلك“، وهذا عين ما نستكشفه في شهادة أنس البحثيّة، إذ أنّ تحوّله من ذاتيّة خاضعة حيث كان “يحسّ كأنّه يعيش تحت الذلّ“، إلى ذاتيّة فائقة حيث “يبغي فتح بلدان ونشر الدين وقتال الكفّار“، يمثّل بناءً لهويّة سرديّة من خلال اقتدائه بنموذج تأويلي متخيّل متعيّن في سيرة الصحابي خالد بن الوليد. ففي مقابل الواقع الرّاهن الذي يجعل منهم أفراداً خاضعين وممحوقين ومذلولين، تطرح الطوبى الجهاديّة على أمثال أنس من شباب الأحياء الشعبيّة التونسيّة، إمكانيّة استئناف واقع آخر يكونون فيه أفراداً فاعلين وقاهرين وفائقين، عبر التماهي مع تصوّرات مثاليّة لأبطال تاريخيّين مستمدّة من نموذج تأويلي مخصوص لتاريخ الإسلام. ومن ذلك، نقرأ في نصّ صدر عن “كتيبة عقبة بن نافع”، الفرع الأساسي لـ”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” بتونس، تنعى فيه اثنين من مقاتليها لقيا حتفهما في عمليّة شنّتها ضدّها قوّات الأمن والجيش التونسيّة:

“…في الوقت الذي كانت فيه قوافل الشباب المغرّر بهم تخوضُ البحار على مراكب الموت، زرافاتٍ ووحداناً تشوُّفًا لعيشة رغيدة خلف البحار، كان أبطال الإسلام وشباب الإيمان يبحثون عن مواطن العزِّ والاستشهاد، ليبرهنوا للعالم أجمع بأنّ روح التضحية والفداء لا زالت راسخة في أمّة الإسلام، يضخّها الآباء والأمّهات دماً دفّاقاً في عروق الأبناء، لا يمكن لأيّ قوّة متغرطسة على وجه الأرض استئصالها، ومن يسدّ طريق العارض الهطلِ؟! إنّها ظاهرة عجز الغرب الكافر وأذنابه من حكام الرِّدّة عن استيعابها، فسخّروا كلّ طاقاتهم وأجهدوا أنفسهم عبر مكرٍ خبيث لإغراق الشباب المسلم في مستنقعات الرذيلة والضياع…، فيتحوّل أولئك الشباب وبصناعة الله إلى فرسان يذودون عن الإسلام، شباب يخرجون من قاعات اللَّهو والغناء إلى ساحات المدافع والقنابل، شباب لطالما رابط على مدرّجات الملاعب يحملون أعلام الأندية، يرابطون اليوم على خطوط القتال الأولى وهم يحملون رايات الجهاد بيمينهم وبالأخرى سلاحهم، ولكنّ هذا التحوّل وللأسف هو حال القليل من شباب الأمّة، لتبقى الأغلبيّة الغالبة خارج مجال التغطية… فعليك يا أخي بسيرة هؤلاء، فلن تعدم نوراً من أنوارهم تضيء به دربك، وبلسماً يقطع عنك الهمّ والغمّ، وينبوعاً من الماء الزُّلال يُذهب عنك ظمأ الحياة، فهي سِيَرٌ تعيد سِيَرَ الصالحين الأوّلين من سلفنا الصالح التي جَمَعَت بين جميع أحوال المؤمن في هذه الدنيا، من الهداية إلى الصدع بالحقّ إلى الهجرة ثمّ الجهاد والثبات، ثمّ في الختام الشهادة”.

إنّ التحوّل الذي يتحدّث عنه بيان هذه المجموعة الجهاديّة، هو تحوّل جوهري لفئات شبابيّة من ذاتيّات خاضعة ومستلبة إلى ذاتيّات فائقة وبطوليّة، بوصفها جزءًا من الطّائفة المنصورة الموكول لها تحقيق العود الأبدي الموعود لزمن التمكين والسطوة المنقضي، تبعاً لنموذج تأويلي مؤسطر لتاريخ القرون الثلاثة الأولى من الإسلام. ومن لدنّ هذا النموذج، تشكّل هذه الفئات من الشباب سرديّات هوويّة تصير عبرها ذواتاً فائقة، تكتسب تفوّقها المتخيّل من التفوّق المثالي لأيقونات نموذجها المؤسطر، فكأنّها سرديّات محبوكة على طراز “سِيَر تُعيد سِيَر الصالحين الأوّلين من السلف الصالح” في زمن الإخضاع والاحتقار والإذلال الحاضر. فالعالم الاجتماعي، يُمثّل بالنسبة إلى فئات واسعة من الشباب التونسي، بفعل الهشاشة الاقتصاديّة وانحصار دوائر الإدماج وتعطّل إواليّات الصعود الاجتماعي وموروث الاستبداد السياسي الكاسح، كليّة ساحقة يختبرون تحت وطأتها نفي الاعتراف في شكله الجذري، إلى حدّ أن يصير “عالماً لا يقدر فيه على البقاء سوى البطل. حيث يغدو الانضمام إلى الفيالق الجهاديّة والدفاع عن إسلام “قويّ وقاهر” نمط بقاءٍ، ووهماً هستيريّاً بالاندماج ضمن فضاءٍ يحمي ويرتق نرجسيّة مفتوقة“.

