تطوير العلاقات التونسية الروسية موضوع اتصال هاتفي جمع المشيشي بلافروف

 

في اتصال هاتفي جمع رئيس الحكومة بوزير الخارجية الروسي: الاتفاق على مزيد التعاون لمجابهة انتشار فيروس كورونا
✅ تحادث رئيس الحكومة هشام مشيشي هاتفيا اليوم مع وزير الخارجية الروسي سيرقي لافروف.
وتناول اللقاء سبل تطوير العلاقات التونسية الروسية وتنويعها بما يخدم مصلحة البلدين.
وشدّد الطرفان على ضرورة تكثيف الجهود والتعاون المثمر فيما يخص محاربة انتشار فيروس كورونا، واتفق الجانبان على التسريع في تواريخ تسليم طلبيات تونس من تلاقيح “Sputnik V” الروسية والمقدرة بمليون جرعة.
وأشاد رئيس الحكومة هشام مشيشي بالعلاقات المتميزة التي تجمع بين تونس وروسيا في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية معربا عن رغبته في تطويرها.
كما توقف رئيس الحكومة عند وضعية الطلبة التونسيين الذين يزاولون تعليمهم في روسيا والذين لم يتمكنوا من العودة الى هذا البلد بسبب انتشار فيروس كورونا، مؤكدا ضرورة ايجاد حل سريع لهذه الوضعية.
من جانبه أكد وزير الخارجية الروسي على ضرورة تطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين، مضيفا بان بلاده تنوي الترفيع في عدد السياح انطلاقا من هذا الصيف خاصة وان تونس أصبحت لدى الكثير من الروس الوجهة الأولى بامتياز.

تصنيف موديز .. آخر إنذار قبل الهاوية .. بقلم حكيم بن حمودة

أثار قرار وكالة الترقيم Moody’s أو موديز بالتخفيض في ترقيمنا السيادي من ب2(B2) إلى ب3 (B3) مع آفاق سلبية الكثير من الجدل والنقاش في الفضاء العام .

ولئن لم يكن هذا التخفيض مفاجئا بل منتظرا فإنه كان صادما باعتبار أنه أشار بطريقة لا لبس فيها إلى الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي نمرّ بها وإمكانية حصول الأسوإ في الأسابيع القادمة وعجزنا على الإيفاء بالتزاماتنا مع ما سينجر عن ذلك من انعكاسات خطيرة على سيادتنا الاقتصادية والسياسية .
ولفهم أهمية هذا التقرير لابدّ من العودة إلى دور وكالات الترقيم السيادي والتأثير الكبير الذي تلعبه في الاقتصاد الدولي .
• دور وكالات الترقيم السيادي
يكمن دور وكالات الترقيم في تقييم قدرة البلدان أو المؤسسات الخاصة أو مؤسسات الحكم المحلي كالبلديات على احترام تعهداتها المالية وخاصة دفع دينها في الآجال المحددة.وتقوم هذه المؤسسات بإعداد تقاريرها بدعوة من الزبون أي الدولة أو المؤسسة الخاصة لإقناع المستثمرين بحسن صحتها المالية وقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها وبالتالي لتشجعيهم على الاستثمار .
وتدرس الأسواق المالية والمستثمرون على المستوى العالمي تقارير وكالات الترقيم السيادي والتي تحدد مستوى الاستثمار الذي سيقدمون عليه ونسب المخاطرة التي سيقومون بها .
وتعود وكالات الترقيم السيادي إلى تاريخ النظام الرأسمالي وقد ظهرت أولى هذه المؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1841 اثر الأزمة الاقتصادية لبداية 1830.وقد أظهرت هذه الأزمة هشاشة بعض المؤسسات الاقتصادية وعدم قدرتها على الصمود أمام الرياح العاتية للأزمات الاقتصادية.وهذه الهشاشة كان لها تأثير كبير على استراتيجيات المستثمرين الذين خيروا التريث وعدم المجازفة في استثماراتهم باعتبار شح المعطيات التي يملكونها عن المؤسسات الاقتصادية .
وجاءت في هذا الإطار مؤسسات الترقيم السيادي والتي حاولت ملء الفراغ الذي نجده في النظام الرأسمالي والقيام بدراسات دقيقة وواضحة حول الأوضاع الاقتصادية للدول والمؤسسات الخاصة وبصفة أساسية حول أوضاعها المالية وقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المستثمرين .
ومنذ المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر شهدت شركات الترقيم السيادي تطورا كبيرا لتصبح عنصرا هاما في تطور النظام الرأسمالي إلى جانب شركات المحاسبة هذا إلى جانب عديد المؤسسات المختصة في الخدمات المصاحبة للنظام الاقتصادي .وقد تدعّم دور هذه الوكالات في فترات الأزمات الاقتصادية حيث تكون المخاطرة من جانب المستثمرين صعبة ومعقدة .
وقد عرفت السوق العالمية لوكالات الترقيم في السنين الأخيرة هيمنة ثلاث مؤسسات أمريكية كبرى وهي موديز وFitch( فيتش) وStandard and Poor’s وستاندر اند بورز والتي تمثل أكثر من %95 من جملة المعاملات في هذا المجال .وقد حاولت بعض البلدان الأخرى فك هيمنة «الثلاث الكبار» في هذا المجال مثل الصين واليابان والهند.إلا أن هذه المؤسسات بقيت هامشية ولم تتمكن من الصعود بسرعة في السوق العالمية .
ورغم أهمية مؤسسات الترقيم السيادي الا انها عرفت نقدا كبيرا لعدم قدرتها على استباق الأزمات الكبرى وإعلام المستثمرين بخطورة الوضع الاقتصادي والمخاطرة العالية التي دخلت فيها المؤسسات الاقتصادية .والأزمة المالية العالمية لسنوات 2008 و2009 والتي كادت أن تؤدي إلى سقوط النظام العالمي وأكبر مثال على العجز الذي يصيب هذه المؤسسات.فإلى آخر وقت كانت تقارير وكالات الترقيم تشير إلى صحة وعافية المؤسسات المالية والبنكية الكبرى أسابيع قليلة قبل انهيارها في هذه الأزمة .
ومنذ هذه الأزمة أدخلت المؤسسات الدولية قيودا جديدة والكثير من الحزم في مراقبة عمل مؤسسات الترقيم العالمية.
هذه الملاحظات تشير إلى الأهمية الكبرى التي تكتسيها وكالات الترقيم السياسي وتأثيرها على آراء وقرار المستثمرين الخواص .
ولهذه الأسباب فإن قرار موديز بتخفيض تصنيفنا الائتماني بطريقة كبيرة ستكون له تأثيرات وتداعيات كبيرة على اقتصادنا .
• ما حيثيات القرار ؟
جاء التقرير صادما لأنه احتوى على قرارين في نفس الوقت وهو تمش لا تلجأ إليه وكالات الترقيم السيادي إلا في ظروف استثنائية وعند تقديرها لوجود نسبة كبيرة من المخاطرة والقرار الأول هو التخفيض في ترقيمنا السيادي والمرور من ب2 إلى ب3 وهو يعكس ترديا كبيرا في أوضاعنا الاقتصادية والمالية باعتبار إن بلادنا دخلت مرحلة خطيرة أصبح فيها الاستثمار يشكل نوعا من المضاربة (spéculatif) في لغة المستثمرين .
وغالبا ما يقترن التخفيض في الترقيم ببقاء الآفاق مستقرة .ولكن وكالة موديز رأت غير ذلك ورافقت التخفيض بإقرار آفاق سلبية .
إذن وحتى وإن لم يكن التخفيض مفاجئا فإن حجمه وقرار موديز بمصاحبته بآفاق سلبية شكل صدمة كبيرة ويعبر عن مستوى المخاطرة التي أصبح يمثلها الاقتصاد التونسي في رأي وكالات الترقيم والمستثمرين في العالم .
وعلى أهمية القرار النهائي وقرار التخفيض فإنه يجب علينا دراسة حيثيات هذا القرار والأسباب التي دفعت وكالة موديز الى القيام به .
لنتوقف على الأسباب التي دفعت موديز الى اخذ قرار التخفيض .وقد أشار التقرير إلى عديد المسائل المهمة والتي يمكن لنا أن نجمعها في مسائل أساسية .
المسألة الأولى هي الأزمة السياسية والتشرذم الكبير الذي تعرفه الساحة السياسية والذي يجعل اخذ القرار الاقتصادي والقيام به صعبا إن لم نقل مستحيلا .فالانقسام السياسي يعكس كذلك انقساما كبيرا حول الرؤى الاقتصادية والتصورات والبرامج الاقتصادية .وهذه الانقسامات والاختلافات لن تمكن الحكومة من تجميع توافق حول برنامج الحدّ الأدنى للخروج من الأزمات الاقتصادية المتعددة التي نمر بها ..
المسألة الثانية التي يشير اليها تقرير موديز والتي تفسر التخفيض فتهم ضعف الحوكمة الاقتصادية في بلادنا وعجز مؤسسات الدولة المهتمة بالشأن الاقتصادي .ويشير التقرير إلى التأخير الكبير في القيام بالإصلاحات الضرورية خاصة بالنسبة للمؤسسات العمومية والدعم وكتلة الأجور في ميزانية الدولة .
أما المسألة الثالثة والأساسية والتي يقف عندها التقرير فتخص غياب اتفاق مع صندوق النقد الدولي وتراخي بلادنا في بدء المفاوضات مع مؤسسة واشنطن .
وقد كنت أشرت في عديد المرات إلى أن الخطأ الكبير للحكومتين اللتين تعاقبتا منذ إنهاء الاتفاق السابق في أفريل 2020 هو عدم الانطلاق في مفاوضات جديدة مع الصندوق من اجل اتفاق جديد وإعداد أنفسنا لمفاوضات عسيرة ومعقدة ولكنها ضرورية بالنسبة للمستثمرين في الأسواق المالية العمومية .والى حدّ الآن وبالرغم من هذه التحذيرات لم تنطلق بلادنا بعد في هذه المفاوضات ولم تتقدم حتى بطلب لفتح النقاش مع هذه المؤسسة .
ولا يقتصر التقرير على تقديم أسباب التخفيض بل يشير كذلك إلى أسباب إضافته لآفاق سلبية .وهذا يشير إلى مسألة هامة وهي إيمانه بأن التحديات التي ذكرها لتفسير التخفيض ستتفاقم بدون أن تكون الحكومة قادرة على رفعها وبالتالي على إيقاف النزيف .
إن أهمية تقرير موديز لا تكمن فقط في قرار تخفيض الترقيم السيادي لبلادنا ومصاحبته بتحديد آفاق سلبية لاقتصادنا في السنوات القادمة .بل أن أهمية هذا التقرير تكمن كذلك في حيثياتها حيث لم يؤكد فقط على التدهور الكبير للوضع الاقتصادي والتنامي الكبير بل كذلك على فقدان أو التراجع الكبير لدرجة المخاطرة التي أصبح يمثلها للثقة في قدرة الحكومة ومؤسسات الدولة التونسية على القيام بالإصلاحات الضرورية لتغيير الواقع .
وهذه القراءة الموضوعية و- في نفس الوقت – الصارمة لوضعنا الاقتصادي سيكون لها تأثير كبير وانعكاسات سلبية في الأوساط المالية العالمية .
• ما العمل ؟
هذا الإنذار الخطير والأخير يتطلب من بلادنا ومن كل مؤسسات الدولة الشعور بالخطر الداهم وضرورة توحيد الصفوف من أجل إجابة واضحة وقوية تحمي بلادنا من الهاوية .
وقد أشرت منذ شهر أكتوبر الفائت إلى أن الحلّ الوحيد لهذه الأوضاع ولهذا التدهور الكبير للوضع الاقتصادي هو إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية مع اخذ قرارات شجاعة وجريئة لإنقاذ الاقتصاد وحماية سيادتنا الوطنية على قرارنا الاقتصادي .
يجب علينا اليوم الإسراع بدعوة مجلس الأمن القومي إلى الإنعقاد وضبط خطة اقتصادية واضحة المعالم،محددة ومرقمة من اجل إنقاذ البلاد والعباد .

رفيق عبد السلام وزير الخارجية التونسي السابق : أمريكا تدعم “التوافق السياسي” في تونس وليبيا ومصر

 

* فريق بايدن يدعم الديمقراطية والتنمية والعقلانية ..

* لهذه الاسباب دعونا الشعب الى النزول إلى الشارع

حاوره كمال بن يونس

نوه وزير الخارجية التونسي السابق والقيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام في حديث الى عربي 21 بالجهود و”المساعي” و” الوساطات” التي تقوم بها شخصيات تونسية وسفارات واشنطن والعواصم الأوربية في تونس ، لمحاولة إنهاء الأزمة السياسية الحالية ، التي استفحلت “بعد أن رفض الرئيس التونسي قيس سعيد احترام قرار حوالي ثلثي البرلمان الذي صادق على تعديل حكومي قرره رئيس الحكومة هشام المشيشي وفق صلاحيات ضمنها له الدستور”.

وكشف عبد السلام أن السفير الأمريكي في تونس دونالد بلوم وفريقه أبلغ رئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس الحكومة هشام المشيشي ورئاسة الجمهورية أن ” الادارة الأمريكية ما تزال تدعم الانتقال الديمقراطي وسياسات التنمية في تونس ” وأنها مع ” التوافق السياسي ” والحوار بين أركان الدولة والاحزاب السياسية.

ونوه رفيق عبد السلام بفريق الرئيي الامريكي الجديد بادين وخاصة بوزير الخارجية الجديد الذي سبق له أن زار تونس والتقى قيادة حركة النهضة مرارا ، واعتبر أن واشنطن في مرحلة ما بعد”الرئيس الشعبوي” دونالد ترامب ستدعم مجددا “التوافق السياسي” في تونس وليبيا ومصر وبقية الدول العربية والافريقية .. وتوقع أن يدعم فريق بايدن الديمقراطية والتنمية والعقلانية في تونس وليبيا والدول العربية والاسلامية وفي العالم أجمع بما في ذلك عند تعامله مع الملف النووي الايراني ..

ونوه عبد السلام بالجهود التي تقوم بها سفارات واشنطن ومفوضية الاتحاد الاوربي والعواصم الغربية من أجل تسوية الازمة السياسية في تونس ، لكنه أكد أن ” الاطراف السياسية التونسية مطالبة بالدفع في اتجاه التوافق دون الحاجة إلى تدخلات ووساطات ، بدءا من السيد الجمهورية “.

جماهير النهضة انتخبوا قيس سعيد

لكن لماذا تأزمت علاقات رئيس الدولة قيس سعيد بقيادة حركة النهضة التي كانت دعت بقوة الى انتخابه ووقفت ضد منافسه نبيل القروي؟

رفيق عبد السلام عقب قائلا : ” فعلا استغربنا تعاقب مؤشرات التوتر والتصعيد بين الرئيس قيس سعيد مع جماهير حركة النهضة التي انتخبته ..

ونحن بدورنا تساءلنا لماذا وصلت الأمور هذا الحد من التوتر والجميع يذكر أن آلافا من أنصار حركة النهضة نظموا تظاهرة ضخمة لصالح قيس سعيد يوم الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية في اكتوبر 2019؟”

لكن عبد السلام استطرد قائلا :”

يبدو أن الرئيس قيس سعيد “أصبح يخضع لضغوطات أطراف سياسية متشجنجة وأقلية متطرفة من الاستئصاليين معارضين للديمقراطية وللتوافق السياسي وللتعددية الحزبية وللبرلمان والدستور..”

لكن من تكون هذه الاقلية والاطراف ؟

الوزير التونسي السابق والقيادي في حزب النهضة لم يستبعد أن يكون بينها بعض ” المستشارين ” و” قيادات من حزبي الشعب و التيار ” اللذين يشكلان ” أقلية برلمانية لديها 38 نائبا من بين 217.

مسيرة شعبية ضخمة ؟

وماذا عن المسيرة الشعبية الضخمة التي دعت قيادة حزب النهضة إلى تنظيمها يوم 27 فبراير الجاري ؟

هل لن تتراجع قيادة النهضة عنها في آخر لحظة بعد تعاقب زيارات السفراء والديبلوماسيين الاجانب الى مقراتها والى مكتب رئيس البرلمان راشد الغنوشي ؟

رفيق عبد السلام نفى وجود أي توجه للتراجع عن تنظيم هذه المسيرة الشعبية ، وأورد أن أهم الرسائل التي يراد توجيهها بالمناسبة : دعم الديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات ورفض الانقلاب عليها وعلى المؤسسات الدستورية تحت شعارات فوضوية وشعبوية مثل الدعوة إلى حل الأحزاب وحل البرلمان أو استبدال النظام الديمقراطي المنتخب بنظام شعبوي”.

كما تهدف هذه المسيرة الى “دعم الحكومة وقرار الأغلبية البرلمانية التي منحتها الثقة و التاكيد الالتزام بالدستور ..والاعتراض على الدعوات للانقلاب عليه وعلى شرعية صناديق الاقتراع وعلى المسار السياسي المدني “.

ونفى القيادي في حزب النهضة أن تكون مسيرة 27 فبراير”مسيرة معارضة لأي طرف سياسي بما في ذلك لشخص رئيس الدولة قيس سعيد ” وأكد أنها ” مسيرة مساندة للدولة بكل أركانها ولمؤسساتها المنتخبة وللنظام الديمقراطي التعددي ..”

كما أوضح أنها سوف تكون ” مسيرة مفتوحة لكل الشعب وكل الوطنيين ..وان شعاراتها ستكون وطنية جامعة تدعو للتوافق وليس الى الصدام والتفرقة ” ..

أجواء صائفة 2013 ؟

وهل تذكر هذه المسيرة والاجواء العامة في البلاد بأجواء صائفة 2013 عندما نظمت مسيرات ضخمة معارضة للانقلاب العسكري في مصر ولسيناريوهات الانقلاب في تونس ؟

رفيق عبد السلام اعتبر أن “الاجواء اليوم تختلف عن أجواء صائفة 2013 عندما كانت ” قوى الثورة المضادة في أوجها في تونس وعربيا ودوليا ..لكن الاهداف والرسائل السياسية نفسها ، من حيث الدعوة إلى التمسك بحسم الخلافات سياسيا بعيدا عن الحلول الأمنية والعسكرية وكل سيناريوهات الاستهتار بقرار صناديق الاقتراع “..

واعتبر عبد السلام أن ” التوازنات السياسية الوطنية والاقليمية والدولية اصبحت لصالح الانتقال الديمقراطي وليس لصالح قوى الثورة المضادة والشعبويين الذين انتعشوا في العالم أجمع في عهد دونالد ترامب ثم انتعشوا في المنطقة وفي تونس “..

واعتبر عبد السلام أن ” انتخاب بايدين إعادة الاعتبار للمشروع الديمقراطي عالميا وانكسار للموجة الشعبوية في امريكا ترامب وتونس ..

لأن النزعات الشعبوية التي لا تؤمن بالديمقراطية هي في تراجع عالميا وفي امريكا بعد هزيمة دونالد ترامب وحلفائه في الانتخابات السابقة “.

رسالة الى قيس سعيد

وماذا يتوقع وزير الخارجية السابق من الرئيس التونسي بعد لقاءاته مع عدد من السفراء الاجانب .؟

عبد السلام توجه بالمناسبة بنداء إلى كبار رجال الدولة في تونس وبينهم الرئيس قيس سعيد إلى أن يحكموا المصلحة الوطنية العليا ..

واعتبر أن من بين واجبات رئيس الدولة الذي انتخب وفق دستور ديقمراطي واضح أن يدرك ان هناك مصلحة وطنية ..وان يصغي الى النداءات الداخلية والرسائل الخارجية ويفتح حوارا مع كبار اركان الدولة ورموزها ومع قيادات كل الاحزاب..لان انحيازه الى اقلية من الأحزاب وامتناعه عن المصادقة على قرار اغلبية البرلمان ومحاولة شل عمل الحكومة لا يفيد البلاد ويضر بمصالح الشعب والدولة ..في مرحلة استفحلت فيها الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والصحية “..

ضد أيديولوجية الكفايات، يجب أن تعلم المدرسة التلاميذ التفكير .. بقلم نيكولاس ترونج

حوار متقاطع مع فيليب ميريو (Philippe Meirieu)، المربي والباحث، ومارسيل غوشيه (Marcel Gauchet)، المؤرخ والفيلسوف.

ترجمة: يوسف سليم

بقلم نيكولاس ترونج (Nicolas Truong). نشر الحوار يوم 02 أيلول (سبتمبر)2011.

“في الماضي، كانت الأسرة “تصنع الأطفال”، أما اليوم فالطفل هو الذي يصنع الأسرة. فبقدومه إلى الحياة من أجل إشباع رغبتنا كآباء، يكون الطفل قد غيّر مكانته وأصبح لنا سيدا”

*******************

س: إلى أي حد يقوض تطور المجتمعات الحالية فرص تنفيذ المشروع التربوي؟

– مارسيل غوشيه: نحن نعاني من خطأ في التشخيص: نطلب من المدرسة أن تحل بالوسائل التربوية مشكلات حضارية ناتجة عن حركية مجتمعاتنا ذاتها، ونتفاجأ بأنها لم تنجح… ما هي هذه التحولات الجماعية التي تطرح اليوم تحديات جديدة تماما على العمل التربوي؟ إنها تتعلق بأربع جبهات على الأقل: العلاقة بين الأسرة والمدرسة، ومعنى المعرفة المدرسية، ووضع السلطة، ومكانة المدرسة في المجتمع.

بداهة، الأسرة والمدرسة لهما نفس الهدف من تربية الأطفال: فالأسرة تربي، والمدرسة تعلم، كما قيل في الماضي. لكن من الناحية العملية، أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا.

اليوم، تميل الأسرة إلى التنصل من واجبها حيال المدرسة التي من المفترض أن تقوم بالتربية والتعليم في آن معا. كانت الأسرة في الماضي ركيزة المجتمع، لكن اليوم تمت خصخصتها، وهي الآن تقوم على العلاقة الشخصية والوجدانية بين الأشخاص لمصلحتهم الحميمة الحصرية. ويصعب دمج المهمة التربوية في هذا الإطار الذي يهدف إلى الإشباع العاطفي للأفراد.

– فيليب ميريو: لأول مرة في التاريخ، نعيش في مجتمع حيث الغالبية العظمى من الأطفال الذين يولدون هم أطفال مرغوب فيهم. يؤدي هذا إلى انقلاب جذري: في الماضي، كانت الأسرة “تصنع الأطفال”، أما اليوم فالطفل هو الذي يصنع الأسرة. فبقدومه إلى الحياة من أجل إشباع رغبتنا كآباء، يكون الطفل قد غيّر مكانته وأصبح سيدا لنا: لا يمكن أن نرفض له طلبا، مخافة أن نصبح “آباء سيئين” …

هذه الظاهرة أقحمتها ليبرالية السوق في مجتمعاتنا: فالمجتمع الاستهلاكي، في الواقع، يضع تحت تصرفنا ما لا نهاية من الأدوات التي ما علينا إلا شراءها لإرضاء أهواء أبنائنا.

هذا الاقتران بين الظاهرة الديموغرافية وظهور النزوة المعولمة، في اقتصاد يجعل الدافع للشراء قالبَ السلوك البشري، يقوض التشكيلات التقليدية للنظام المدرسي.

س: إلى أي مدى قلب هذا المعطى الجديد المواجهة التربوية بين المعلم والتلميذ؟

– فيليب ميريو: بعد أن دَرَّسْتٌ مؤخرا المستوى الخامس ابتدائي (CM2) بعد انقطاع دام عدة سنوات، لم أفاجأ كثيرًا من الانخفاض في المستوى مثلما فوجئت بالصعوبة الفائقة لاحتواء فصل دراسي يشبه طنجرة ضغط.

بشكل عام، التلاميذ ليسوا عنيفين أو عدوانيين، لكنهم دائبو الحركة ولا يلزمون أماكنهم. يجب على المعلم أن يقضي وقته في محاولة بناء أو استعادة إطار للبناء. وغالبًا ما يحصر في ممارسة “بيداغوجيا النادل”، حيث يركض من مقعد إلى آخر ليكرر بشكل فردي تعليمة قدمت مع ذلك بشكل جماعي، ولتهدئة البعض، وإعادة الآخرين إلى العمل، فتمتصه طلبات دائمة لمحاورة فردية، ويستنفد نفسه لخفض التوتر سعيا للحصول على الانتباه. ففي عالم الزابينغ والتواصل” المتزامن”، مع الإفراط المستمر في الآثار التي تتوسل رد الفعل الفوري، يصبح من الصعب على نحو متزايد ” فعل التدريس”. العديد من الزملاء “يصطدمون” بشكل يومي باستحالة تنفيذ ما حدده غابرييل مدينييه (Gabriel Madinier ) على أنه التعبير ذاته عن الذكاء: ” عكس التشتت”.

س: بما أن بعض الآباء لم يعودوا يربون أطفالهم من أجل المجتمع، ولكن من أجل نمائهم الشخصي، ألا يجب أن نأسف لأن الثقافة لم تعد قيمة مشتركة في أوروبا؟ وكيف يمكننا ضمان عودتها إلى مركزيتها؟

– مارسيل غوشيه: كانت المعرفة والثقافة مطروحتين باعتبارهما أدوات للوصول إلى الإنسانية الكاملة، في سلسلة متصلة تمتد من الكياسة البسيطة إلى فهم العالم الذي نعيش فيه. هذا ما غذى المثل الأعلى للمواطن الديمقراطي. لقد فقدتا هذا الوضع، وتم اختزالهما في دور نفعي (أوترفيهي).

لقد انفصلت فكرة الإنسانية عن فكرة الثقافة، ولم نعد بحاجة إليها للوجود. لقد غمرتنا موجة الخصخصة التي تلزمنا أن نعيش لأنفسنا، وقبل كل شيء، ألا نهدر وقتنا في محاولة فهم ما يحيط بنا.

إن وراء الشعار التحرري على ما يبدو ” افعل ما تريد!”، هناك فرضية عدمية: لا فائدة من المعرفة، لا يمكن السيطرة على العالم، كن راضيا بما هو ضروري لتشغيل المتجر. وبالنسبة للباقي، اعتن بنفسك.

المدرسة عالقة في هذه الحركة الزاخرة من التجهيل ومحاربة العقل في مجتمعاتنا، والتي تجعل مهمتها شاقة. والتلاميذ لا يعملون إلا على ترجيع ذلك باعتراضهم المزعج: ما فائدة المدرسة؟ لأن هذه هي المفارقة الكبرى التي تعيشها مجتمعاتنا التي تريد أن تكون “مجتمعات المعرفة”: لقد فقدت رؤية الوظيفة الحقيقية للمعرفة.

هذا هو السبب في أن يخامرنا إحساس بوجود مجتمع بلا ربان. لم يعد هناك أي عقل لمحاولة فهم ما يحدث: نحن نتفاعل، وندبر، ونتكيف. وما نحتاجه هو إعادة اكتشاف معنى المعرفة والثقافة.

س: هل هذا يعني أن سلطة المعرفة والثقافة لم تعد أمرا مسلما به، سواء كان الفصل الدراسي صعبا أم لا؟ وكيف يمكننا إعادة تحديد دور السلطة في المدرسة؟

مارسيل غوشيه : لقد أَفِلَتْ السلطوية، وبدأت مشكلات السلطة ! منذ فترة طويلة رُوِّجَ لنموذج من السلطة من طرف الأديان (ما دمت لا تدرك أسرار الإيمان فوض أمرك لرجال الدين) والجيش (السعي إلى الفهم هو عصيان بالفعل). وانهارت هذه الأشكال من الإجبار والفرض بدون نقاش. وهذا أمر جيد! ولكن تجدر الإشارة إلى أنه بمجرد إسقاطها، فإن سؤال السلطة عاد يثار على نحو جديد. لماذا هذا السؤال مهم جدا في المدرسة؟

ببساطة لأن المدرسة ليس لديها وسائل عمل أخرى غير السلطة: يتم استبعاد استخدام القوة، ولن تجبر أي قيود مؤسساتية أي شخص على التعلم. وبالتالي تستند قدرة المعلم على الإقناع في فصله على الثقة الموضوعة فيه وفقا للتفويض الممنوح له من قبل المجتمع والمكفول من قبل المؤسسة. ونحن هنا لدعمه فيما هو مهمة جماعية.

ويجري الآن التشكيك في هذا الاتفاق. ويتم اختزال المعلمين إلى الكاريزما الخاصة بهم. وهم يعملون بدون توجيه وبدون تفويض مؤسسي واضح. لم يعد المجتمع يسندهم من وراء، بدءا من إدارتهم. هذا هو ما يؤدي إلى أزمة السلطة في المدارس: المعلمون موجودون هناك نيابة عن مجتمع لا يعترف بالدور الذي يلعبونه.

– فيليب ميريو : السلطة في أزمة لأنها فردية ولم تعد مدعومة بوعد اجتماعي مشترك. في الماضي كان الأستاذ يستمد سلطته من المؤسسة، أما اليوم، فالحصول عليها يتوقف عليه. كانت المدرسة تضمن أن سلطة الأستاذ وعد مؤجل بالنجاح، لكنه حقيقي لمن يمتثل لها.

اليوم تم الإخلال بوعد المدرسة، ولم تعد مقولة ” اعمل وسوف تنجح “عملة رائجة. والمدرسة التي كانت مؤسسة، أصبحت خدمة، والتبادلات داخلها تحكمها حسابات الفائدة قصيرة الأجل. وميثاق الثقة بين المدرسة وأولياء الأمور أصبح لاغيا. وغالبا ما يعتبر الأولياء المدرسة سوقا يبحثون فيه عن أفضل قيمة مقابل الثمن.

التحدي الناتج عن هذا الوضع ذو شقين. يجب علينا أولاً إعادة إضفاء الطابع المؤسسي على المدرسة حتى في هندستها المعمارية. إذا كانت المدارس الثانوية من العهد النابليوني تعمل بشكل جيد، فذلك لأنها في منتصف الطريق بين الثكنة والدير، وتمزج بين النظام والتأمل. إن إعادة إضفاء الطابع المؤسسي تقتضي تهيئة مواقف كفيلة بإثارة الوضعيات العقلية للعمل الفكري.

من الضروري تحديد المكان والزمان، وهيكلة المجموعات، وإقامة طقوس قادرة على دعم الانتباه وشحذ العزيمة على التعلم…

يجب علينا بعد ذلك، استعادة لذة الوصول إلى الكتاب، ضدا على المعرفة الفورية والنفعية، وكل انحرافات ” البيداغوجيا المصرفية”. لا ينبغي اختزال مهمة المدرسة إلى اكتساب مجموعة من الكفايات، مهما كانت ضرورية، ولكن الوصول إلى الفكر. فمن خلال وساطة العمل الفني أو العلمي أو التكنولوجي، يتنظم الفكر ويكتشف متعة، ليست متعة الهيمنة، بل متعة المشاركة.

س: هل يتطلب إعادة تحديد دور المدرسة إذن إعادة فحص نقدي لوسائلنا التعليمية أيضا؟

– فيليب ميريو: الوصول إلى العمل (l’oeuvre) يصطدم بالرغبة المحمومة لدينا إلى المعرفة الفورية، لأنه يتطلب تأجيل تسخير المعرفة والدخول في مغامرة فكرية، ولأن أبناء الحداثة يتوقون إلى المعرفة، بل يتوقون إلى معرفة كل شيء. لكنهم لا يريدون التعلم حقًا، لأنهم ولدوا في عالم من المفترض أن يسمح فيه التقدم التقني بالمعرفة دون التعلم: اليوم، لالتقاط صورة صافية، لا أحد يحتاج إلى حساب النسبة بين عمق المجال والحجاب الحاجز، ما دام الجهاز يقوم بكل ذلك من تلقاء نفسه …

وبالتالي، فإن النظام المدرسي يستهدف التلاميذ الذين يرغبون في المعرفة، ولكنهم لم يعودوا يريدون التعلم حقًا. التلاميذ الذين ليس لديهم أدنى فكرة أن التعلم يمكن أن يشكل فرصة للتمتع.

في الواقع، لطالما أبدت الثقافة الفرنسية مقاومة لنظريات التعلم، مفضلة نظريات المعرفة عليها: وهكذا يبدو ” عرض المعارف بصدق ” الطريقة الوحيدة للتدريس، سواء كان يأخذ شكل النزعة الموسوعية الكلاسيكية أو أطرا مرجعية للكفايات السلوكية.

في هذا المنظور، فإن المعرفة البرنامجية هي في حد ذاتها بيداغوجيتها الخاصة، وأي وساطة، وأي اشتغال على الرغبة، هي جزء من نزعة بيداغوجية حقيرة. يؤسفني بشدة الجهل بتاريخ التربية في الثقافة الفرنسية: إنه تاريخ يساعدنا على الكشف عن تناقضاتنا وأوجه القصور لدينا، وإعادة تحديد دور المدرسة.

– مارسيل غوشي: ماذا نعرف عن معنى “التعلم”؟ لا شيء تقريبًا. لكن في الواقع، نحن ننتقل بسلاسة من فئران التجارب وعلم النفس المعرفي إلى الكفايات التي تهم الشركات. لكن الجوهري يكمن بين الاثنين، أي فعل التعلم، المتميز عن المعرفة، الذي لا نكف، خطأً، إلى إرجاع معناه إليها. التعلم، في الأساس، بالنسبة للطفل، هو أن يدخل أولا وقبل كل شيء عالم العلامات الخطية (graphiques) عن طريق القراءة والكتابة، والوصول عن طريق هاتين الوسيلتين إلى الموارد اللغوية التي تكشف عنها تجسداتها المكتوبة.