وإذا كان هذا المسلم الفائق يتمثّل نفسه بطلاً، إلاّ أنّه “بطل سلبي” بتعبير فرهاد خوسروخوفار، أي أنّ بطولته ليست بطولة إيجابيّة تتأتّى من سعيه إلى الاندماج في المجتمع والنجاح ضمنه ونيل تقديره الإيجابي، بل بطولة سلبيّة تتأتّى من سعيه إلى إخضاع المجتمع لإرادة تفوّقه، عبر إرهابه. لذلك، فإنّه كلّما زاد كره المجتمع له، كلّما تعزّز إحساس البطل السلبي بالتفوّق، بحيث لم يعد هذا الكره يمثّل في نظره علامة نبذ وإقصاء وتحقير، بل علامة مفاصلة تؤكّد تفوّقه على المجتمع الذي حقّره سابقاً. وصراع البطل السلبي ليس صراعاً من أجل الاعتراف، أي من أجل استعادة مكانته المعنويّة المسلوبة ضمن النظام الاجتماعي المحقّر له، بل صراعاً من أجل التفوّق المطلق ضدّ هذا النظام. وبعبارة أخرى، فإنّ البطل السلبي لا يبحث عن “نيل الاعتراف من هيئة الاعتراف العليا القائمة…، بل إلى تنصيب نفسه كمانح أعلى للاعتراف…، ينبغي على الآخرين انتظار اعترافه وتلمّسه منه“، وهو صميم ما يعبّر عنه مقطع دالّ من شهادة أنس، حين يصرّح: “أنا أبغي الموت بعد الإثخان في العدوّ، فإمّا أن أقتل أنا، أو يُسَلّم هو أمره“.

ما العمل لمناهضة تحوّل هذه الفئات من الشباب التونسي نحو التطرّف الجهادي، بما تخلّفه آثار العنف والإرهاب على المجتمع من آثار مدمّرة؟

منذ اندلاعها في ربيع سنة 2011، ما يزال مسار الثورة التونسيّة مستمرّاً عبر نضالات طيف واسع من الحركات الاجتماعيّة والمدنيّة الشبابيّة التي تشكّلت في خضمّها. ورغم اختلاف رهاناتها وديناميّاتها وفاعليها، فإنّ هذه الحركات تشترك في مطلب أساسي يُشكّل رابطاً يصلها أفقياً ببعض، وهو الكرامة باعتبارها الشكل الأوّلي من الاعتراف السياسي المؤسّس للمواطنة. ولعلّ الرهان على دعم هذه الحركات الاجتماعيّة وتجذيرها مجتمعيّاً في صراعاتها من أجل الاعتراف والإدماج والمواطنة، قد يدعّم قدرتها على حشد فئات الشباب المقصيّة والمذلولة ضمن تحوّلات جوهريّة نحو ذاتيّات مواطنيّة، وتطرح عليها أطراً وخطابات تتوسّل النضال ديمقراطيّاً ومدنيّاً من أجل نظام اجتماعي عادل، عوض أطر وخطابات الحركات الجهاديّة المتطرّفة. وقد يكون ذلك خياراً في النضال السياسي يطرح على الشباب بديلاً مواطنيّاً عن التطرّف، كما يناضل في الآن نفسه من أجل تغيير النظام الاجتماعي القائم المساهم في إنتاج شروط التطرّف.

المصدر : مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان___ 9سبتمبر 2020

 

واشنطن وبكين تتعهّدان العمل لإنجاح اتفاقهما التجاري

أعلنت الولايات المتحدة والصين في ختام محادثات تجارية، مساء الإثنين، أنّهما توافقتا على العمل لإنجاح الاتفاق التجاري الذي توصّلتا إليه.

وقال ممثّل التجارة الأميركية روبرت لايتهايزر في بيان صدر في ختام محادثات هاتفية، جرت بينه وبين نائب رئيس الوزراء الصيني ليو هي إنّ “الطرفين يلمسان تقدّماً ومصمّمان على أخذ الإجراءات اللازمة لضمان نجاح الاتفاق”.

وفي السياق، أضاف البيان أنّ وزير الخزانة الأميركي شارك في هذه المحادثات الهاتفية.

بدورها، قالت بكين إنّ الطرفين أجريا “حواراً بنّاء على تعزيز تنسيق سياسات الاقتصاد الكلّي للبلدين”.

وتابعت أنّ “الطرفين اتّفقا على تهيئة الظروف والأجواء لمواصلة دفع تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق الاقتصادي والتجاري بين الصين والولايات المتحدة”.

وكانت الولايات المتحدة والصين أبرمتا هذا الاتفاق في كانون الثاني/يناير في خطوة هدّأت قليلاً من الحرب التجارية الدائرة بينهما، وتعهّدت بموجبها بكين باستيراد سلع أميركية إضافية بقيمة 200 مليار دولار على مدى عامين، تشمل بضائع تتراوح من السيارات والآلات والنفط إلى المنتجات الزراعية.

لكنّ جائحة كوفيد-19 وتداعياتها أثّرت سلباً على مشتريات الصين من هذه السلع.

وقالت صحيفة “واشنطن بوست” الشهر الماضي إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، “يواصل في وقت سابق، هجوماً متهوراً وغير متماسك وأحادي الجانب ضد بكين” فيما يبدو أنه “مصمم على تعزيز حملة إعادة انتخابه وليس إدارة التحدي المعقد الذي يشكله نظام شي جين بينغ”.

مكتب تمثيل الحكومة الصينية في هونغ كونغ وصف العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على عدد من قادة المنطقة بـ”الوحشية وغير منطقية”.