في الواقع، هذه عملية صعبة للغاية لم ننته منها إطلاقا. لأن القراءة ليست مجرد فك رموز، بل هي فهم أيضًا. وهذا ينطوي على سلسلة من العمليات المعقدة للتحليل والوضع في السياق وإعادة التشكيل التي لا نعرف عنها شيئًا تقريبًا. كيف يمكن للمرء أن يتملك معنى النص؟

نلاحظ على نحو تجريبي أن البعض من التلاميذ يتحصل المعنى دونما جهد، بينما يتعطل البعض الآخر عن ذلك لسبب غير مفهوم. حول كل هذه الموضوعات، تعوزنا الحيلة: فنتشبث بمزيج من التقاليد البالية والابتكارات التربوية العمياء، إلى حد ما.

مثلما لا يتم اختزال أي مهنة إلى مجموع المهارات اللازمة لممارستها، كذلك لا يتم اختزال أي معرفة إلى مجموع المهارات اللازمة لإتقانها. هل المهارات الخطية والكتابية والإملائية والنحوية كافية لدخول ثقافة متعلمة (lettrée)؟ أنا لا أصدق ذلك، لأن ولوج المكتوب يعني القدرة على تحويل قيود اللغة إلى موارد للفكر.

هذا اللعب بين القيود والموارد هو نتيجة عمل تعليمي غير قابل للاختزال لتراكم المعرفة -الفعل وممارسة التمارين الآلية. ويحيل إلى القدرة على ابتكار مواقف مولدة للمعنى، والتي تمفصل بشكل وثيق بين الاكتشاف والشكلنة. بيد أننا نبتعد اليوم عن ذلك بسرعة من خلال كتيبات المهارات التي تراكب مهارات مختلفة جدا مثل “معرفة كيف تكون مبدعًا” و “معرفة كيفية إرفاق ضميمة برسالة بريد إلكتروني”.

إذن ما الذي يمكن أن تعنيه عبارة “يمتلك الطالب 60٪ من الكفايات المطلوبة”؟ يشير مفهوم الكفاية أحيانًا إلى المعرفة التقنية القابلة لإعادة الإنتاج، وأحيانًا إلى القدرات غير القابلة للتحقق والتي لا يسعى أحد إلى معرفة كيفية تشكلها. هذه الأطر المرجعية تذري مفهوم الثقافة وتجعلنا نغفل عن التكوين في القدرة على التفكير.

س: في الوقت الذي ننتقل فيه من بيداغوجيا المعرفة إلى بيداغوجيا الكفايات، ما هي الرافعات السياسية التي تمكن من تجديد أدوار المدرسة؟

– مارسيل غوشيه : يجب تجديد أدوار المدرسة، لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك بمفردها في زاويتها. إنها ليست مجال تخصص مثل أي مجال آخر يكفي أن يوكل أمرها إلى الخبراء حتى يجدوا الحلول. لا يمكن حل المشكلة التعليمية في ظل هذه الظروف. إنها مسألة تتعلق بالحياة العامة إلى أقصى حد، وترهن مستقبل مجتمعاتنا، ولا يمكن التعامل معها إلا باعتبارها مسؤولية جماعية تهمنا جميعًا، وليس آباء التلاميذ فقط.

أحد التطورات الحالية الأكثر إثارة للقلق هو التثبيت في مركز القيادة لرؤية اقتصادية بحتة للمشكلة، وهي رؤية تمت بلورتها وتطويرها على نطاق دولي.

وهذا ما يلخصه صدى نتائج استطلاعات البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ (PISA)، الذي أنجزت تحت اشراف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE). ولا تقوم وزارة التربية الوطنية إلا بعكس مفاهيم مشكوك فيها لنوع الأداء الذي يجب أن تسعى إليه أنظمة التعليم.

أقول مفاهيم مشكوك فيها جدا، بما في ذلك من زاوية العمالة والكفاءة الاقتصادية. من يمكنه أن يأخذ على محمل الجد كتيب الكفايات الذي اعتمد في المدارس الإعدادية بهدف تقييم مكتسبات التلاميذ بشكل أفضل؟

في العمل كما في باقي مناحي الحياة، لا يمكننا التقدم على جميع المستويات إلا بالفكر. ووظيفة المدرسة هي بكل بساطة أن تعلم التلاميذ مهارة التفكير، ومساعدتهم على بلوغ هذه السعادة التي هي إتقان الأشياء التي نزاولها عن طريق العقل، مهما كانت. هذا هو إلى حد بعيد النهج الأكثر فعالية. إن الوهم الذي نعيشه اليوم هو الاعتقاد بأننا سنحصل على أفضل النتائج العملية بالتخلي عن هذا البعد الإنساني.

–  فيليب ميريو : أتفق تمامًا مع مارسيل غوشيه حول أهمية التعبئة السياسية في موضوع التعليم، والذي يتجاوز نطاق المدرسة. لا تقدم البرامج التعليمية للحزبين السياسيين الفرنسيين الرئيسيين سوى إصلاحات مدرسية جديدة، إذ لا تشير البتة إلى الأسرة، ودور وسائل الإعلام، وتواجد البالغين في المدينة، والعلاقات العابرة للأجيال.

س: مارسيل غوشيه وفيليب ميريو، في حين أنكما تنتميان إلى حركتين مختلفتين، فقد سعيتما إلى تجاوز التعارض القائم بين ” المربي” و “الجمهوري”، هذا الخلاف القديم الذي قسم من يسمون بأنصار معرفة النقل وأولئك الذين دافعوا عن النقل الحصري للمعارف. هل هذه علامة على نهاية الانقسام العنيد، بل المتصلب؟

.- مارسيل غوشيه : يبدو لي أن المعارضة بين المربيين والجمهوريين أصبحت من الماضي. أنا سعيد بذلك، لأنني عملت دائمًا على تجاوزها. إن الاختلاف النسبي بيني وبين فيليب ميريو يرجع ببساطة إلى اختلاف المنطلقات. ينطلق فيليب ميريو من التربية، بينما أنطلق أنا من انشغال سياسي أكثر.

من المهم، بالتأكيد، معرفة التراث التربوي، لكن ربما أكون أكثر حساسية من فيليب ميريو للجديد في الوضع التربوي. لا يبدو لي أن أي خطاب موروث، الآن، يرقى إلى مستوى واقع المدرسة الذي نشهده اليوم.

–  فيليب ميريو : في الوقت الحاضر، المهم هو خلق مدرسة تكون عن عمد فضاء للتباطؤ، ومكانًا لتعلم التفكير، وتجربة عمل جماعي متضامن. بيد أنه فيما يتعلق بهذه الأسئلة، يبدو لي أن التراث التربوي في غاية الغنى والثراء. وفي المقابل، فإن الانقسام السياسي يقع بين أولئك الذين يعهدون للمدرسة بنقل مقدار من المعارف التقنية التي تضمن لأَجَلٍ قابلية توظيف الأفراد، وأولئك الذين يرون أن للمدرسة رسالة ثقافية تتجاوز مجموع المهارات التقنية التي تسمح باكتسابها.

وهذه قضية مجتمعية تتطلب نقاشا ديمقراطيا حقيقيا.

ترجمة: يوسف سليم

تونس في رئاسة مجلس الأمن : هل نجحت مؤسسة رئاسة الجمهورية في خدمة مصالح تونس ؟ .. بقلم البشير الجويني

تونس في رئاسة مجلس الأمن : هل نجحت مؤسسة رئاسة الجمهورية في خدمة مصالح تونس ؟

قراءة في آداء الدبلوماسية التونسي بعد سنة من تواجدها في مجلس الأمن

بقلم البشير الجويني

باحث في العلاقات الدولية

مر شهر جانفي2021 الذي تولت فيه تونس رئاسة مجلس الأمن مرور الكرام ولم ينبته له التونسيون (ولا غيرهم) وسط جدل كبير وسقف توقعات أكبر على اعتبار أن تونس لم تحمل بوجودها في مجلس الأمن  آمال شعبها فحسب بل كانت حاملة لآمال و قضايا دول الجوار ( الجوار الليبي وأهمية  الدفع في مسار الحل السياسي عبر القنوات المعروفة) والجوار الإفريقي ( نزاعات الساحل والاضطرابات المرتبطة بالعمليات الانتخابية والقرار 2041/43) والانتماء العربي ( المصالحة الخليجية وما أثاره من توترات الوثيقة 1284 مثلا) والفضاء المتوسطي (نزاع شرق المتوسط وما نجم عنه)

فهل نجحت تونس في تحقيق الإنتظارات ؟

بداية لا بد من الرجوع إلى لحظة تسم تونس لمقعدها في مجلس الأمن الذي كان بتاريخ جانفي 2020 والذي تعلقت إثره آمال المتابعين من التونسيين ومن أشقاء تونس و أصدقاها المستبشرين بتسلمها مقعدا داخل مجلس الأمن خاصة أن التصريحات التونسية الصادرة عن وزارة الخارجية كانت تبشر بأن تونس “ستسهر على الدفاع عن المواقف المتخذة بشأن مختلف الملفات المتصلة بالفضائية العربي و الإفريقي وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والأوضاع في ليبيا”

غير أن الأداء التونسي بدأ مرتبكا وضعيفا وانطلق بما اصطلحت عليه الأوساط في نيويورك “أزمة إقالة مندوب تونس لدى الأمم المتحدة” حيث تم عقد جولة مشاورات مغلقة جمعت أعضاء مجلس الأمن و تم فيها التطرق مشروع الخطة الأمريكية فيم عُرف بصفقة القرن  غير أن ممثل تونس (رفقة ممثل اندونيسيا) المنحاز إلى القضية الفلسطينية قد دفع ثمنه إقالته من منصبه ساعات قليلة بعد اللقاء المذكور وبررت وزارة الخارجية التونسية ورئاسة الجمهورية الأمر بكونه “أراد الإساءة إلى البلاد ورئيسها “عبر توزيع مشروع قرار مناهض للخطة الأمريكية من دون أي مشاورات مسبقة مما نجم عنه استقالة البعتي (وهو دبلوماسي مخضرم مشهود له بالكفاءة) وقوله “قرّرت الاستقالة من السلك الدبلوماسي التونسي، إنها مسألة شرف ومبدأ”، مشيرا إلى أنّه لم يعلم بقرار وزارة الخارجية إعفاءه من مهامه واستدعاءه إلى تونس إلا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

طبعا بداية غير موقفة مثل هذه البداية لا يمكن إلا أن ينجر عنها مزيد من الخسائر و التململ داخل وزارة الخارجية كما عبر عن ذلك مسؤولون سابقون خرجوا للإعلام رغم واجب التحفظ الذي يُعرف عن أبناء الوزارة فقد أفاد وزير الخارجية الأسبق أحمد ونيس أن قيس سعيد””زعزع أسرة وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج” بعد توليه مهامه وذلك عن طريق “عزل جملة من الدبلوماسيين المهمين” والذين اعتبرهم مرجعيات بالنسبة للأسرة الدبلوماسية التونسية.

كما يلاحظ المتابع التحركات الاحتجاجية التي يخوضها أبناء وزارة الشؤون الخارجية للمطالبة بجملة من الحقوق وظروف العمل الضرورية التي يتمتع بها زملاؤهم ونظراؤهم في العالم والتي تلقى مساندة من أطراف متعددة.

في ظل كل هذه المشاكل المتعلقة بأداء مؤسسة رئاسة الجمهورية التي يُناط بها مهام محددة ضبطها الدستور فحدد اختصاصات رئيس الجمهورية بتمثيل الدولة ورسم السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة، وذلك وفقا للفصل 77 منه.

ورغم مرور أكثر من نصف عهدة تونس في مجلس الأمن ومرور شهر جانفي الذي ترأست فيه المجلس إلا أن الحصيلة تبدو ضعيفة ولا تتجاوز القرار 2532 الذي أعربت وزارة الخارجية التونسية عن كونه قرار “تاريخي”  وأكد وزير الخارجية أن ” تبني هذا المشروع سيوفر لكل دول العالم الدعم في مكافحة الأزمات غير التقليدية. “كما أن “أنّ تبني مجلس الأمن الدولي لمبادرة تونسية توجه بها رئيس الجمهورية إلى المجموعة الدولية ومجلس الأمن لتفعيل دوره المطلوب لمجابهة جائحة غير مسبوقة، يعتبر إنجازا كبيرا في تاريخ الدبلوماسية التونسية وصلب مجلس الأمن” وهو كلام أقل ما يقال فيه أن مغالطة للتونسيين وللعالم فبمقارنة بسيطة يمكن أن نستنتج :

  • القرار جاء متأخرا وبعد انتظار طويل (حوالي نصف سنة )
  • جاء القرار بعد فترة أولى فهم فيها لعالم أن نجاة كل دولة مرتبط بإجراءاتها الذاتية ولاحظنا فيها ظواهر غريبة عن القرن 21 والعالم المعولم والتضامن الدولي و ما إلى ذلك من المصطلحات التي حواها القرار ( إغلاق تام الحدود,علاقة إيطاليا بالإتحاد الاروبي,أنفاء وأنانية في الحديث عن توزيع عادل للقاح..)
  • مقارنة بجوائح أخرى أقل انتشارا و تهديدا (الإيبولا مثلا الذي أفرد له مجلس الأمن آليات أكثر نجاعة وفي أقل وقت ممكن ودون أسانيد قانونية متوفرة سلفا) لم يكن للقرار أي أهمية تذكر
  • ما تم تسريبه أن فرنسا هي الطرف الذي صاغ القرار وما تونس إلا غطاء تم عبره تمرير القرار
  • الممانعة الروسية (التي كشفتها وسائل إعلامية)في المضي والموافقة على الإجراءات الاستثنائية والتمسك الحرفي بنصوص تنظيمية ترتيبية في علاقة باجتماعات مجلس الأمن وفشل تونس (و داعميها) في إقناع روسيا بالتنازل
  • القرار “أوقف” نظريا النزاعات ولكنه عمليا لم يوقف النزاعات الحقيقة لأنه استثناها من قراره (ليبيا، موريتانيا، تشاد، مالي، بوركينا فاسو ,النيجر, تنظيم الدولي في العراق والشام، جبهة النصرة، القاعدة في اليمن، حركة طالبان كشمير)
  • جاءت صيغة القرار على معنى “المناشدة” و “الاستجداء” من خلال مصطلح “مجلس الأمن يهيب بجميع الأطراف..”

لا يمكن في النهاية الهروب من خلاصة أضحت متفقا عليها تقريبا وهو أن إدارة الدبلوماسية التونسية خلال ولاية الرئيس قيس سعيد(المسؤول الأول عن صياغة الدبلوماسية والعلاقات الخارجية) قد شهدت هزات و تذبذبا غير مسبوق وهو ما يعود في جزء كبير منه إلى عدم التركيز على مميزات تونس والبناء على ما تم إنجازه طيلة تاريخ الدولة الوطنية بعد الاستقلال فضلا عن عدم استثمار صورة تونس الديمقراطية الوحيدة في المنطقة ففشلت تونس فشلا ذريعا  أمور عدة منها :

  • المساهمة في الحل في ليبيا : تم إغلاق السفارة التونسية منذ 2014 ولم يُعد افتتاحها إلا بداية 2021 دون برنامج وطني ومراهنة حقيقية ومُبرهنة من الدبلوماسية التونسية ومؤسسة الرئاسة وتنسيق مع باقي مؤسسات الدولة.
  • تشخيص الحالة في ليبيا و المراهنة على الحل المدني : تذكر رئاسة الجمهورية في أكثر من مناسبة بدورها في الحوار الليبي عبر “حوار القبائل” وهي محطة جانبت فيها الدبلوماسية التونسي ثوابتها في التعاطي مع الدول والتمثيليات الرسمية المعترف بها فضلا عن سوء تقدير مصلحة البلد في استقبال جسم قبائلي غير مؤثر ويشهد انقسامات متعددة.
  • المساهمة في لعب دور محوري في حل الأزمة في ليبيا : حيث تم الاكتفاء بمتابعة مخرجات برلين (الذي لم تكن تونس حاضرة في افتتاحه ولولا القرب الجغرافي وإرث الحياد الإيجابي وضغط المؤسسات الأممية لما كان لمؤتمر الحوار السياسي نوفمبر 2021 أن يقع في تونس.
  • الغياب المتواصل و غير المبرر وفق متابعين عن الساحة الإفريقية عمق تونس الإستراتيجي وعن المحافل الدولية:غابت رئاسة الجمهورية في أكثر من 9 مناسبات عن قمم إفريقية ودولية كان لحضور رئاستها رمزية كبيرة فيها.
  • مواصلة جهود الرؤساء السابقين في استرجاع الأموال المنهوبة حيث اكتفت مؤسسة رئاسة الجمهورية بجملة اجتماعات في الوقت الضائع دون إجراءات واضحة.