ألبوم صور : ندوة عن دلالات الاتفاق الأمريكي “الاسرائيلي” الإماراتي

في مؤسسة التميمي :
ندوة عن دلالات الاتفاق الأمريكي الاسرائيلي الإماراتي (التطبيع) بمشاركة التنسيقية التونسية الفلسطينية ومنتدى ابن رشد وسفارة فلسطين بتونس و ديبلوماسيين و اكاديميين و إعلاميين وشخصيات سياسية

وثيقة مؤتمر صحفي حول العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل مع كبير المستشارين الأمريكيين جاريد كوشنر

إيجاز صحفي حول العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل مع كبير المستشارين جاريد كوشنر

Englishوزارة الخارجية الأمريكية
إحاطة خاصة عبر الهاتف
جاريد كوشنر، كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة
17 آب/أغسطس 2020

 

مدير الحوار: مساء الخير للجميع من المكتب الإعلامي لوزارة الخارجية الأمريكية في لندن. أودّ أن أرحّب بالمشاركين المتصلين من الشرق الأوسط ومن جميع أنحاء العالم في هذا المؤتمر الصحفي القابل للنشر مع جاريد كوشنر، كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة.

اليوم، سيناقش كبير المستشارين كوشنر قضية إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. سنبدأ إيجازنا اليوم بتصريحات افتتاحية من المستشار كوشنر، ثم نفتح باب الأسئلة.

والآن، سأحيل الكلام إلى كبير المستشارين كوشنر لبعض التصريحات الافتتاحية. سيدي، الكلمة لك.

كبير المستشارين كوشنر: شكراً جزيلاً لك وشكرًا للجميع على انضمامكم اليوم. يسعدني الردّ على أسئلتكم، لكنني سأبدأ بتقديم لمحة عامة سريعة بخصوص أين نحن الآن وكيف وصلنا إلى هنا. من الواضح أن هذا الإنجاز التاريخي هو أول اتفاق سلام في المنطقة منذ 26 عامًا، والثالث فقط في السبعين سنة الماضية مع إسرائيل. ولذا أعتقد أنه يعطي الكثير من الناس تفاؤلًا كبيرًا بأن الشرق الأوسط لا يجب أن يكون عالقًا في صراعات الماضي. وبفضل قيادة الرئيس ترامب، بدأنا في الجمع بين الأطراف المختلفة حول المصالح المشتركة والفرص المشتركة، والتهديدات المشتركة، ونأمل أن يؤدي هذا إلى دفعة جديدة كاملة من التقدم الذي يمكن أن يدفع المنطقة إلى الأمام.

إذا فكرتم في الحملة الانتخابية التي أدارها الرئيس ترامب، لوجدتم أن الشرق الأوسط كان يشكّل قضية كبيرة جدًا جدًا في المرة الأخيرة. كانت الصفقة الإيرانية قد وقعت لتوّها، وهو ما أزعج الكثير من الناس هنا في أمريكا. لم يتمكنوا من تمريرها في الكونغرس. لقد أعطوا الإيرانيين 150 مليار دولار، مليارات كثيرة من الدولارات، ومنحوهم سبيلا واسعًا للحصول على سلاح نووي. شعر الكثير من حلفاء أمريكا بالخيانة والعزلة بسبب الصفقة. وكان هنالك أيضا الكثير جدا من عدم الاستقرار، وقعت سوريا في الحرب الأهلية، كان العراق في حالة من الفوضى، واليمن كان في حالة من الفوضى، وليبيا كانت في حالة من الفوضى، وبعد ذلك كلّه كان تنظيم الدولة الإسلامية يصول ويجول وكان لديه خلافة بحجم ولاية أوهايو، حيث كانوا يقطعون رؤوس الصحفيين الأمريكيين ويخطّطون للعديد من التهديدات لأمريكا. كان لدينا أيضًا الكثير من المحتوى عبر الإنترنت الذي تمّ نشره لتشجيع التطرف بين الناس في جميع أصقاع المعمورة، وكان معظم ذلك المحتوى يأتي من الشرق الأوسط، ومن الشرق الأوسط أيضًا يأتي الكثير من التمويل.

كانت زيارة الرئيس ترامب الأولى كرئيس إلى الرياض، حيث جمع 54 من قادة الدول الإسلامية والعربية لوضع رؤيته لما يجب التعامل معه في الشرق الأوسط. بعد تلك الرحلة، ذهب إلى إسرائيل ثم ذهب لزيارة البابا في روما ليؤكد في خطابه أن الأديان الإبراهيمية الثلاثة بحاجة إلى العمل معًا على فرص مشتركة بدلا من المظلوميات القديمة، إذا أردنا المضي قدماً.

وضع الرئيس في خطابه أربعة أهداف رئيسية. الأول هو أن إيران مشكلة وأننا بحاجة إلى أن نتّحد جميعًا لتقييد عدوانهم، وقد اتخذنا منذ ذلك الحين خطوات كبيرة للقيام بذلك. الهدف الثاني كان بوضوح داعش، وكنا بحاجة إلى إحراز تقدم هناك، وهذا ما فعلناه. الهدف الثالث كان خوض معركة طويلة الأمد ضدّ التطرف والأشخاص الذين يستخدمون العقيدة الإسلامية لمحاولة زرع الدمار والتسبب في عدم الاستقرار، وذلك من خلال إساءة استخدام الدين للقيام بذلك. ومن المعروف أننا أطلقنا، في تلك الرحلة، مركز مكافحة تمويل الإرهاب ومركز مكافحة التطرف مع المملكة العربية السعودية، وخادم الحرمين الشريفين، وقد حقق كلا المركزين نجاحًا كبيرًا حيث رأينا مستوى التطرف يتراجع وحجم الأموال التي تذهب إلى الجماعات الإرهابية ينخفض. وأخيرا الهدف الرابع كان الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، والذي من الواضح أننا بذلنا جهودًا كبيرة بشأنه خلال الأشهر الأخيرة – على مدى السنوات الماضية.

لذلك إذا أخذتم ما حدث خلال العامين الماضيين وربطتموه معًا، لرأيتم أن الرئيس ترامب نقل العاصمة إلى القدس، واعترف بهضبة الجولان أنها اسرائيلية، وخرج من الصفقة الإيرانية، وأظهر للناس في المنطقة أنه يحافظ على وعده، ويعيد الثقة مع حلفائه، ويظهر أنه سيدافع عن الصواب وأن لديه وجهة نظر عن المنطقة تتماشى مع ما رآه الكثير من الناس حول مصدر المشاكل.

لقد قدنا مؤتمر وارسو حيث جمعنا رئيس الوزراء نتنياهو مع العديد من وزراء الخارجية العرب، حيث كانوا يتحدثون جميعًا على نفس الوتيرة حول التهديدات في المنطقة وكيف كان هناك قواسم مشتركة بين الدول أكبر مما كان الناس يعتقدون. ثم عقدنا المؤتمر الاقتصادي في البحرين حيث وضعنا رؤية للشعب الفلسطيني، حيث وضعنا خطة اقتصادية مفصلة للغاية بقيمة 50 مليار دولار لكيفية تحسين حياة الشعب الفلسطيني. ستضاعف تلك الخطة ناتجها المحلي الإجمالي، وتخلق مليون فرصة عمل جديدة، وتقلّل من معدل الفقر بنسبة 50٪. قاطع الفلسطينيون هذا المؤتمر بينما شارك الجميع، الأمر الذي غيّر بالفعل السردية في المنطقة بحيث بات الناس يتساءلون بشكل أساسي، “ما خطب القيادة الفلسطينية؟”

وأخيرًا، وضع الرئيس رؤيته للسلام في يناير من هذا العام. اعتقد الكثير من الناس أن الحلّ سيكون حلّ الدولة الواحدة. من خلال رؤية الرئيس، التي كانت تقوم على أساس حل الدولتين، وشملت أول خريطة يتفق عليها أحد الطرفين وتم طرحها علنًا في مفاوضات سلام، جعل إسرائيل توافق على التفاوض على أساس رؤية الرئيس، وتوافق على الخريطة، وتوافق على المضي قدما في إقامة دولة فلسطينية. كان هذا إنجازًا كبيرًا غيّر رأي الكثير من الناس في المنطقة حول جدية إسرائيل في تقديم تنازلات فعلية لحلّ هذا الصراع الطويل الأمد. لقد أظهر للاعبين الإقليميين الآخرين أن إسرائيل جادة وأن الوقت قد حان للمضي قدمًا في المنطقة.

بينما نمضي قدمًا في التطبيق – لتنفيذ الخطة وتطبيق السيادة الإسرائيلية على مناطق في الضفة الغربية، كانت الصفقة التي كنا نعمل عليها هي أن إسرائيل، مقابل ذلك، لن تتوسع أكثر في سيادتها. لذلك سنمنح تجميدًا لمدة أربع سنوات ولن تتجاوز إسرائيل خلالها حواجز ما اتفقنا عليه في الخطة، وبالتالي توفير فرصة إقامة دولة فلسطينية على مدى السنوات الأربع المقبلة. ذلك ما كنا نقترب من تحقيقه، لكن الكثير من الناس اعترضوا عليه. وبينما كنا نتحرك إلى الأمام، اعتقدت الإمارات العربية المتحدة أنه ربما من خلال إقامة علاقات مع إسرائيل والارتقاء بعلاقتهم إلى المستوى التالي، يمكنهم وقف ذلك ووقف إمكانية إدانة إسرائيل بسبب ذلك وإعطاء الشعب الفلسطيني الأمل في وجود فرصة لتسوية تفاوضية لا تزال مطروحة على الطاولة.

الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل قوتان أمنيتان وتكنولوجيتان واقتصاديتان، وأعتقد أننا سنبدأ في رؤية نمو هائل في التجارة بين البلدين. الإسرائيليون متحمّسون للغاية لأنهم يستطيعون الحصول على رحلات جوية أرخص الآن من خلال الطيران عبر دبي، وأنا أعلم أن الكثير من المسلمين متحمسون لأنه يمكنهم الآن السفر عبر دبي إلى تل أبيب للذهاب وزيارة المسجد الأقصى، والذي قالت إسرائيل أن ملك الأردن سيبقى هو الوصيّ عليه والذي سيكون مفتوحا الآن لجميع المسلمين. وسأقول إنه على مدى المائة عام الماضية على الأقل أو أكثر، استخدم المتطرفون موضوع المسجد لمحاولة زرع الانقسام والتطرف، ولكن كلما أمكننا حمل المسلمين على القدوم للصلاة في المسجد بحرية وبشكل سلمي، كلما أدرك عدد أكبر من الناس في جميع أنحاء العالم أن المسجد ليس عرضة للهجوم، وأنه مفتوح، ونأمل أن يقلل ذلك من التوتّر القائم بين إسرائيل والعالم الإسلامي على أساس بعض الانقسامات التاريخية المعادية للسامية التي كانت موجودة منذ زمن طويل جدا.

ومن الواضح، فيما يتعلّق بالمسألة بين إسرائيل والفلسطينيين، أن ذلك يمكن اختصاره في الواقع إلى نزاع على الأراضي. قدمت إسرائيل عرضا سخيا جدا لإقامة دولة ومقايضة للأراضي، والكرة هي حقا في ملعب الفلسطينيين الآن. ومن الواضح أننا نرحب بهم في أي وقت للحضور إلى طاولة المفاوضات. وأعتقد أن الرئيس ترامب قد نال ثقة الكثير من الشركاء الإقليميين، أكثر من أسلافه، وهذا ما مكّن من تحقيق هذا الإنجاز التاريخي للسلام.