قد تكون الصورة قاتمة في ظل كل هذا الفشل وقد لا يكون المخرج مرتبطا بأداء رئاسة الجمهورية فحسب بل بالوضع العام في تونس وفي العالم وقد يكون للدبلوماسية الشعبية المدنية أو البرلمانية قدرة على الفعل وتحريك السواكن وزيادة في تنافس “الرئاسات” لكن الأكيد أن تونس و صورتها قد تضررت خلال هذه العهدة سواء كان ذلك بالحديث حول مؤامرات ورسائل مسمومة يشهدها قصر قرطاج  و”الغرف المظلمة ” أو دبلوماسيين “عديمي الكفاءة” كما تصفهم مؤسسة الرئاسة يتم إقالتهم دون توضيح أو انسحابات متتالية في فريق الرئاسة أو سياسة اتصالية غير موجودة وإن وجدت فهي حمالة أوجه.

فهل يمكن حفظ ماء الوجه فيم تبقى من العهدة الرئاسية؟

 

 

حمادي الرديسي في حوار شامل عن “الإسلام السياسي” و الثورات العربية و “الشعبوبين” في تونس..

نشر المفكر والكاتب اليساري التونسي حمادي الرديسي مع مجموعة من الأكاديميين مؤخرا كتابا تضمن دراسات عن بروز “الشعبوية” وتصدر”الشعبويين” للمشهد السياسي في تونس منذ انتخابات 2019 الرئاسية والبرلمانية ..

الإعلامي والأكاديمي كمال بن يونس حاور حمادي الرديسي خصيصا لـ “عربي21”، حول استنتاجات كتابه الجديد وحول قراءته للمستجدات عالميا وعربيا وحصيلة 10 أعوام من “الثورات العربية ” في علاقة بالخلفيات الثقافية والفكرية للسياسيين، واستنتاجاته في كتبه عن “تراجيديا الإسلام” و”الاستثناء الإسلامي” و”الإسلام المتردد” و”تاريخ الوهابية” و”الإسلام والحداثة”…

كما شمل الحوار رؤية الرديسي لمستقبل تونس والمنطقة في صورة فشل النخب العقلانية والديمقراطية في معركتها مع “الشعبوية” و”السلفيات العنيفة “..

س ـ أستاذ حمادي الرديسي تزايد التخوف في تونس وعالميا من “الشعبوية” و”الشعبويين”.. وقد أصدرت مؤخرا مع ثلة من الأكاديميين عن انتعاش “الشعبوية “في تونس بعد انتخابات 2019 التي أوصلت قيس سعيد إلى قصر قرطاج ومجموعات من “أقصى اليمين” السياسي والديني إلى البرلمان. كيف تفسر هذا المنعرج الثقافي السياسي الخطير؟

ـ تصاعدت الشعبوية منذ 10 أعوام على عدة جبهات ..اقتنع الغالبية بفشل المنظومة السابقة مما تسبب في انهيار نظام الحكم والانتفاضات الشعبية والثورات ..الشعبوية ازدهرت في المنطقة وفي تونس داخل مجموعات سياسية وثقافية إسلامية وعلمانية منذ انهيار نظم الحكم التي استهدفتها ثورات 2011..

في هذا السياق واكبنا بروز المجوعات المحسوبة على التيارات السلفية الدينية المتشددة وعلى التنظيمات المسلحة والإرهابية مثل “الدواعش” ..وتبنى قياديون في حزب النهضة بعد ثورة 2011 مقولات سياسية شعبوية، مثل غلق الحانات والملاهي والفنادق السياحية واستبدالها بمؤسسات زراعية وأطلقوا خطابا سياسيا غير واقعي تضمن مئات الوعود غير القابلة للتنفيذ..

لكن غالبية الشعب والنخب عارضت تلك المواقف فعدلت قيادة النهضة بعض مواقفها بعد 2013 وتبنت مواقف براغماتية وعلى الدستور الجديد.. وتسبب هذا التطور داخل النهضة في بروز “شعبويين جدد” في البلاد باسم الدين والتراث والعروبة والوطنية ..

في هذا السياق يفهم بروز “ائتلاف الكرامة” وبعض السياسيين الذين أحدثوا مفاجأة وفازوا بمراتب متقدمة في انتخابات 2019 بسبب مواقفهم السياسية الشعبوية.. من بينهم الرئيس قيس سعيد والكاتب والبرلماني الصافي سعيد والمحامي سيف الدين مخلوف زعيم ائتلاف الكرامة والمحامية عبير موسي ومجموعتها التي تقول إنها تنتسب إلى الحزب الحاكم قبل ثورة 2011..

انتخابات 2014 فاز فيها حداثيون وديمقراطيون من بين معارضي التيارات الإسلامية بزعامة الباجي قائد السبسي.. لكن آداء هؤلاء لم يكن في المستوى، فكان رد الفعل تصاعد “الشعبوية والشعبويين” في انتخابات 2019..

خطر الشعبويين الجدد

س ـ قد يعترض من تتهمونهم بـ “الشعبوية” على تصنيفكم لهم.. ماهي مواصفات الساسة الشعبويين عالميا وإقليميا؟

ـ الشعبوبيات تتصارع.. النهضة ابتعدت عن الشعبوية نسبيا وعدلت خطابها بعد أن فشلت تجربتها في 2011.. فهمت أن الشعبوية خدعة وأنها غير قادرة على الإيفاء بوعودها غير الواقعية ..

الشعبوية ضد النخب والنخبوية وضد العلماء والمثقفين والإعلام.. والسياسي الشعبوي يبقى دوما في حملة انتخابية.. والشعبويون يضخمون ما يعتبرونه “مؤامرات” ضدهم ..كما يبالغ الشعبويون في توظيف ورقة “الاستقلالية” و”السيادية” ضد الآخر.. وخاصة ضد الأجانب وضد الاستعمار.. وضد فرنسا .. وهذه السلوكيات تكشفها بعض التصريحات والممارسات التي تورط فيها سياسيون كبار في السلطة التنفيذية وفي البرلمان وقيادات الأحزاب حاليا ..

أردوغان وبوتين وترامب

س ـ لكن بعض الساسة الشعبويين حققوا مكاسب كبيرة لشعوبهم عالميا..

ـ الشعبوية أنواع عالميا ..رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب وبوتين زعماء شعبويون لكنهم سياسيون حققوا مكاسب كبيرة لشعوبهم.. وشعبويتهم ليست عقيمة مثل شعبوية بعض ساسة تونس والدول العربية.. إلى حد الآن لم تقدم شعبوية الرئيس قيس سعيد وغيره من الشعبويين التونسيين أي مكسب للبلاد ، والشعب أصبح يعتبر أنهم خدعوه ..

في المقابل نسجل أن الرئيس قيس سعيد وغيره من الشعبويين يمكن أن يكتسبوا شعبية طويلة المدى، على غرار ما حصل بالنسبة لبوتين وأردوغان، إذا أنجزوا وعودهم للناخبين وحققوا إنجازات للبلاد والشعب..

أما إذا لم ينجزوا شيئا يذكر فسوف تنهار الشعبوية.. وقد يكون رد الفعل عنيفا ضدهم.. ويتورطون في صنع أعداء خطرين داخل النخب والبلاد …في هذه الحالة سوف يصبح بعض أنصارهم وخصومهم السابقين أعداء شرسين لهم ..

الشعبوية بعد كورونا

س ـ هل يمكن أن يستفحل خطر الشعبوية بسبب الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التي استفحلت بعد انتشار وباء كورونا؟

ـ فعلا الخطر قائم ..كل المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية مرشحة لأن تستفحل بسبب كورونا وعجز العالم عن محاصرتها .. نحن نعيش في عالم دخل في أزمة طويلة.. وهو غير قادر على مساعدة الدول النامية مثل تونس.. هذا التطور قد يؤدي إلى مزيد انتعاش الشعبوية والتطرف الديني والسياسي وثقافة العنف والغلو ..بينما المرحلة تستوجب مزيدا من العقلانية والنجاعة والاعتماد على النفس ..

س ـ ما ذا بعد زلزال كورونا؟

ـ العالم ما زال تحت ضغط كورونا للعام الثاني على التوالي.. وتأكدت الموجات الجديدة من الوباء بما ينذر بسيناريوهات خطيرة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا خلال العامين القادمين من بينها صعود الشعبويين الى سطح الأحداث..

ما بعد ترامب

س ـ هل يمكن أن يحصل انفراج عالميا بعد سقوط الرئيس الشعبوي المتطرف دونالد ترامب ووصول بايدن إلى البيت الأبيض وأغلبية ديمقراطية إلى الكونغرس بغرفتيه؟ وهل ستستفيد تونس والدول العربية من مرحلة ما بعد سقوط ترامب؟

ـ عودة الديمقراطيين وبايدن إلى الحكم في أمريكا قد تكون مؤشرا إيجابيا لكنها بالأساس مؤشر على كون كل بلد بما في ذلك الولايات المتحدة سيتوجه نحو “الأولويات الوطنية ” .. وقد ازداد الاقتناع بهذا الخيار بعد وباء كورونا وما كشفه من ثغرات في منظومات الحكم عالميا ..

بالنسبة لتونس والدول العربية الأولوية اليوم للابتعاد عن الدمغجة والسياسات المغلوطة وإعادة الاعتبار للمثقفين والسياسيين الذين لديهم نضج ..

مسار الانتقال الديمقراطي يحتاج دعما ماليا في حجم “مخطط مارشال”.. لكن دولنا تحتاج أولا إلى الاعتماد على الذات بجدية أكبر، مع ضمان الحوكمة الرشيدة والابتعاد عن كل أنواع الفساد والرشوة ..

أزمة فكرية ثقافية

س ـ أستاذ حمادي الرديسي أنت نشرت عشرات الدراسات المختصة عن العلاقة بين الثقافي والسياسي ومسارات التحديث والتنمية، هل تعتبر أن البعد الآخر للأزمة الاقتصادية السياسية ولانتشار التطرف والإرهاب مرتبط بتراجع الإيمان بالتعدد الثقافي وتقلص دور مؤسسات الحوار بين مفكرين من مدارس ومرجعيات مختلفة مثل منتديات الحوار القومي ـ الإسلامي والحوارات بين التيارات الوطنية واليسارية؟

ـ فعلا عشنا في تونس وفي الدول العربية طوال عقود حوارات معمقة بين مؤسسات وشخصيات ثقافية فكرية سياسية من الحجم الكبير مثل خير الدين حسيب وحمدين صباحي والطيب التيزيني وحسين مروة وعابد الجابري وحسن حنفي ..

وواكبنا الحوارات بين اليسار العربي والتيارات الوطنية والقومية وواكبنا جدلا حول مؤلفات رموز “اليسار الاسلامي” مثل حسسن حنفي والحوار العربي الإسلامي في بيروت وخارجها.. لكن السؤال الأخطر اليوم هو: هل يمكن أن نتحرر فعلا من الخطاب السياسي الديني العنيف ومن مخططات التورط في العنف والعنف المضاد؟

البعض قام بمراجعات فكرية وطور رؤيته ومواقفه ..لكن كم نسبة الذين اطلعوا على كتب مفكرين في حجم حسن حنفى والطيب التيزيني وعبد الله العروي و محمد أركون وأمثالهم واستوعبوها؟ في المقابل نلاحظ أن البعض يقدم إجابات تكتيكية لا تكشف عمق مراجعة مواقفه السابقة ولا إنخراطا في تيار الحداثة فكريا وسياسيا..

نحتاج للانتصار على فكر “الدواعش” وممارساتهم باعتبارهم” انحرافا على انحراف الإسلام الراديكالي ومزايدة متوحشة ” مثلما أوردته في كتابي “الإسلام المتردد”..

علينا أن نحاصر هؤلاء فكريا وسياسيا بوضوح وبعيدا عن المناورات والتكتيك..

حاليا نلاحظ أن البعض يقدم خطابا يحاول طمأنة “الآخر”.. لكنه مازال على علاقة مع طرف سياسي عنيف يشارك في اللعبة السياسية بشعارات “الإسلام الراديكالي” ..

وقد قضيت عقودا من عمري أدافع عن حق كل التيارات والأطراف السياسية في العمل القانوني، لكني أجد نفسي اليوم أعلن بوضوح إلى عدم التعامل مع هؤلاء ولا مع من يتعامل معهم.. إنه شرط واضح للحسم في الغلو والعنف ومحاصرة الإرهاب ..

أزمة ثقة بين العلمانيين والإسلاميين

س ـ وما هو رأيك في الدعاة إلى حوار ثقافي فكري سياسي هادئ لمناقشة الخلافات بين النخب العلمانية والإسلامية أو بين اللائكيين وممثلي تيار الهوية؟

ـ الحوار العلماني والإسلامي يتنافى مع ربط علاقات مع المورطين في العنف والقتل والإرهاب ..أزمة الثقة موجودة واستفحلت في الأعوام الماضية ..وللأسف يلاحظ أن رموز تيار الفكر السلفي الديني، بما في ذلك مشايخ وقيادات من جامعتي الأزهر والزيتونة، يلتقون في تكفير خصومهم ويرفضون قطع العلاقة مع “التكفيريين” الذين يصفونهم بـ “الجهاديين “.. والتحدي الاستراتيجي اليوم هو أننا لم نتفق على القيم المشتركة التي تجمعنا .

وأعتقد أن هذه القيم، مثل الحداثة والتعدد والديمقراطية وحقوق الانسان، لا يمكن التنازل عنها.. مهما كانت الخلافات بين من ينتمي إلى “المقدس” أو”التنويري الحداثي العلماني”.. حاليا تجمعنا قيم سلبية: التعايش السلبي لتعدد الحقيقة ..العلماني يؤمن بتعدد “القراءات للإسلام” مثل تعدد مفهوم الحداثة.. وهذه القضايا توقفت عندها في كتابي الأخير “اختراع الحداثة في الإسلام “.

الإقصاء الفرنفكفوني؟

س ـ هناك من يعتبر أن تيارا من النخب التونسية والمغاربية بقي أسير مقولات اقصائية موروثة عن “اللائكية الفرنسية المنغلقة لعام 1905”.. التي تختلف عن العلمانية الأنجلوسكسونية المنفتحة؟

ـ في النظام الانجلو سكسوني يكون الاتفاق على القواعد السلبية وليس على القواعد الإيجابية بسبب الاختلاف حول القيم الايجابية ..القيمة الأساسية لجون جاك روسو وهوبس هي قيمة الحرية.. الاتفاق على الحرية في كل المجالات.. ونبذ العنف وقبول التسامح ..

في بلداننا العربية لم ننجح منذ القرن التاسع عشر في تحقيق التوازن الفكري والقبول بالاخر.. العلماني يريد أن يتحرر من التقليد والتراث الديني.. بينما “التراثي” يعتبر أن أكبر كارثة هي “الحداثة”.. وليس هناك تعايش بينهما ..وهناك قناعة بأن نجاح كل طرف رهين إقصاء الآخر..

الفكر السلفي الوهابي يفسر انتشار الفكر الداعشي ..لكن في السعودية الجديدة اليوم تحرر قطاع كبير من صناع القرار من “رافد الوهابية” وأصبحت إحدى روافد النظام.. وليست الرافد الوحيد، وهو ما يفتح باب التفاؤل نسبيا ..

سياسيا قد نتعامل مع “التقليدي” وإن كان سلفيا وهابيا.. لكن لا نتعامل مع الداعشي ومن يتعامل معه سياسيا وحزبيا..

حصيلة الثورات؟

س ـ بعد 10 أعوام عن الثورات التونسية والعربية.. كيف تقيم الوضع؟

ـ أغلب الثورات العربية لم تنجح.. في كتابي “الإسلام المتردد” أجبت عن سؤال لماذا نجح مسار الانتقال الديمقراطي جزئيا في تونس وفشل في غيرها.. الإجابة واضحة: في البلدان الأخرى لم تتوفر “الشروط التمهيدية للتغيير والانتقال الديمقراطي” الموجودة في تونس.. من بينها حد أدنى من “الرفاه” وتبلور “طبقة متوسطة” وانتشار ثقافة مدنية ونخبة سياسية قابلة للتعاون وللمفاوضات والتعاون ..هذه الشروط لم تكن متوفرة في ليبيا واليمن وسوريا لكنها وجدت في تونس في 2010..

“الاستثناء التونسي ”

س ـ لكن هناك من يعتبر أن “الاستثناء الديمقراطي” التونسي في خطر..