ما سأقوله هو أنني كواحد من الأشخاص المتفائلين القلائل بشأن الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية، فإن ما رأيته خلال الأيام الأربعة الماضية هو أن المزيد من الأشخاص تحوّلوا إلى التفاؤل بشأن الإمكانات. يبحث الناس عن جميع الفرص العظيمة التي يمكن أن توجد من خلال العمل معًا إذا تخلينا عن بعض صراعات الماضي وتوصلنا إلى كيفية صنع مستقبل أفضل وأكثر إشراقًا. لذلك نحن في غاية التفاؤل. نعتقد أنه سيكون هناك المزيد من العلاقات مع إسرائيل، ونعتقد أنه في مرحلة ما سيتمّ حل القضية الإسرائيلية-الفلسطينية الآن على أساس رؤية السلام. هناك مجال للتفاوض في ظلّ هذه الرؤية والرئيس ترامب مستعدّ للمشاركة في أي وقت لمحاولة حلها. لكنني أعيد مرّة أخرى، لن نركض خلف القيادة الفلسطينية. لقد تواصلنا معهم لنقول لهم بشكل أساسي إنهم إن كانوا يريدون الانخراط الآن، فسيتمّ تعليق السيادة الإسرائيلية على هذه المناطق. وقد قالوا إنهم سيعودون ويتفاوضون إذا حدث ذلك؛ والآن لقد حدث ذلك، لذلك سنرى ما يقرروا القيام به.

مرة أخرى، هناك الكثير من الأسباب للتفاؤل الآن في الشرق الأوسط، وهناك الكثير من الفرص الجيدة، وقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من خلال قيادة الرئيس ترامب واستراتيجيته للمنطقة، والتي تغيرت بشكل كبير. الطريقة التي ينظر بها الناس إلى المنطقة غيرت ما هو ممكن في المنطقة، وسأقول إنه أيضًا أعدّ العدّة لتحقيق المزيد من الإنجازات الرائعة في الأشهر والسنوات المقبلة. لذلك نحن متفائلون تمامًا وأعتقد أنه لا يمكننا التقليل من أهمية هذا الإنجاز. لقد وصف توم فريدمان ما جرى بأنه زلزال ضرب المنطقة، ولكني آمل أن نكون قادرين على إنجاز الكثير لفترة طويلة حتى يتمكن الناس من التركيز أكثر على الفرص الاقتصادية وأقل على التطرف، والتركيز أكثر على كيف يمكننا أن نتّحد جميعًا كأديان مختلفة وشعوب متعدّدة للمضي قدماً بالمنطقة.

وبهذا يمكننا فتح باب الأسئلة.

مدير الحوار: شكرا لك، المستشار الأول كوشنر. سنبدأ الآن في قسم الأسئلة والأجوبة في مكالمة اليوم. يرجى ذكر الاسم واسم الوسيلة الإعلامية التي تمثلونها والاقتصار على سؤال واحد، متعلق بموضوع إيجاز اليوم. لقد تمّ دمجُ الأسئلة المقدمة مسبقًا في قائمة الانتظار. وبذلك، سنبدأ مع كانديس حاتم من بي بي سي عربي، وسؤالها هو: “كيف يمكن للإدارة الأمريكية ضمان تنفيذ الجانب الإسرائيلي لوقف عملية الضم كما نصت عليها الاتفاقية؟”

كبير المستشارين كوشنر: مرة أخرى، قمنا ببناء علاقة ثقة مع إسرائيل. الرئيس ترامب سمعتم في تصريحاته أنه ملتزم بتحميلهم المسؤولية إزاءها. وقد اتفقت إسرائيل معنا على أنهم لن يتقدّموا دون موافقتنا. ونحن لا نخطّط لمنح موافقتنا لبعض الوقت حيث يجب أن يكون التركيز الآن على تنفيذ اتفاقية السلام الجديدة هذه. نريد حقًا الحصول على أكبر قدر ممكن من التبادل بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ونريد أن تركز إسرائيل على إنشاء علاقات وتحالفات جديدة.

مرة أخرى، تلك الأرض هي الأرض التي تسيطر عليها إسرائيل الآن، بصراحة تامة. إنها الأرض التي يعيش عليها الإسرائيليون، وهي لن تذهب إلى أي مكان. لا ينبغي أن يكون هناك أي إلحاح عليهم لتطبيق القانون الإسرائيلي. ولذا نعتقد أنهم سوف يلتزمون باتفاقهم. ومرة أخرى، لديهم ثقة مع الرئيس ترامب. لا أصدق [كلام غير مسموع] لأنه كان حليفًا كبيرًا لإسرائيل. وقال الكثير من الناس عندما نقلنا السفارة، “حسنًا، لماذا تفعلون ذلك من دون مقابل؟” وكان الرئيس ترامب يجيب، حسنًا، أولاً وقبل كل شيء، هذا هو الشيء الصحيح الذي يجب عليك فعله ولا يجب أن تنال شيئا مقابل ذلك [كلام غير مسموع] باعتباره الوعد الذي قطعه على نفسه، وهو يفي بوعوده. وثمً ثالثًا، لقد حصل بالفعل على شيء لم يلتقطه الكثير من النقاد، وهو ثقة الجمهور الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية، وهذا شيء ثبت أنه ذو قيمة كبيرة. إنه يثق بهم ويثقون به، ولا نعتقد أنهم سوف يمضون قدمًا ضد الصفقة التي قمنا بها. وهم متحمسون للغاية بشأن السلام الذي لديهم الآن مع الإمارات العربية المتحدة وبشأن احتمالية تحقيق المزيد من السلام مستقبلا.

مدير الحوار: عظيم. سنأخذ سؤالنا الأول من الخط الإنجليزي من موناليزا فريحة من صحيفة النهار في لبنان  .

سؤال: (غير مسموع) لن يوافق رئيس الوزراء نتنياهو على خطته لضم الضفة الغربية؟

مدير الحوار: أنا آسف، لقد سمعت فقط الجزء الأخير من ذلك. هل تمانعين في التكرار؟

سؤال: هناك أي تأكيدات أو ضمانات بأن السيد رئيس الوزراء نتنياهو لن يستمر في مخطط ضمّ الضفة الغربية؟

كبير المستشارين كوشنر: نعم، لقد أعطانا تأكيدات بأنه لن يفعل ذلك دون موافقتنا، وهذا جيد بما فيه الكفاية بالنسبة لنا. إذن مرة أخرى، الكلام على الورق، في كثير من الأحيان، يكون أقل قيمة من الاتفاق بين الدول، والآن لدينا تفاهم وهذا التفاهم مبني على سنوات عديدة من الثقة والعلاقات. ولذا فإننا نعتقد أن هذا الاتفاق سوف يستمرّ، وهو لا يزال قائماً حتى الآن.

مدير الحوار: عظيم. سؤالنا التالي يأتي من الخط العربي، شوقي محمود من جريدة السياسة في الكويت. ويسأل: ما ردّكم على ما يقال عن الضغط الأمريكي على الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل؟

كبير المستشارين كوشنر: حسنًا، نحن لم نضغط. ستفعل البلدان ما هو في مصلحتها. الكويت لها تجربة سيئة مع الفلسطينيين، حقا. فعندما غزا العراق الكويت، وقف ياسر عرفات والفلسطينيون إلى جانب صدام حسين كما أعتقد، وبعد ذلك طردت الكويت 400 ألف فلسطيني. وها هم الآن وقد اتخذوا وجهة نظر راديكالية للغاية بشأن الصراع حتى الآن لصالح الفلسطينيين، ومن الواضح أن هذا لم يكن بنّاء للغاية.

ما نراه في المنطقة الآن هو أنه من مصلحة الكثير من هذه الدول إقامة علاقات مع إسرائيل، سواء من وجهة نظر أمنية أو اقتصادية. ومرة أخرى، نعتقد أن الدول ستفعل ما هو في مصلحتها. نحن على استعداد للمساعدة في تسهيل ذلك لأنه لم تكن هناك قنوات اتصال جيدة بين بعض هذه البلدان. وبينما توجد علاقة بين إسرائيل وبعض الدول، فإن الثقة ليست موجودة تمامًا لأن هذه علاقات جديدة، وما فعلناه خلال السنوات الماضية هو محاولة تسريع العلاقات وبناء الثقة، ومن ثمّ استخدمنا الثقة المشتركة التي تمكنت أمريكا من بنائها في محاولة أن نكون الوسيط لوضع اللمسات الأخيرة على الكثير من النقاط الدقيقة في هذه الاتفاقيات.

لذلك نعتقد أن الكثير من دول مجلس التعاون الخليجي سترغب في رؤية الأمور تسير قدما، وبصراحة تامة، فإن حياة الشعب الفلسطيني سوف تتحسن عندما يقرّر قادتهم أنهم يريدون إنهاء هذا الصراع، تماما. والآن، هناك عرض كامل على الطاولة؛ يمكن أن يكون لهم دولة فلسطينية، يمكنهم من حقّ تقرير المصير، يمكّنهم من التمتّع بالكرامة. وفيما يتعلّق بالمسجد، لقد تمّ حلّ هذه المشكلة بشكل عادل حيث أن ملك الأردن هو القيّم على المسجد، وباستطاعة المسلمين الذين يريدون القدوم والصلاة أن يفعلوا ذلك. لذلك يبدو أن هذه المشكلة تمّ حلّها إلى حدّ ما في هذه المرحلة. ثمّ فيما يتعلق بالقيادة الفلسطينية، يحتاجون فقط إلى الجلوس ووضع اللمسات الأخيرة على الخريطة، ومن ثمّ يصبح لدينا خطة اقتصادية كبيرة يمكننا التسريع فيها [غير مسموع] ضدّ الفساد ولكنهم بحاجة إلى إجراء بعض الإصلاحات للتأكد من وجود قضاء عادل. عندما عقدنا مؤتمر البحرين، كان هناك أشخاص يتجولون في الشوارع قائلين إن [غير مسموع] جميع رجال الأعمال الذين حضروا المؤتمر. ولذا فهو ليس حقًا مجتمعًا اقتصاديًا حرًا وعادلاً عندما لا يمتلك الناس القدرة على التعبير عن آرائهم. وبالتالي، إذا كنت ترغب في جذب مستثمرين دوليين للدخول ومساعدة الشعب الفلسطيني، فلا بدّ أن يكون لديك بيئة مؤيدة للأعمال التجارية وداعمة للنمو وتتمتع بالشفافية، بحيث يقتنع المستثمرون بأن استثماراتهم لن يتم تدميرها بسبب الحروب والمناوشات.

لذلك أعتقد أننا قريبون جدًا من تحقيق الكثير من الإنجازات في المنطقة، وأعتقد أن الكثير من دول مجلس التعاون الخليجي ترغب في تحقيق إنجازات، لكن نهج الرئيس ترامب لم يكن الضغط على الناس. لا يمكنك فعل ذلك – الهدف هو أنه إذا كنت تصنع السلام ولديك علاقات، فأنت تريد أن تستمر هذه العلاقات وأن تدوم.