ـ لو اندلعت الثورة التونسية في الظروف الحالية وليس في 2010 لفشلت، لأن الشروط الممهدة لها غير متوفرة بالرغم من كون الأوضاع الحالية أكثر تأزما ..واليوم تواجه ثورة تونس خطر انهيار مشروعها في الانتقال الديمقراطي، لأن الثورات في العالم تنهار لـ 3 أسباب :

ـ أولا تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بما ينال من “الرفاه الاقتصادي”، وهذا السبب متوفر حاليا للأسف في تونس وفي عدة دول. ونعلم أن الحركات الشعبوية واللاديمقراطية برزت وانتعشت في أعرق الديمقراطيات الأوروبية مثلا عندما تأزمت أوضاعها الاقتصادية… حصل ذلك في الثلاثينيات في أمريكا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية ..

هذا الشرط متوفر في تونس لذلك تسمع دعوات للعودة إلى النظام السابق..

ـ الشرط الثاني: هندسة المشهد السياسي قانونيا ودستوريا، وهي مختلة ليست رئاسية وليست برلمانية .. ونحن أمام خيارات صعية: إما العودة للنظام الرئاسي، بما يهدد بعودة الاستبداد، أو التمادي في النظام البرلماني المطلق، وهو حاليا خطر على البلاد وعلى استقرارها، لأن تونس ليس لها شرط الاستقرار الاقتصادي الذي يتوفر في البلدان البرلمانية العريقة مثل إيطاليا.. لكن من حسن حظ تونس أن الشرط الثالث للانهيار غير موجود خلافا لدول عربية أخرى، أي الانقسامات العرقية والطائفية..

لكني للأسف متخوف جدا ولست متفائلا.. ولم أكن أبدا متفائلا ..وقد حذرنا منذ 2011 من الانزلاقات.. فاتهمونا بالتشاؤم ..

المستقبل

س ـ في هذا السياق العام ما هي سيناريوهات المرحلة المقبلة؟

ـ هناك وجهة نظر تدعو إلى العودة إلى الماضي وهو ما أرفضه لأن العودة إلى الاستبداد والفساد القديم لن يؤدي إلى تحسين الأوضاع.. بل لقد استفحل الفساد بسبب الدكتاتورية وغياب الحريات ..بورقيبة كان مستنيرا.. لكن غياب الحريات والديمقراطية تسبب في تعطيل مساري التنمية وسياسات تحقيق الرفاه .. والاستقرار السياسي والمدني مطلوب لكنه لا يتحقق مع الاستبداد..

ـ السيناريو الثاني: نجاح الديمقراطية والتعايش، لكن شروطه غير متوفرة منذ 2011 بسبب الصراع المفتوح والمعقد بين الإسلاميين والعلمانيين ..

تأكد اليوم أن الاتفاق على الدستور لم يقترن بتوافق فكري ثقافي كبير.. وأعتقد أن هذا التوافق لن يتحقق قريبا.. لأن الهوة تعمقت بين العلمانيين والإسلاميين، أو بين الحداثيين والسلفيين ..قام الشباب والشعب بثورة لكن تبين أن النخب لم تكن مؤهلة لتزعمها ولا لقيادة البلاد.. رغم تصويت الشعب لفائدتها وتقديمه تفويضا لها ..

أنا محبط ..

قد تتطور الأوضاع نحو ما سبق أن أوردته في كتابي قبل 17 عاما حول “الاستثناء الإسلامي” واستحالة نجاح الديمقراطية والتعددية في مجتمعات عربية إسلامية قبل أن تحسم مجموعة من القضايا الفكرية ..

تتعثر الثورات العربية لأسباب اقتصادية اجتماعية وفكرية أيضا.. وحاليا تنقصنا حركية فكرية ثقافية مثلما وقع في مرحلة الكفاح الوطني ضد الاستعمار أو خلال عقود الكفاح ضد الاستبداد قبل نصف قرن..

اختبارات إيرانية مبكرة لسياسة بايدن الشرق أوسطية .. بقلم الاستاذ إياد ابو شقراء

في مستهل فترة حكم أي إدارة أميركية تكون هناك عادةً فترة تعارف وتلمّس واختبار نيات. غير أن ثمة مَن يرى أن إدارة الرئيس الديمقراطي الجديد جو بايدن ليست بحاجة إلى فترة تعارف، وذلك من واقع مسيرته الطويلة في الشأن السياسي الدولي خصوصاً. من جهة ثانية، فيما يخص منطقة الشرق الأوسط، بالذات، فإن القوتين الأثقل تأثيراً على أمن المنطقة – وهنا أعني إسرائيل وإيران، من دون إغفال الثقل التركي – ليستا غريبتين إطلاقاً عن أجواء واشنطن.
ولكن، إذا كانت العلاقات الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية أقوى وأمتن من تبدل حكومة هنا وتغير إدارة هناك، فإن إيران نجحت خلال العقود الأخيرة في بناء شبكة علاقات ومصالح عميقة وواسعة. وتمكنّت أذرعها «الأخطبوطية» من التمدد في الداخل الأميركي… من الإعلام إلى شركات النفط، ومن التنظيمات الإسلامية إلى الجماعات التي تصف نفسها بـ«التقدمية»، ومن كراسي الجامعات ومراكز الأبحاث إلى جماعات العلاقات العامة.
عندما كان العالم العربي مطمئناً إلى رومانسية «الصداقات التاريخية» مع أميركا، كان «لوبي» إيران يخدم «نظام الملالي» ويفتح لرجاله الأبواب في ردهات القرار ودهاليز التأثير في واشنطن.
محمد جواد ظريف، وزير خارجية النظام الإيراني، ليس بالضرورة نسخة طبق الأصل عن إبراهيم رئيسي أو قاسم سليماني… لكنه كرّس جهده وعلمه لخدمة «قضيتهما»، وأسهم إسهاماً كبيراً إبان دراسته الجامعية وعمله في الولايات المتحدة في بناء «لوبي» النظام الإيراني الناشط داخل أميركا.
كثيرون من الإيرانيين الأميركيين، مثل البروفسور ولي نصر – ابن البروفسور سيد حسين نصر – والبروفسور محسن ميلاني وغيرهما كثر قد لا يتفقون كلياً مع خزعبلات الغلو الصادرة عن بعض الملالي، أو «العنتريات» الاستفزازية التي يطلقها «جنرالات الحرس الثوري»، إلا أن خيارهم واضح عند المفاضلة بين ضرب طموح إيران الإقليمي أو القبول به. هؤلاء وغيرهم يرون أن إيران في وضع المعتدى عليه، وبالتالي، من حقها الدفاع عن نفسها. كذلك، لا يرون غضاضة في إصرار طهران على «شيطنة» السُّنة العرب… من صدام حسين – بل قبل صدام حسين – إلى حقبة «القاعدة» و«داعش».
ويظهر أنه لفترة طويلة، كانت ولا تزال ثمة قوى متشددة في إسرائيل، وأخرى محسوبة عليها داخل الولايات المتحدة مرتاحة لتصاعد النفوذ الإيراني في واشنطن، لجملة من الأسباب، منها:

– أولاً، العلاقات الإسرائيلية – الإيرانية أيام الشاه، ودور إيران المحوَري في «حلف بغداد» (السنتو لاحقاً)، مع تركيا، وعلاقات الدولتين الدبلوماسية مع إسرائيل.
– ثانياً، أن ثمة عدواً مشتركاً لإسرائيل وإيران هو الدول العربية، وبالذات الأنظمة التي تولت السلطة منذ عقد الخمسينات من القرن الماضي في كلٍّ من مصر وسوريا والعراق.
– ثالثاً، أنه مهما كانت راديكالية الخطاب السياسي «الثوري» في إيران الخمينية، فإن هذه «الإيران» لا حدود برّية لها مع إسرائيل. وبالتالي، فهي لا تشكل خطراً عسكرياً عليها.
– رابعاً، ولعل هذا هو السبب الأهم، أن النظام الإيراني، بنهجه الميليشياوي المذهبي الفاقع، يخلق حالة انقسام إسلامي وفتنة سنّيّة – شيعية لا تقدّر بثمن في الحسابات الأمنية لليمين الإسرائيلي. وحقاً، بعدما دعم «المحافظون الجدد» في واشنطن – وجلّهم من المقربين لليمين الليكودي الإسرائيلي – غزو العراق عام 2003… سلّمت واشنطن العراق إلى إيران على طبق من ذهب. ولاحقاً، أعلن بول بريمر، رئيس «هيئة الحكم الانتقالي»، بصراحة أنه أنهى قروناً من هيمنة الأقلية السنّيّة على العراق.
– خامساً، بعد 2003 استغلت طهران وحليفها النظام السوري الزّمر السنّيّة «القاعدية» وسهّلت تسللها عبر الحدود السورية – العراقية، من أجل مناوشة القوات الأميركية ودفعها للتعجيل بمغادرة العراق المحتل، وتركه في عهدة ميليشيات إيران وواجهاتها السياسية. وبلغ مخطط «شيطنة» السنّة الذروة فيما بعد باستثمار «داعش» داخل العراق وصولاً إلى تدمير الموصل، ثم في سوريا من أجل إجهاض ثورتها الشعبية السلمية.
طوال هذه المرحلة ما كانت هناك مصلحة حقيقية، لا إسرائيلياً ولا أميركياً في احتواء الطموح الإيراني. بل أثبت ابتكار «الحالة الداعشية» أنه «ضربة معلم» ممتازة، «أقنعت» الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما بأن الإيرانيين «ليسوا انتحاريين» مثل السُّنة، وعليه، يمكن التفاهم معهم ولو على دماء السوريين وأشلاء بلدهم. وكما، نتذكر، كانت إدارة أوباما، التي شغل فيها الرئيس الجديد جو بايدن منصب نائب الرئيس، تفاوض الإيرانيين سراً على اتفاق نووي… يتجاهل تماماً طموح طهران السياسي وتوسعها العسكري الميليشياوي في أربع دول عربية.
وحتى، بعد 2016 عندما خسر الديمقراطيون الرئاسة الأميركية، وأنهى دونالد ترمب علاقة واشنطن بالاتفاق النووي الإيراني، لم يتغيّر الواقع على الأرض طوال 4 سنوات. إذ التزم ترمب سحب القوات الأميركية من العراق تاركاً إياه تحت رحمة ميليشيات إيران. وفي سوريا، رأى أن معركته هناك هي ضد «داعش» لا الأسد المدعوم روسياً وإيرانياً. كذلك لم يفعل ترمب شيئاً لإنقاذ لبنان واليمن من احتلالَي «حزب الله» و«الحوثيين».
إذاً، بعد 4 سنوات لم يتغير المشهد الإقليمي، رغم الأمل في أن يكون قد طرأ تغيرّ على فهم واشنطن للتعقيدات في المنطقة. وأيضاً أن تكون إسرائيل قد خرجت من عادة الهروب إلى الإمام بعدما أسقط «حرس إيران الثوري» الحدود معها… ووضعها أمام خيارين: إما حرب تهرب منها إيران ولا تريدها إسرائيل، أو جعل ميليشيات إيران رسمياً «حرس حدود» لإسرائيل بموجب صفقة إقليمية كبرى… لن يدفع ثمنها سوى العرب. الطاقم الذي اختاره بايدن للتعامل مع ملفات الشرق الأوسط موروث من «الحقبة الأوبامية»، وهذا أمر مقلق جداً، ولا سيما بوجود أمثال روبرت مالي. ولكن، في المقابل، ثمة حرص – كما يبدو – على جعل واشنطن شركاءها العرب أطرافاً في أي عملية تفاوضية مع إيران، كما أن التفاوض «العلني» هذه المرة لن يقتصر على التفاصيل النووية التقنية، بل سيشمل المناخات والهواجس السياسية والترسانات التقليدية.
وسط هذا الغموض المبكر، نتفهم «الاختبارات» الإيرانية -وبصورة غير مباشرة، الإسرائيلية- لنيات إدارة بايدن عبر تفجيرات بغداد، والقصف داخل سوريا، والإمعان في تدمير لبنان سياسياً واقتصادياً، والتصعيد الصاروخي الحوثي ضد المملكة العربية السعودية.

قراءات: قصة الجسم السياسي “B” وهوية الأطراف المتصارعة حوله

 

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

              لا شيء يُربك التحليل السياسي ويجعله مُضلّلا في أي بلد أكثر من تغييب الخيوط الناظمة للأحداث وترابطها بدءا من المحلي وفي اتجاه الإقليمي وصولا للدولي ومن الدولي في اتجاه الإقليمي وصولا للمحلي، وهو أمر قد يفسر القصور في فهم تطورات المشهد السياسي التونسي منذ سنوات وخاصة بعد 2014 وهو ما يجعلنا نتبنى قول المفكر الجزائري مالك بن نبي “أنه لفهم ظاهر سياسية معينة لابد من تنزليها في اطارها السياسي والاجتماعي الذي تنزلت فيه …”، وفي ذلك الإطار يمكن أن نفهم قصة البحث المستمر تونسيا عن الجسم السياسي B والمطلوب محليا ودوليا باعتبار توضح خارطة الفعل الاجتماعي والمنظماتي في تونس بينما سياسيا بقي ان يفعل ذلك الجسم التوازن عبر توافق وصراع وتناف وفقا للمرحلة مع الجسم الــــــA الذي يمثله الإسلاميون وحلفائهم الفكريين والثقافيين وفي رؤيتهم للواقع المحلي والإقليمي والدولي، ومن هي مختلف الأطراف السياسية المتصارعة والباحثة عن اختراق المشهد ومحاولة تلافي التشتت عبر العودة مجددا للتوافق وان بأشكال أخرى أكثر جدية وتوازنا ودفعا للنجاعة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلد كانت ثورته ولا تزال نموذجا يُحتذى ومثالا يُقتدى؟

** التشخيص المُغيب والتحليل الغائب في قراءة الأحداث بين سنتي 2011و2019[1]

تبين لكل المتابعين للساحة السياسية في تونس ما بعد 2012 وحتى ما قبل 2010، أن الاتحاد والإسلاميين هما رقمين رئيسيين واساسيين في الحياة السياسية والاجتماعية وانه لا بد من البحث عن جسم ثالث، لنُسميه الجسم “B” وأنّه لابد من ايجاده بهدف أن يُصارع الإسلاميين ويتحالف معهم وفقا للتطورات الإقليمية والدولية ويكون بذلك انعكاسا طبيعيا لمصالح الغرب في أبعادها الثقافية والاقتصادية على أن يقبل بمعادلة التوافق مع الإسلاميين ويغالبهم إذا ما اقتضت الضرورات الاستراتيجية ذلك…

وعمليا كان “الحزب الديمقراطي التقدمي” مرشحا لذلك ولكن نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 وتسارع التطورات يومها وطبيعة شخصية “الشابي” – عالية النرجسية-  لم تمكن الحزب الجامع لكثير من المعارضين قبل الثورة من أن يكون قياسيا ذلك الجسم، وللتطور الأمور ويتم تشكيل وثم صنع “نداء تونس” وليُلبس ذلك الدور لمرحلة ما بين سنتي 2013و2016 قبل أن يتشقَّق إلى حُزيبات (قاربت الخمس في الذكرى الخامسة لتأسيسه أي في 16 جوان 2017 ثم قاربت العشر في نهاية 2019)، بل أن جوهر الصراعات داخله كانت حول الشخصية والجسم الحزبي الذي يلعب الدور بديلا عنه (بين “الجمهوري” و”النداء” في مرحلة أولى وعلل الجميع يذكر قصة مغادرة حوالي 100 شخصية للجمهوري في اتجاه النداء قبل انتخابات 26 أكتوبر 2014 ، فم الصراعات بين جناحي “حافظ” و”مرزوق” في مرحلة ثانية ( وهي صراعات ناسخة في الحقيقة لصراعات عديدين مع السبسي الابن) ثم لاحقا تحولت الصراعات في مرحلة ثالثة بين “حافظ” و”الشاهد” ومن يبحث في تفاصيل الخلافات سيفهم ان ذلك كان جوهر الموضوع الحقيقي وان الباقي مجرد تفاصيل، أي من يمثل الجسم B، ولعل تأسيس “تحيا تونس” قد قام على الموضوع أصلا ويكفي الرجوع لمقالنا عند تأسيسه “تحيا تونس: البنية والفكرة”[2]، وهو ما أكدته احدى دراسات مؤسسة “هانس” وهي مؤسسة تعتمد عليها الإدارة الامريكية في صنع واتخاذ القرار…

 