والعلاقة التي تقوم على الضغط ليست علاقة قابلة للاستمرار. نفضّل المساعدة في بناء قدرات الناس – جمع الناس ببعضهم وبناء هذه العلاقات على المصالح المشتركة والتهديدات المشتركة حتى يعرف القادة من كلا البلدين أنهم يشاركون معًا حتى يتمكنوا من الحفاظ على أمن مواطنيهم ومنحهم المزيد من الفرص الاقتصادية، وهذا هو الأساس الصحيح الذي يجب أن تُبنى عليه هذه العلاقات، وليس على أساس الضغط.

مدير الحوار: حسنًا، لدينا وقت لسؤالين آخرين. سنأخذ السؤال التالي من الخط الإنجليزي: جوزيف حبوش من العربية.

سؤال: شكرا لهذا اللقاء. أود أن أسأل، كيف تؤثر اتفاقية السلام الأخيرة وما سبقها على الاستقرار في المنطقة، خاصة أن اثنتين من الدول المتاخمة لإسرائيل – وهما لبنان وسوريا – واقعتان تحت التأثير الإيراني، وأن مصير العراق معلق، وهو أيضًا بلد استثمرت فيه طهران عبر وكلائها وميليشياتها؟ هل ترى تحولاً في المدّ ضدّ إيران في المنطقة؟ شكرا لك.

كبير المستشارين كوشنر: حسنًا، هذا سؤال رائع. حتى صحيفة نيويورك تايمز اليوم لديها قصة كبيرة حول كيف تخسر إيران الشارع في المنطقة، وأعتقد أن هذا يجيب عن ذلك. مرة أخرى، إسرائيل هي كبش فداء مناسب للغاية، أليس كذلك. على مدى السنوات العديدة الماضية، استخدم الكثير من القادة في المنطقة إسرائيل كمصدر إلهاء لصرف انتباه جماهيرهم عن أوجه القصور في أوطانهم. وما تراه الآن هو أنه مع كون دولة إسرائيل ليست القضية الرئيسية في المنطقة على مدى السنوات القليلة الماضية، يدرك الناس أن هناك المزيد من عدم الاستقرار وهناك تهديدات لهم بسبب طهران. يعني لم تسقط صواريخ إسرائيلية في السعودية، لكن الصواريخ الإيرانية هي التي سقطت على السعودية. لم تسقط صواريخ إسرائيلية في الإمارات، ولكن الصواريخ الإيرانية سقطت هناك. لا يوجد وكلاء لإسرائيل يعملون على زعزعة استقرار سوريا ولبنان. الميليشيات المدعومة من إيران هي التي تزعزع استقرار اليمن وسوريا ولبنان.

وهكذا أعتقد أن الناس في المنطقة بدأوا يرون ذلك بشكل أكبر خلال السنوات الماضية، وهناك ردّ فعلٍ كبيرٌ في هذه البلدان ضدّ النفوذ الإيراني. وسيتعيّن على إيران في مرحلة ما اتخاذ قرار، وهذا القرار هو التركيز على تحسين حياة شعبكم، والتوقف عن محاولة أن تكونوا [غير مسموع] مع جميع جيرانك. عليكم أن تتوقفوا عن لعب هذه الألعاب القديمة. توقفوا عن محاولة تصدير الإرهاب والتطرف. وإذا فعلوا ذلك، فسوف تعود المنطقة لاحتضانهم. أما إذا [غير مسموع] هناك منطقة تركز على المستقبل إذا كانت هذه المشاحنات القديمة التي غالبًا ما يستغلها المتطرفون لا تزال موجودة. هذا هو السبب في أن من مصلحة هذه الدول ترتيب علاقاتها مع إسرائيل وعدم السماح لهذه الجهات السيئة باستغلال هذه الانقسامات التي، بصراحة تامة، لا ينبغي أن تكون موجودة.

وهكذا فقد تغيرت مكانة إيران في المنطقة بشكل كبير. لقد تغير وضعهم المالي بشكل كبير بفضل قيادة الرئيس ترامب وإنهائه الصفقة وفرض العقوبات، وأعتقد أن ذلك سيستمرّ. وكلما اجتمعت الدول، مثل إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودول أخرى، سيكون من الصعب على إيران زرع الفتن بينها كما فعلت لسنوات. لقد استغلت إيران على الدوام الانقسامات في المنطقة، وإذا فكرتم من ذا الذي لا يريد فعلا أن تعقد المملكة العربية السعودية وإسرائيل اتفاقية سلام، فستجد أن ذلك الطرف هو إيران. ولكنني أعتقد أن هذا ربما يكون الشيء الصحيح الذي يجب القيام به وأنه أمر حتمي وسيكون جيدًا جدًا للأعمال السعودية وسيكون جيدًا جدًا للدفاع السعودي، وأعتقد بصراحة تامة أن هذا سيساعد أيضًا الشعب الفلسطيني لأنه كلما تحسّنت علاقات إسرائيل مع الدول العربية، زادت قدرتنا على القيام بأشياء، هي نوع من أنواع الاستثمارات المشتركة والمشتركة لتحسين حياة الشعب الفلسطيني.

مدير الحوار: حسنًا. سؤالنا الأخير من بندر الورثان من صحيفة اليوم السعودية، يسأل: “هل يمكننا معرفة المزيد عن التعاون الأمريكي السعودي بشأن خطط السلام في الشرق الأوسط؟”

كوشنر: أنا آسف، هل تمانع في إعادة السؤال من فضلك؟

مدير الحوار: نعم، يسأل بندر الورثان من جريدة اليوم السعودية، “هل يمكننا سماع المزيد عن التعاون الأمريكي السعودي بشأن خطط السلام في الشرق الأوسط؟”

كبير المستشارين كوشنر: لقد أجريت الكثير من المناقشات الآن مع محمد بن سلمان حول هذا الموضوع، ثم أيضًا مع الملك سلمان حول هذا الموضوع. للشعب الفلسطيني وقضيته مكانة عالية في قلب الملك سلمان، وكذلك ولي العهد محمد بن سلمان. وما قالاه بشكل أساسي هو أنهما يريدان رؤية المملكة العربية السعودية تتقدم في المنطقة. إنهما لا يحبان عدم الاستقرار. لكنهما يريدان أيضا أن يريا الشعب الفلسطيني يتمتع بدولة وبفرص اقتصادية، ويودّان أن يريا حلّا لهذه المشكلة.