** في البحث عن الجسم B بعد انتخابات 06 أكتوبر 2019

             اثر فشل “تحيا تونس” النسبي انتخابيا  رجع المشهد لنفس المربع أي البحث عن الجسم ” B” وتم ترشيح أن يكون ائتلافا حزبيا بين “تحيا تونس” و”التيار” وكتلة “الاصلاح” وربما مكونات أخرى على غرار حركة الشعب الناصرية وحزب “التكتل” باعتبارهما ممثلين رئيسيين لليسار العروبي ويسار الوسط، وهنا غلبت الفكرة أن يكون الجسم المُتحدث عنه ذو طبيعة ديمقراطية اجتماعية، ولكن التطورات والحيثيات قادتنا فعليا لمربعات أخرى ومثل اختيار “الفخفاخ” سباحة في اتجاه ثان خاصة وان سياسات الفرنسيين ورُؤيتهم كانت تتناقض في بعض مضاربها مع البحث عن الجسم B المُصارع للإسلاميين وحليفهم المستقبلي لبعث توافق جديد وبروح أخرى ولا يعني ذلك انهم – أي الفرنسيين- كانوا يبحثون عن اقصاء النهضة كما يري البعض – بما فيهم بعض “نهضويين”- والحقيقة أن رؤية الفرنسيين ومنذ نهاية 2017 تقوم على “نهضة” مُتوسطة القوة وليس قوية أو متغولة وبالتالي فالنتيجة الموضوعية هي أن الجسم B لم تتم تحديد هويته ولم يوجد جسم مرشح في ما كان “الغنوشي” يبحث في مربعات أن يكون ذلك الجسم هو “القروي” وحزبه أو القروي وبعض حلفاء له باعتبار أن “عبير” اقصائية وغوغائية ووعيا منه أنها “كبش نطيح” وآلية مرحلية للتشويش وأن مستقبلها مرتبط بسيناريو انتهى مع سقوط قاعدة “الوطية” بيد حكومة الوفاق الليبية[3]

 

** الأطراف المُتصارعة والباحثة أن تكون هي بعينها الجسم B 

             كما أكدنا أعلاه وبناء على أن كثير من النخب على علاقة بالفاعلين الغربيين سواء كانوا سياسيين أو صانعي سياسات (أجهزة استخبارات أو مراكز بحوث وصنع قرار واستراتيجيات)، يعرفون بنسب مختلفة ماذا يُريد الغرب من بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ذلك أن بعضهم يتبنون سياساته وقراءاته للأحداث والتطورات بغض النظر عن التماهي الكامل معه أيديولوجيا وفكريا، بينما البعض الآخر يمارس السياسة بواقعية، وهو ما يعني أن بعض المكونات السياسية هي فعليا تتصارع وتلعب في ملاعب بعضها البعض، لافتكاك الأصل التجاري للجسم B الذي امتلكه النداء قبل تفككه وتلك الأطراف هي وفق للترتيب التصاعدي لتحقيق ذلك:

  • الدستوري الحر: وهو طرف سياسي وظيفي أصلا وشكلا، ولكنه اقصائي النزعة وهو الأقرب لسياسات النظام المصري ومتبن للرؤية الإماراتية ولجناح بعينه في السياسة الفرنسية الحالية، وكل ذلك لن يمكنه من ان يكون الجسم B لاعتبارات عدة بعضها جلي وبعضها الآخر خفي ولأنه في الأخير سيخسر جزء كبير ممن يناصرونه علنا وخفية لان حاضنته الشعبية يغلب عليها الانتهازية والركوب مع المنتصر والرابح، وهو حزب ضد حركة التاريخ والتطور والسياق الإقليمي والدولي الحالي بالذات…
  • الراية الوطنية: وهو مجرد مشروع ائتلاف سياسي لم يتحول الى حزب، وباعتبار أن حتى قياداته غير معلومة للرأي العام باستثناء الوجه القومي السابق “مبروك كرشيد” وبعض نواب لم يعلن جميعهم دعمهم للمشروع، إضافة لآخر رئيس ديوان للرئيس الأسبق “بن علي” (المخلوع سنة 2011)، وهو حزب/مشروع ليست لها أي حاضنة شعبية سوى القضم من قواعد وبقايا التجمع المنحل، وبالتالي فلن فعلا تحقيق أي تطور في أي اتجاه وهو ما يعني عدم قدرته لعب دور الجسم B الا في اطار تحالف مع اطراف أخرى وحتى ذلك غير ممكن بناء على طبيعة شخصيات باعثيه ومؤسسيه…
  • لافتة حُزيب “الائتلاف الوطني” ومثيلاتهابعض الذين أطردوا من نداء تونس أو بعض شقوقهم تتمثل مشكلتهم الرئيسية اليوم في التموقع السياسي ولعل حزيب الائتلاف الوطني الذي اسسه وزير التربية السابق وأحد قيادات الوطد أي ناجي جلول سيبقى عاجزا على بناء هياكل حزبية في الجهات فبمالك بلعب دور الجسم B الا إذا التحق بركب طرف سياسي ثان من بين الأطراف والائتلافات السياسية الأخرى…
  • حزب مشروع تونس: طبعا تأسس الحزب في 2016 إثر صراعات مؤسسه مرزوق ومن معه مع السبسي الابن في أكتوبر 2015 إثر حادثة العنف بين طرفي الصراع في النداء   ولكن نتائج انتخابات 06 أكتوبر 2019 وتزعم “الناصفي” لكتلة “الإصلاح” وهو ما جعل الحزب نسيا منسيا وبيد “الناصفي” أكثر من “مرزوق”، وهو ما يعني ان الأول مرشحا ان يكون فاعلا في الجسم B وليس الثاني (أي مرزوق) ولا حزب مشروع تونس أيضا بغض النظر عمن يقوده…
  • تحيا تونسمثله مثل مشروع تونس قام الحزب على فكرة ان يكون هو الجسم B وخاصة بعد زيارة الشاهد لأمريكا سنة 2017 ولكن نتائجه في الرئاسية والتشريعية جعلته وستجعله في موقف ضعف وبالتالي ترتيب أموره من جديد وخاصة بعد انسحاب “العزابي” وقد يضطر للتحالف مع بقايا السيستام ليكون مؤهلا أو أن يكون طرفا في جسم ثان، وأن يكون ذلك الجسم ممثلا للجسمB…
  • قلب تونس: لاعتبارات عدة منها المعلن والخفي فان رئيس حركة النهضة عادة ما دافع داخل وخارج حزبه على فكرة ان يكون قلب تونس هو الجسم B بالذات أو جزء من تحالف سياسي يمثل ذلك الجسم لان الغنوشي يؤمن أولا وأخيرا بأنه لابد من مصالحة وطنية تدفن آلام الماضي وتبني لتونس الغد وفقا لرؤية أو لجزء من رؤية هو يتبناها، ولكن البنى الفكرية والتنظيمية قد تضعف ذلك إضافة لواقع القروي السياسي وملفاته القضائية رغم الفعل السياسي للخليفي واللومي والورتتاني وآخرين في الحزب…
  • آفاق تونس: واقعا كان هذا الحزب قادرا على ذلك ولكنه ضيع فرصة وراثة النداء بناء على طبيعة ونرجسية رئيسه السابق “ياسين إبراهيم”، ولكن تملك “عبد الكافي” للحزب وطبيعة مواقفه ورؤاه ستجعله قادرا ومؤهلا لتحويل الحزب ان يكون الجسم B فعلا ولكن عبر تجنب أخطاء كارثية وقعت فيها أحزاب “الجمهوري” و”تونس الإرادة” و”النداء” و”الوطني الحر”…
  • فرع السيستام أو الدساترة المؤمنين بحقيقة وواقع ثورة 14 جانفي: هناك طرف سياسي فاعل إداريا وسياسيا ومازال لم يتهيكل سياسيا وهو متمثل فعليا في بعض قيادات دستورية بعضهم كانوا قيادات في منظمة طلبة التجمع هم اليوم أهم السياسيين الفاعلين في العائلة الدستورية وهم عمليا على تقاطعات مع كل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وهم من وقفوا وراء اكثر من حدث سياسي أو بالأحرى كانوا شركاء فيه خلال السنوات الست الماضية وخاض أغلبهم تجربة النداء وبعضهم موجود في القصبة وباردو وربما إدارات ومؤسسات فاعلية سياسيا واداريا وفي المنظمات الوطنية الثلاث ( الأعراف – المنظمة الشغيلة – اتحاد الفلاحين) وهؤلاء من الممكن ان يتحولوا الى جسم سياسي مؤثر خاصة وانهم لا يتقاطعون مع عبير وهم يسعون لتجاوزها وهي تسعى لعرقلتهم كما أنهم من الممكن ان يرجحوا كفة الإصلاح أو قلب تونس او تحيا تونس كلافتة من الممكن ان يلتحقوا بها جميعا ولكن الثابت أنهم لم يتخذوا قرارا نهائيا لأسباب عدة ومختلفة باعتبار ان نقاشاتهم لم تكتمل بعد رغم التقاء أغلبهم في ما يسمى منتدى “كلنا للجمهورية”…
الهوامش

[1]  أنظر مقال الكاتب “خلفيات التحاق الفاضل عبد الكافي بحزب آفاق تونس وتملكه بعقلية الأصل التجاري“، مقال نشر في أسبوعية “الرأي العام” 24 ديسمبر 2020 ص 09-10

[2]  أنظر مقال الكاتب “تحيا تونس: البنية والفكرة” مقال منشور في أسبوعية “الرأي العام” التونسية – سبتمبر 2018 …

[3]  أنظر مقال “عبير وحفتر وسر تلازم المسارات ولماذا يرتبط مُستقبل كُلّ منهما بالآخر (1من 2)” نشر في موقع المغاربي للدراسات والتحاليل (www.almaghrebi.net ) بتاريخ 02-12-2020…

تيار الهوية في البلدان المغاربية.. «سلفي – مشرقي» أم « وطني تحديثي»؟ .. بقلم كمال بن يونس

هل أفرزت حركات الإصلاح والنهضة في القرنين 19 و20 وعيا سياسيا حداثيا وتحديثيا أم انتصر تيار «السلفيين – المشارقة» التقليدي تحت تأثير تلامذة المصلحين (جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا) من قيادات تيارات «الإسلام السياسي المعاصر» وبينها جماعة الإخوان المسلمين والحركات التي خرجت من رحمها؟
وهل لا يمكن الحديث عن «الاستثناء التونسي والمغاربي» عربيا وإسلاميا نتيجة تميز شمال أفريقيا بسياسيين ومثقفين ومفكرين «ليبراليين وحداثيين» حاولوا منذ القرنين الماضيين الانخراط في تيار المعاصرة الأوروبي العالمي مع الاستفادة من الرصيد العقلاني للتراث العربي الإسلامي ومكاسب التحديث التي سبقت الاستعمار، ثم تعززت خلال مرحلتي الصراع معه وبناء الدولة الحديثة المستقلة؟

الدولة الحسينية

من خلال قراءة تطورات المشهد الفكري والسياسي في تونس والبلدان المغاربية منذ القرن 18 يتضح بروز مبكر لتيارات التجديد والتحديث في مفهوم نظم الحكم ودور الدولة «الوطنية».
فقد كان عام 1705 – تاريخ تأسيس الدولة الحسينية التي حكمت تونس حتى 1957 – محطة حاسمة في تأسيس «نواة» الدولة الوطنية.. التي تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية عن «الباب العالي» في اسطنبول.. وكان مؤسسها عسكريا من أصول يونانية ومن أم تونسية (كورغلي)، وليس تركيا بنسبة مائة في المائة.. واختاره أعيان العاصمة التونسية ورجال أعمالها وليس قادة الجيش العثماني.. مثلما أوضح المؤرخ التونسي الكبير محمد الهادي الشريف الذي قضى 20 عاما في إعداد رسالة دكتوراه عن الدولة الحسينية.. تحت عنوان «السلطة والمجتمع في تونس في عهد حسين بن علي 1705 – 1740».
وفي المغرب والجزائر وليبيا برزت ظواهر «استقلالية وطنية» مبكرة مماثلة.. فضلا عن كون المملكة المغربية لم تكن أبدا «إيالة (أي ولاية) عثمانية».. مثلما أوضح المؤرخ سعيد بحيرة في رسالته الجامعية عن «قراءة أخرى في الهوية التونسية».

تأثيرات جغرافية وتاريخية

ويعتبر عدد من الخبراء في الأنتروبولوجيا والعلوم الاجتماعية والتاريخية والحضارية أن عوامل جغرافية وتاريخية كثيرة تفسر «خصوصيات» النخب والمثقفين والمصلحين الدينيين والسياسيين في تونس والمنطقة المغاربية.. وانخراطهم المبكر في قيم الحداثة والمواطنة والتأويل العقلاني للتراث مع التفاعل الإيجابي مع تيار النهضة والتنوير في فرنسا وأوروبا.. بفضل القرب الجغرافي والانفتاح الثقافي المبكر في بلدان شمال أفريقيا على أدبيات الفلاسفة والمثقفين الفرنسيين.
في هذا السياق يتحدث الجامعي فتحي القاسمي، صاحب رسالتي دكتوراه عن الفكر التونسي والمغاربي في العهدين الحديث والمعاصر عن تأثيرات موجة هجرة الأندلسيين إلى تونس وشمال أفريقيا منذ مطلع القرن 17.. خاصة بعد ترحيلهم النهائي عام 1609.

كما كشف القاسمي في رسالته الجامعية عن تفاعل علماء جامع الزيتونية التونسي، الذي تخرج منه جل علماء وساسة شمال أفريقيا وبعض كبار المصلحين في مصر منذ القرن 18 مع تيار الإصلاح والتجديد الأوروبي «ثم مع مضامين الثورة الفرنسية قبل عقود من احتلال نابليون لمصر واحتلال فرنسا للجزائر وتونس والمغرب وإيطاليا لليبيا».
وينفي غالبية المؤرخين التونسيين، مثل عبد الحميد هنية والهادي التيمومي، أن يكون «الاستعمار سبب نشر القيم الحديثة والإصلاحية في دول شمال أفريقيا».. ويؤكدون على البروز المبكر «للبعد الوطني والإصلاحي» في مؤلفات أبرز المثقفين والأدباء والمصلحين التونسيين والمغاربيين مثل أحمد ابن أبي الضيف مؤلف الكتاب السياسي المرجع عن إصلاح نظم الحكم في الدولة الحديثة «أقوم المسالك».

[inset_right]مفهوم «الأمة» بمفهوم «الوطن الصغير» و«المواطنة» ظهر مبكرا في تونس وبلدان شمال أفريقيا لدى جمعيات أساتذة الجامعة والمصلحين وزعماء الحركات الوطنية المقاومة للاحتلال الأجنبي[/inset_right]

وينفي كثير من الباحثين الوطنيين المغاربيين أن يكون مفهوم الدولة الوطنية وتيارات الإصلاح من ثمرات الاستعمار وتمركز البواخر الحربية الأجنبية في سواحل بلدان جنوبي البحر الأبيض المتوسط.. وقد نشر الخبيران في الدراسات الحضارية؛ فتحي القاسمي وكمال عمران، دراسات جامعية معمقة حول دور مصلحين مستنيرين بارزين من الجامعة الزيتونية منذ النصف الأول من القرن 19 من أمثال الشيخ سالم بو حاجب (1824 – 1924) الأب الروحي والأستاذ المعلم لكبار المصلحين الوطنيين والليبراليين والزيتونيين في كامل شمال أفريقيا، مثل محمد الخضر حسين، وبيرم الخامس، وخير الدين باشا التونسي.. ثم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وجمعيات علماء المسلمين في الجزائر والمغرب، وجمعية طلبة شمال أفريقيا المسلمين، وجمعية صوت الطالب الزيتوني، وحركة «تونس الفتاة»، وجمعية الشبان المسلمين التونسية، وزعماء الإصلاح السياسي، والحركة الوطنية في ليبيا، مثل الشيخ سليمان الباروني، مؤسس أول جمهورية مدنية عربية في مرحلة بين الحربين في القسم الغربي من ليبيا «الجمهورية الطرابلسية».

دساتير عصرية وصحافة قبل الاحتلال

وكانت الأدبيات «الوطنية» للمصلحين والوطنيين التحديثيين والزيتونيين (نسبة إلى جامع الزيتونة) سبقت الاحتلال الفرنسي لتونس وليبيا وأفرزت منذ النصف الأول للقرن الـ19 عن تأسيس صحافة وطنية في ليبيا (صحيفة المنقب الأفريقي عام 1827)، وتونس (صحيفة الرائد التونسي في 1860)، وإلغاء الرق في تونس (في 1846).. ثم إعلان دستور «عهد الأمان» للتعايش بين المواطنين التونسيين من مختلف الأديان والجنسيات (1857) وصولا إلى إصدار دستور تونسي مدني حداثي شامل (1861).

الشيخ محمد عبده الشيخ محمد عبده

وقد نصت وثيقة «عهد الأمان» – التي أصدرها الملك محمد باي في شكل مقدمة و11 مادة – على المساواة بين «سائر سكان المملكة» في الحقوق والواجبات.. وتعهد الملك المصلح في نص دستور «عهد الأمان» بضمان المساواة بين جميع سكان تونس مهما كانت دياناتهم وأجناسهم وجنسياتهم. كما جاء في مادته الأولى: «تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا (أي دولتنا) على اختلاف الأديان والألسنة والألوان في أبدانهم المكرمة، وأموالهم المحرمة، وأعراضهم المحترمة، إلا بحق يوجبه نظر المجلس بالمشورة، ويرفعه إلينا ولنا النظر في الإمضاء أو التخفيف ما أمكن، أو الإذن بإعادة النظر».
ونص «عهد الأمان» على مساواة الجميع في مسائل الضرائب والرسوم الجمركية، وأقر كذلك بـ«حرية مزاولة التجارة وحرية العمل في المملكة وتملك العقارات وشراء الأراضي الزراعية للوافدين على البلاد من الأجانب بشرط التزام الجميع بالقوانين المتداولة».

والتزم دستور «عهد الأمان» بإحداث مجالس قضائية «للنظر في أحوال الجنايات من نوع الإنسان والمتاجر التي بها ثروة البلدان».. وأوضح النص الحرفي بتعهد الملك بأن تكون «فصوله السياسية بما لا يصادم إن شاء الله القواعد الشرعية (أي الشريعة الإسلامية).

المواطنة.. و«القومية الملية»

وتؤكد دراسات الخبراء المستقلين وكبار المؤرخين التونسيين والمغاربيين، مثل محمد الهادي الشريف، والبشير التليلي، وعبد الجليل التميمي، ولطفي الشايبي، وسعيد بحيرة، أن مفهوم «الأمة» بمفهوم «الوطن الصغير» و«المواطنة» ظهر مبكرا في تونس وبلدان شمال أفريقيا.. لدى جمعيات أساتذة الجامعة والمصلحين وزعماء الحركات الوطنية المقاومة للاحتلال الأجنبي من محمد وعلي باش حانبة، والطاهر والبشير صفر، وعبد العزيز الثعالبي في تونس إلى سليمان الباروني، وعمر المختار، رمضان الشتيوي السويحلي، وأحمد المريض، وعبد النبي بالخير، في ليبيا إلى مصالي الحاج، وفرحات عباس، وعبد الحميد بن باديس، والبشير البراهيمي في الجزائر وعبد السلام بنونة، وأحمد بلافريج، والمختار السوسي، والمكي الناصري، وعلال الفاسي، وعبد الكريم الخطابي، وعبد الكريم غلاب في المغرب. واتضح المضمون «الوطني» أكثر ما بين الحربين العالميتين بعد بروز منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والنقابات والأحزاب العصرية.. التي كانت جميعا تنتسب إلى «الوطن» وإن أعلنت اعتزازها بالانتماء الثقافي إلى فضاء أوسع مثل «الجامعة الإسلامية» أو «الأمة الإسلامية» وروادها بزعامة جمال الدين الأفغاني ثم «الجامعة العربية» بمفهوم «الوطن العربي الكبير».. التي تبلورت خاصة بعد «الثورة العربية الكبرى» (1936 – 1938) في فلسطين بزعامة الحاج أمين الحسيني.

[inset_right]بدأ التجديد الفكري والسياسي في تونس مع تيار هوية إصلاحي من داخل الحزب الدستوري الحاكم وتيار داخل «اتحاد الكتاب التونسيين» بزعامة محمد مزالي وزير التربية
[/inset_right]

وفي هذا السياق ظهرت في الصحافة وأدبيات الأحزاب الوطنية المغاربية كتابات مصلحين ووطنيين إسلاميين وليبراليين وزعماء سياسيين يستعملون مصطلح «القومية الملية»؛ (من الملة بكسر الميم وفتح اللام وتشديدها).
وكانت القيادة الوطنية للحزب تسمى «الهيئة الملية».. أو «المجلس الملي»؛ أي «المجلس الوطني».
وفي كل تلك الأدبيات برز حديث عن الوطنية والقومية معا.. مع عدم تمييز في أدبيات جل الساسة والكتاب والمصلحين المغاربيين بين النضال ضد الاحتلال الأجنبي ومشاريع بناء «دولة عصرية» و«إصلاح التعليم» و«قيم العروبة والإسلام».. لأسباب كثيرة من بينها انتساب أكثر من 99 في المائة من المواطنين في شمال أفريقيا للإسلام وللمذهب المالكي وعدم وجود طوائف دينية ومذهبية.

ومن خلال مختلف التعريفات التي قدمت للوطن و«الملة» – من قبل الزعماء الوطنيين العلمانيين والليبراليين أنفسهم مثل عبد الكريم الخطابي، وعبد الكريم غلاب في المغرب، وعبد العزيز الثعالبي، ومحمود الماطري، والحبيب بورقيبة، وصالح بن يوسف في تونس – يتضح أن الهاجس كان التوفيق بين «الوطن الصغير» والأمة العربية كانتماء ثقافي حضاري.. بين مكاسب الحداثة في أوروبا والجوانب المستنيرة في التراث وفي أدبيات المجددين، ومصلحي القرن 19.. الذين أكدوا على أن التقدم يبدأ ببناء دولة عصرية لديها مؤسسات سياسية حديثة على غرار تلك التي برزت في أوروبا بعد الثورة الفرنسية في 1789.

الاتجاه الوطني الإسلامي

ويعتبر الباحث الجامعي والكاتب سعيد بحيرة أن «أحزاب الحركة الوطنية في تونس والدول المغاربية تميزت مبكرا بطرحها لفكرة المواطنة والهوية الوطنية».. وفي هذا السياق كانت قيادة الحزب الدستوري تسمى «المجلس الملي» (أي المجلس الوطني). وكان الحزب الحر الدستوري التونسي الذي تأسس في 1920 بزعامة الشيخ المستنير والعلامة المصلح عبد العزيز الثعالبي ألف مع نخبة من رفاقه في فرنسا وتونس كتاب «تونس الشهيدة» بالفرنسية لمحاولة البرهنة على وجود هوية وطنية تونسية تختلف عن «هوية شعب فرنسا».. كما برزت في أدبيات عبد الكريم الخطابي، وعبد الكريم غلاب في المغرب أدبيات تتمسك بـ«الخصوصيات الوطنية» وتعترض على «ذوبان» الشخصية الوطنية المغربية في «هوية شعب فرنسا».. مع الرد على حملات «التجنيس الإجبارية» – أي إسناد الجنسية الفرنسية لكل من يتنازل عن جنسيته الوطنية – لسكان الدول المغاربية، وخصوصا ما كانت تسميه «الجزائر الفرنسية».

الشيخ الخضر حسين الشيخ الخضر حسين

نفس الطرح برز لاحقا في أدبيات «الحزب الدستوري الجديد» بزعامة الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف ومحمود الماطري.. الذين كان خطابهم في المحافل الثقافية والسياسية وفي جامعي الزيتونة وصاحب الطابع يؤكد على «التوفيق بين الحداثة والهوية الوطنية».

وتجلى هذا «التوجه الوطني الإسلامي» في قيادة الحركة الوطنية الجزائرية والمغربية والليبية؛ حيث حاولت «التوفيق» بين مرجعياتها الفكرية الإسلامية الإصلاحية وبرامج حركات التحرر الوطني المعاصرة.

ويعتبر عبد العزيز بالخادم، الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية، أن حزبه يضم تيارين: الأول «وطني إسلامي»، يتزعمه هو شخصيا والأمين العام السابق عبد الحميد المهري. والثاني ليبرالي اجتماعي يضم شخصيات أكثر اقتناعا بالمرجعيات الغربية.. لكنها لا تعادي مقومات «الهوية الوطنية للجزائر»، ومن بينها اللغة الوطنية العربية والتراث الثقافي الإسلامي وجغرافية الجزائر وخصوصياتها البشرية.

وإذا كانت جامعتا الزيتونة في تونس والقرويين في فاس، مركزا العلوم، اللتين تخرج منهما غالبية ساسة المنطقة من بنغازي وبرقة إلى مراكش، فإن من بين مميزات «الدولة الحديثة» في الدول المغاربية أن نفس النخب تخرجت كذلك من مدارس «مشتركة» عربية فرنسية، ومن جامعات علوم قانونية أوروبية بارزة في فرنسا وبرلين ولندن.. حيث أعرق مدارس «الدولة الوطنية» بمفهومها المعاصر.

الدفاع عن الهوية

ولكن ماذا عن الحقبة الحالية؟ وماذا عن الغموض السياسي والفكري الذي يزداد تعقيدا منذ تضاعف تأثير «الإسلام السياسي» بتعبيراته السلمية العقلانية المدنية حينا، و«السلفية الجهادية المتشددة» و«الجماعات المتطرفة» حينا آخر؟
إذا سلمنا جدلا بحتمية التركيز على حقبة «بناء الدولة الوطنية الحديثة»؛ أي العقود الأربعة التي تشكلت خلالها البنية الأساسية لـ«الاتجاه الإسلامي التونسي – المغاربي» الجديد، فإن من بين الأسئلة التي نسعى للإجابة عنها:
إذا كان من المسلم به أن المجتمعات تدافع عن نفسها وعن هويتها ومصالحها، هل كان «الاتجاه الإسلامي الجديد» أحد التعبيرات التونسية – الشمال أفريقية (أو المغاربية) عن مطالب التحرر الوطني والاجتماعي، وبناء الدولة الوطنية الحديثة، والدفاع عن الهوية، وعن مصالح الفئات الشعبية والوسطى؟

أم كان مجرد «موضة» روج لها عدد من الشباب والسياسيين كان بعضهم متأثرا بتجارب برزت في المشرق العربي الإسلامي مثل جماعة الإخوان أو الثورة الإيرانية ثم ببعض المفكرين الذين أسسوا تيار «اليسار الإسلامي» (أو الإسلاميين التقدميين) في المشرق العربي مثل د.حسن حنفي وكتاب مجلة «المسلم المعاصر» في مصر أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات؟
وهل كان هذا «الاتجاه الإسلامي» التونسي – الذي شكل بعض زعمائه نواة «حزب حركة النهضة» بعد فيفري 1989 – امتدادا لتيار النهضة والإصلاح الأوروبي والعربي والمغاربي منذ القرن 17 بما في ذلك «تيار الإصلاح والتجديد داخل الزيتونيين والصادقيين»، أم أن العكس هو الصحيح أي أنه شكل قطيعة معه.. ثم أسس تيارا سلفيا محافظا ومتشددا معارضا للتجديد والاجتهاد والحداثة وروج لمرجعيات «أشعرية» حينا ومدارس «حنبلية – وهابية» حينا آخر؟

وإذا سلمنا بانفتاح المكتبة التونسية (والمغاربية) في السبعينات والثمانينات على أدبيات بعض رموز الإخوان المسلمين المصريين، الذين قمعهم جمال عبد الناصر في الخمسينات والستينات، (مثل سيد قطب وعبد القادر عودة والخطيب عبد الحميد كشك) أو الذين استضافتهم السعودية مثل محمد قطب، فهل يعني ذلك أن المرجعيات الرئيسة لغالبية مؤسسي «الاتجاه الإسلامي» الجديد في البلدان المغاربية كانت «إخوانية» وليست تونسية مغاربية عربية؟
وإذا سلمنا أن التيار السائد داخل طلاب «الاتجاه الإسلامي» في الجامعات المغاربية» كان في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات التعاطف مع الثورة الإيرانية ومنهجها في قراءة الإسلام وفي التغيير السياسي، فهل يعني ذلك أن «ظاهرة الإسلام السياسي» «انقلبت» بسرعة من مشروع وطني إلى «مشاريع ثورية عالمية» أو «أممية» وأنصارها إلى «خمينيين» مثلما جاء في أوراق المتهمين في قضية 1987 أمام محكمة أمن الدولة التونسية؟

أم كان «الاتجاه الإسلامي» الجديد في تونس والبلدان المغاربية مشروعا سياسيا وطنيا «قطريا» (بضم القاف وسكون الطاء) للتغيير السياسي والثقافي والاجتماعي جمع بين «فسيفساء» من أنصار «تيار الهوية» الذين تشقهم تناقضات جوهرية مع تأثر متزايد بعلماء العصر في شمال أفريقيا والعالمين الغربي والعربي.. مثل مالك بن نبي، ومحمد أركون، والطاهر حداد، وعلي شريعتي، ومحمد باقر الصدر، ومحمد عابد الجابري، ومحمد عمارة (عندما كان يساريا)، وعبد الله العروي، وسمير أمين، وجورج غارودي (قبل إعلان إسلامه)، وفتح الله ولعلو، وأنور عبد الملك، وحسن حنفي، ومحمد الطالبي، وعبد المجيد الشرفي، والحبيب الجنحاني، وأحميدة النيفر، وصلاح الدين الجورشي وغيرهم.

التأثيرات المحلية حاسمة

ولا بد أن نسجل هنا تأثيرات المستجدات الإقليمية والدولية مثل الهزائم العربية في الحروب مع إسرائيل وقوى «الاستعمار الجديد».. وقبل ذلك انتصارات الدول المستعمرة على «الإمبراطورية العثمانية» وحلفائها في الحرب العالمية الأولى، وما أعقب ذلك من هزائم نفسية بالنسبة لمواطني الدول المغاربية والعالم الإسلامي.. ثم انتصاراتها مجددا في الحرب العالمية الثانية على دول «المحور» بزعامة ألمانيا التي سبق أن تحالف معها بعض زعماء حركات التحرر الوطني العربية والمغاربية ووظفوا «إذاعة برلين» للتعريف بمطالبهم وقضاياهم.
ومنذ مطلع النصف الثاني من القرن الـ20 بدا مسار جديد أثر على أدبيات كل رموز تيارات «الهوية الوطنية» بمكوناتها العروبية والإسلامية.

الامين باي الامين باي

فقد شكل منعرج إعلان استقلال الدول المغاربية نقطة انطلاق المراحل الملموسة لبناء «الدولة الوطنية الحديثة»، البداية كانت في ليبيا مع الزعيم الوطني الملك إدريس السنوسي زعيم «الحركة السنوسية» (تيار وطني إسلامي معتدل) منذ عام 1951.. ثم تونس التي استلم مقاليد الأمور فيها إلى جانب الملك محمد الأمين باي زعماء وطنيون ليبراليون من خريجي جامعات فرنسية، مثل السوربون برئاسة الحبيب بورقيبة.. والمغرب التي تحالف فيها الملك المغربي محمد الخامس ثم نجله الحسن الثاني مع زعماء الحركة الوطنية وحزب الاستقلال.

الإخفاقات والتباينات

لكن مرحلة بناء الدولة الوطنية الحديثة من قبل الزعماء السابقين لحركات مقاومة الاستعمار سرعان ما أفرزت تناقضات علنية وعنيفة بين رفاق الأمس الإسلاميين والعلمانيين (الزيتونيين المشرقيين) و(المتغربين) أو (المتفرنسين).. خاصة في تونس التي سعى فيها الحبيب بورقيبة ورفاقه إلى بناء دولة وطنية عصرية على الطريقة الأوروبية تقطع مع الشرق على غرار ما فعل مصطفى كمال أتاتورك بعد سقوط الخلافة العثمانية.
ولئن لم يتبن بورقيبة علنا كل مرجعيات مصطفى كمال أتاتورك «العلمانية» وقدم «اجتهادات وقراءات عقلانية» للإسلام من داخل «المنظومة العربية الإسلامية» فقد أسهب في خطبه في التنظيم «للأمة التونسية» و«الوحدة القومية التونسية» و«الجبهة الوطنية».. وقضى في وقت قياسي على القبلية والعشائرية وهمش اللغة البربرية، وخصص ثلث ميزانية الدولة للتربية والتعليم لنشر قيم الدولة الحديثة، وتعميم استعمال اللغتين العربية والفرنسية، وتشجيع تعلم بقية اللغات الأوروبية من إنجليزية وإسبانية وإيطالية.

أما في ليبيا والمغرب والجزائر فقد حرص حكام الدول الوطنية على التوفيق بين الخصوصيات الثقافية والدينية وقيم الدولة الحديثة.. واعتبر التراث الإسلامي عنصر إثراء وأداة من أدوات الحكم بالنسبة لـ«أمير المؤمنين» في المغرب والزعيم السنوسي في ليبيا.. وكذلك في الجزائر التي كان نشر القيم العربية والفرنسية فيها مطلبا أكثر إلحاحا بسبب سياسات «الاستئصال الثقافي» التي اعتمدتها فرنسا الاستعمارية فيها.
هذا الاختلاف في التعامل مع مكونات «الهوية الوطنية» جعل تونس مرشحة أكثر عرضة لبروز تيارات «الإسلام الاحتجاجي».. بينما كانت «الظاهرة الشبابية الإسلامية» موالية للسلطات (أو مخترقة) في كل من ليبيا والمغرب والجزائر.. إلى حدود التسعينات من القرن الماضي عندما نشأت فيها جماعات شبابية «احتجاجية» مرجعياتها عروبية إسلامية.