وقد أصدرت المملكة العربية السعودية بيانًا إيجابيًا للغاية عندما طرحنا رؤيتنا للسلام دعت فيه الطرفين إلى التفاوض على ذلك الأساس، وأعتقد أن كلا من [غير مسموع] يشعر بخيبة أمل من الطريقة التي لعبت فيها القيادة الفلسطينية دورها، ويبدو أنه مهما غيّرت في الاقتراح الذي تقدّمه، فلديهم نفس نقاط الحديث الهجومية التي يقولها أتباعهم، وبصراحة تامة، أشعر أن العالم قد بدأ في حجب الضوضاء التي تخرج من هناك لأنه ما يقولونه يمكن التنبؤ به دائما وغير منطقي. لقد عقدنا مؤتمرا لاستثمار 50 مليار دولار – في فلسطين –للاقتصاد الفلسطيني، وانتقدونا. لقد وضعنا خطة تتضمن أساسًا دولة فلسطينية وأعطيناهم معظم ما يريدون، وانتقدونا. لقد عقدنا صفقة سلام في المنطقة وانتقدونا. أعتقد فقط أن مصداقيتهم تنخفض حقًا إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وحتى الأشخاص الذين يريدون مساعدة الفلسطينيين يرون جيدا أنه لا يمكنك مساعدة الأشخاص الذين لا يريدون مساعدة أنفسهم.

وبصراحة تامة، هناك الكثير من الإحباط في المنطقة من القيادة الفلسطينية، ليس فقط من قبل الشعب الفلسطيني؛ وإنما أيضًا من حلفائهم التقليديين، وذلك لأنهم إما عالقون في الماضي أو لا يريدون صنع السلام أو ربما لديهم خطة لا يستطيع أحد منا اكتشافها. لكني لا أرى كيف تؤدي أفعالهم الحالية إلى حياة أفضل للشعب الفلسطيني. وبصراحة تامة، أعتقد أن القادة في العالم العربي، يريدون فقط رؤية الشعب الفلسطيني – يريدون أن يروا هذا الأمر وقد تم حلّه. في الماضي، كان الكثير من القادة العرب ينظرون إلى هذا الصراع على أنه بيدق، لكن في الوقت الحالي لديك الكثير من القادة الذين يريدون حله حتى نتمكن من المضي قدمًا.

مدير الحوار: حسناً. والآن سأطلب من كبير المستشارين كوشنر إلقاء كلمة ختامية.

كبير المستشارين كوشنر: ممتاز. هذا كل ما في الأمر. شكرًا جزيلاً لكم، ومرة ​​أخرى، دعونا نتفاءل جميعًا. دعونا نأمل أن نتمكن من إحداث المزيد من التغيير. والشيء الوحيد الذي سأطلبه منكم جميعًا هو ذلك – لديكم الكثير من الأشخاص الذين يستخدمون نقاط الحديث المتعبة أو الذين يشتكون. عندما يطرحون هذه النقاط، كنت أسألهم، حسنًا، ما هو الحل؟ ما هو الطريق إلى الأمام؟ لقد قضينا الكثير من الوقت في هذا الملف. لقد تحدثنا إلى الجميع. لقد استمعنا كثيرًا. لقد وضعنا بالفعل خطة شاملة للسلام وكيفية المضي بالأمور إلى الأمام. ولدينا الآن بلدان تعمل على جَسر الانقسامات.

لن تكون هذه المنطقة عظيمة حقًا – حتى يتمّ حل هذه القضايا. المنطقة لديها الكثير من الإمكانات. لديها موارد طبيعية. لديها سكان مبتكرون. سكانها من الشباب. نحن بحاجة إلى جعل هذه البلدان مترابطة مع بعضها البعض ونحتاج إلى أخذ سرطانات الصراع وإخراجها من المنطقة. لكن لسوء الحظ، ما دام ثمّة من يسمح لبعض هؤلاء القادة وهذه المجموعات باستغلال الانقسام، فإن هذا سيستمرّ في إعاقة المنطقة عن تحقيق إمكاناتها الحقيقية، وسيؤدي ذلك إلى منع عشرات الملايين من الشباب من الشرق الأوسط من تحقيق الإمكانات التي لديهم.

لذلك هذا وقت تاريخي. قيادة الرئيس ترامب واستراتيجيته تؤتي ثمارها. وسنستمرّ في تعزيز التزامنا من أجل إحراز تقدم نحو عالم أكثر سلامًا وأمانًا وازدهارًا. شكرا لكم.

مدير الحوار: حسنًا. بهذا ينتهي إيجاز اليوم. أود أن أشكر كبير المستشارين كوشنر على انضمامه إلينا وأشكر جميع المتصلين لدينا على المشاركة. إذا كان لديك أي أسئلة حول مكالمة اليوم، يمكنك التواصل مع المكتب الإعلامي لوزارة الخارجية الأمريكية في لندن عبر LondonHub@state.gov. شكرا جزيلا. أتمنى لكم يوما سعيدا.

كبير المستشارين كوشنر: شكرًا لكم. إلى اللقاء.