مواجهات.. وتجديد فكري؟

تراوحت العلاقة بين زعماء الدولة الوطنية الحديثة في تونس ورموز «الإسلام الاحتجاجي» ثم الحركات الشبابية والسياسية من ذوي «الاتجاه الإسلامي» بين الصدام والحوار.. بين المواجهات ومحاولات الاندماج في «المنظومة الوطنية».
المواجهات بدأت عام 1961 ردا على دعوات بورقيبة للإفطار في شهر رمضان «حتى يتفرغ المسلمون للجهاد الأكبر: جهاد بناء الدولة الوطنية».. وتزعمها إمام جامع عقبة بن نافع في القيروان، الشيخ عبد الرحمان خليف.. وانتظمت مظاهرة حاشدة معارضة لاعتقاله عرفت بتسمية «مظاهرة الله أكبر ما يمشيش».. وتواصلت في الساحل التونسي بزعامة الزيتوني محمد موه قائد احتجاجات شعبية ضد «الاستبداد والسياسة الاشتراكية» وضد افتكاك أراضي الفلاحين لإقحامها في «تعاضديات اشتراكي»..
وبدأ التجديد الفكري والسياسي مع تيار هوية إصلاحي من داخل الحزب الدستوري الحاكم وتيار داخل «اتحاد الكتاب التونسيين» بزعامة محمد مزالي وزير التربية الذي قاد تيار «تعريب التعليم» ومدير مجلة «الفكر».. وتيار إسلامي مستنير نشر «مجلة جوهر الإسلام» بزعامة الشيخ الزيتوني الحبيب المستاوي، القيادي في الحزب الحاكم.. وكانت منبرا لعدد من الخطباء الوطنيين المعتدلين في الإذاعة الوطنية مثل محمود الباجي والبشير العريبي.. وبرز في نفس السياق أئمة وخطباء في جل المدن والقرى، وخصوصا في جامع الزيتونة وبعض جوامع العاصمة (الحجامين والصباغين والقصبة وسيدي يوسف).. ساهموا تدريجيا في بناء جيل من الشباب و«الصحوة الإيمانية».. انخرط تيار منه في مسار «الإسلام الاحتجاجي».. وفي تأسيس «الاتجاه الإسلامي في الجامعة» ثم «حركة الاتجاه الإسلامي» التي خرجت من رحمها «حركة النهضة» عام 1989.

تيار وطني واسع

تراكمت أواخر الستينات وأوائل السبعينات خلافات خريجي الجامعات والمثقفين والنقابيين مع نظام بورقيبة تحت يافطات يسارية وقومية ووطنية وإسلامية.
ولئن كانت مرجعيات الخطاب السياسي لبعض الفصائل المعارضة «كونية» و«تقليمية» فقد كانت في شواغلها أساسا وطنية وتونسية.
وقد ساهم في بلورة الخطاب السياسي «الوطني» لشباب «الإسلام الاحتجاجي»، علماء زيتونيون وصادقيون كان لبعضهم دور كبير في الحركة الوطنية مثل محمد الصالح النيفر وحسن الخياري والشاذلي النيفر.. فضلا عن خريجي المدارس العصرية من الإخصائيين في الفلسفة والقانون والدراسات الحضارية مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وأحميدة النيفر وحسن الغضبان وصلاح الدين الجورشي.

[inset_right]تراوحت العلاقة بين زعماء الدولة الوطنية الحديثة في تونس ورموز «الإسلام الاحتجاجي» ثم الحركات الشبابية والسياسية من ذوي «الاتجاه الإسلامي» بين الصدام والحوار[/inset_right]

وفي الجهات، برز أساتذة تعليم عصري و«وعاظ» مثل د. فرحات الجعبيري، وقاسم قوجة، والهادي الحاج إبراهيم في جربة وتونس، والصادق الجدي في الكاف، وعبد المجيد الصكلي في خنيس من ولاية المنستير.. فضلا عن خطباء جماعة «الدعوة والتبليغ» في كل الجهات، بمشاركة خطباء لهم كاريزما كبيرة من فرنسا مثل الشيخ «يونس من تونس» ومحمد الهمامي.
في هذا المناخ العام تعاقبت الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنقابية والمحاكمات السياسية للشباب الجامعي والنقابيين والمعارضين.. واستفحلت المعارك حول خلافة بورقيبة من داخل الحزب الحاكم وخارجه.. فانخرط «شباب الاتجاه الإسلامي» في المعاهد الثانوية والجامعات وفي الأحياء السكنية الشعبية في «الشأن العام الوطني».. وتطوروا تدريجيا من «ظاهرة دينية شبابية» إلى «ظاهرة سياسية وطنية».. رفعت يافطات النضال من أجل التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي والديمقراطية.
في الإثناء برزت تناقضات فكرية وسياسية داخلية كثيرة داخل «الجماعة الإسلامية» و«الاتجاه الإسلامي في الحركة الطلابية» نتيجة مراجعات عميقة لتجارب الإخوان المسلمين، والجماعات السلفية، وأداء قيادة الثورة الإيرانية بعد استلامها مقاليد الأمور.. وشملت المراجعات خاصة أدبيات منظري «الجماعات الإسلامية» المعاصرة، وخصوصا أبي الأعلى المودودي وسيد قطب.. وبعض «آيات الله» الذين انقلبوا بعد ثورة 1979 إلى «مستبدين جدد» مثل آية الله خلخالي.
وكانت على رأس الانتقادات التي وجهها «تيار المراجعات» إلى سيد قطب ورموز من «تيار الإخوان المسلمين» مواقفهم من «جاهلية القرن 20» وتكفير جانب من المجتمع.. وتضخيم دور الجماعة (أي التنظيم) على حساب المجتمع والوطن.
تلك المراجعات كانت منطلقا لتأسيس تجارب أخرى من بينها «تيار الإسلاميين التقدميين» و«الإسلاميين المستقلين» وتطوير جذري لأدبيات «حركة الاتجاه الإسلامي» في اتجاه مواكبة الخطاب الديمقراطي والوطني على الصعيدين الرسمي والشعبي.. وهو ما ساهم لاحقا في بلورة خطاب سياسي مدني عند غالبية قيادات حركة النهضة التونسية قبل الثورة وبعدها.. الأمر الذي أهلها، لأن تصبح مرجعا إقليميا وأن تصبح جزءا من منظومة الأحزاب السياسية الوطنية في تونس والمنطقة.

تفكك قوة أمريكا” بعد ترامب؟ .. الصراع بين أنصار الحزبين الديمقراطي و الجمهوري يتواصل

“تفكك قوة أمريكا” بعد ترامب؟

* الصراع بين أنصار الحزبين الديمقراطي و الجمهوري يتواصل

_ازمة بين” الشّعبويين” وخصومهم في الكونغرس

عزّزت خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على البيت الأبيض نداءات كبار استراتيجييه للبحث عن مكامن الخلل، وحفّزت بعض النخب السياسية والفكرية على المراجعة والسعي لردم الثغرات التي خلّفتها الانتخابات الرئاسية، باعتبارها أضحت تهدّد أركان النظام السياسي برمته.

تعد فصلية “فورين أفيرز” من أبرز محطات تلك النخب. وقد أشارت مؤخراً إلى “تفكك قوة أميركا”، في سياق استعراضها تراجع الهيمنة الأميركية على الصعيد الدولي ، بينما أشار آخرون إلى اهتزاز الركيزة الديموقراطية لتداول السلطة، وهو أمر لم يستطع بايدن في خطاب التنصيب سوى الإقرار به عندما أضطر إلى الإعتراف بهشاشة الديموقراطية الأميركية.

صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” اعتبرت التطورات التي سبقت مراسم التنصيب، وما رافقها من غياب الرئيس ترامب لتوديع خلفه، والاجراءات الأمنية غير المسبوقة، بأنها حالة تردٍ في البلاد “لم تشهد مثيلاً لها منذ 167 عاما”، وحذّرت “فورين أفيرز” من “انقلاب عوامل” القوة الأميركية إلى نقيضها إن استمرّ التغاضي عن معالجة الأزمة المركّبة، واعتبرت أن واشنطن، في ضوئها، “لا تشهد تراجعاً فحسب، بل تعيش حالة تفكك أيضاً”، جازمة في خلاصتها بأنّ التراجع على الصعيد الدولي “ليس حلقة مؤقتة، بل وضع دائم”.

سنسلّط الضوء في هذه المساحة على إرهاصات الحزب الجمهوري، كنتيجة طبيعية لخسارته البيت الأبيض، لكن مؤشرات الأزمة تنطبق بالتوازي على الحزبين، على الرغم من تحكّم الحزب الديموقراطي راهناً، ولوبأغلبية محدودة، بمفاصل السلطتين التنشريعية والتنفيذية، وذلك كشريكين في الأزمة البنيوية للنظام السياسي الأميركي.

بنية الحزب الجمهوري “التقليدية” قائمة على 3 ركائز من القوى الاجتماعية: تيار المتشددين المتدينيين، وقوى تقليدية نافذة في مختلف نواحي الدولة، وصقور التدخل والإنفاق العسكري. مجيء الرئيس ترامب أضاف الركيزة الرابعة والأوسع تمثيلاً من المهمشين البيض (نشرة “كوك بوليتيكال ريبورت” المستقلة، ).

قبل “غزوة الكابيتول”، برزت قوة القيادة التقليدية للحزب ونفوذها الواسع بزعامة نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني في مقارعة صعود الرئيس ترامب وشعبيته العريضة بين قواعد الحزب. جناح تشيني، إن صحّت التسمية، يحظى بدعم وتمويل سخيّ من كبار ممولي الحزب، وخصوصاً كبريات شركات الأسلحة والنفط، بيد أنّ إفرازات “الغزوة” لن تحتسب مكسباً له بالضرورة، إذ إنّ منسوب غضب القواعد الشعبية وقيادات معتبرة فيه ما زال يتفاعل على خلفية تخلّي تلك النخب عن حماية رئيس جمهوري وتركه عرضة للمحاسبة للمرة الثانية، بصرف النظر عن مصير العملية ومضيها إلى نهايتها.

أظهرت بيانات استطلاعات الرأي أنّ “جناح ترامب” يشكّل أغلبية عددية في الحزب الجمهوري، وآخرها استطلاع أجرته صحيفة “وول ستريت جورنال” عشية الانتخابات الرئاسية، أظهر تأييد نحو 54% من قواعد الحزب الجمهوري للرئيس ترامب، مقابل 38% لقيادات أخرى. وللدلالة أيضاً على عمق نفوذ “جناح ترامب” في تركيبة الحزب، فازت رونا ماكدانيال، مرشحة الرئيس ترامب، بمنصب رئيس اللجنة المركزية للحزب الجمهوري بالتزكية. كما أنّ “جناح ترامب”، في اعتقاد استاذ العلوم السياسية في جامعة ستانفورد الأميركية، تيري مو، باقٍ على المدى الطويل “يعتريه الغضب، وأعداد مؤيّديه كبيرة، ونفوذه السياسي قويّ داخل الحزب الجمهوري”.

أما مصير الحزب الجمهوريّ بشكل عام، فيعتمد أيضاً على توجّهات الرئيس ترامب، بحسب الناطق الإعلامي الأسبق للبيت الأبيض آري فلايشر، قائلاً: “مستقبل الحزب ينطوي على حقائق دلّ عليها دونالد ترامب واستثمرها”، أي الشرائح العمالية والمهمّشة التي تعتقد أنّ مصالحها تكمن في الالتفاف حول زعيم “يتصدّى للصين ويناصر الحريات الدينية والشخصية، من دون إيعاز للعنف”.

ويستطرد فلايشر، الناطق الأسبق بلسان الرئيس جورج بوش الإبن، إنّ وعود ترامب بزيادة أجور العمال نالت صدى واسعاً، إضافة إلى سياساته المناهضة للهجرة غير الشّرعية، وتركيزه على ميّزة “استثنائية الرأسمالية الأميركية” في إنشاء فرص العمل التي ستساعده في المرحلة المقبلة من حضوره السياسي.

على الرغم من خسارة الحزب الجمهوري لمنصب الرئاسة ،لكنه استطاع الفوز بأغلبية المجالس التشريعية في الولايات الخمسين، الأمر الذي سيوفر له فرصة ذهبية لإعادة ترسيم توازنات المقاطعات الانتخابية وكسب المزيد من التمثيل في مجلس النواب في الانتخابات النصفية لعام 2022.

من بين مجموع الولايات الخمسين، سيطر الحزب الجمهوري على 27 منصب حاكم للولاية، و 62 مجلساّ تشريعياّ من مجموع 99 مجلساً (مع العلم بأنّ ولاية نبراسكا لديها مجلس تشريعي واحد بدلاً من مجلس نواب ومجلس شيوخ)، مقابل 37 مجلساَ تحت سيطرة الحزب الديموقراطي.

في ولاية بنسلفانيا، على سبيل المثال، كسب الحزب الجمهوري مقاعد إضافية في المجلس التشريعي، وكذلك الأمر في ولاية نورث كارولينا، بينما فاز الحزب الديموقراطي بمقعد يتيم في ولاية تكساس البالغة الأهمية، مقابل احتفاظ الحزب الجمهوري بأغلبية المجلس التشريعي ومنصب حاكم الولاية.

في المحصّلة العامة، يسيطر الحزب الجمهوري على أغلبية المجالس التشريعية في الولايات، ويتحكّم الخصم الديموقراطي بالهيئات التشريعية والتنفيذية الاتحادية في واشنطن، ناهيك بتوازنات السلطة القضائية العليا التي تميل بشدة لصالح الحزب الجمهوري.

تجدر الإشارة إلى “استثنائية” الجولة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية على صعيد الحزب الجمهوري، الذي لم يقدّم أو يتبنّى برنامجاً سياسياً في مؤتمره السنوي العام، “وهي المرة الأولى منذ إنشائه قبل 166 عاماً” التي يفشل فيها. وقد اكتفى بإصداربيان مركزي يؤيد الرئيس ترامب.

تداعيات تصويت مجلس النواب الأميركي على قرار محاكمة ترامب أفرزت كتلة مناهضة مكونة من147 ممثلاً في مجلس النواب لنتائج الانتخابات الرئاسية، وانعكست سلباً على جناح مناهض لها داخل الحزب، ممثلاً بكريمة نائب الرئيس الأسبق والنائب عن ولاية وايومننغ ليز تشيني. وقد عاقبها الحزب الجمهوري بمعارضة نحو 107 من أعضائه في مجلس النواب لمرتبتها الثالثة في قيادة الكتلة الجمهورية، وتوجيه “توبيخ” شديد اللهجة إليها، ما سينعكس سلباً على مستقبلها السياسي، وخصوصاً بعد قرار الحزب ترشيح ممثل منافس عنه للفوز بمقعدها في جولة الانتخابات المقبلة.

الرئيس السابق لمجلس الشيوخ ميتش ماكونيل أيضاً نال غضب الحزب في ولايته كنتاكي، وتم توجيه توبيخ إليه على خلفية تأييده لقرار محاكمة الرئيس ترامب. مصير مجلس النواب سيتحدد في الانتخابات النصفية في العام المقبل على هدي العرف الأميركي ربما، الذي يعطي أغلبية المقاعد للطرف المنافس لحزب الرئيس. الثابت حتى اللحظة تأييد نحو 74 مليون ناخب للرئيس ترامب، “بعضهم لا يزال يعتقد أنّ الانتخابات سُرقت منه بتواطؤ كبار قادة الحزب الجمهوري عليه”، على الرغم من غياب الدلائل الحسية.

قبل الغوص في مستقبل الحزب الجمهوري، ينبغي التذكير بتقييم أحد استراتيجييه ورئيس مجموعة “نورث ستار” لقياس الرأي العام، ويت آيرز، قائلا: “تنقسم الموازين داخل الحزب إلى قسمين؛ العنصر الشعبوي مقابل العنصر التقليدي في الحكم، وأرجّح تنامي الصراع بينهما للسيطرة على توجهات الحزب المقبلة”. وأضاف أنّ ما جرى شكّل مدخلاً لمعركة الصراع على روحية الحزب في عصر ما بعد الرئيس ترامب”.

في ضوء ذلك، يُستبعد الحصول على أغلبية مطلقة في مجلس الشيوخ (67 عضواً) للتصويت على إدانة الرئيس ترامب أو ربما مصادقة السلطة القضائية العليا على استيفاء “حكم الإدانة للنصوص الدستورية”. وينظر عدد لا بأس به من أعضاء الحزب الجمهوري بعين القلق إلى مستقبلهم السياسي، في حال انضمامهم للتصويت على الإدانة، لعلمهم بمعاقبة الناخبين لهم في الجولة المقبلة.

لن يغيب ترامب عن الساحة السياسية، كما يعتقد الكثيرون، ولا سيما أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في واشنطن آلان ليكتمان، الذي يعتبر مرجعاً في صحة توقعاته لفوز مرشحي الانتخابات الرئاسية لفترة زمنية طويلة. يجزم ليكتمان أن رؤية أو تمنّي البعض تلاشي حضور الرئيس ترامب عن المشهد السياسي لا تعززه الوقائع الراهنة إلا في حال إيداعه السجن، لكن الأخير أثبت عمق تأييد قاعدته الشعبية في الانتخابات الاستثنائية لولاية جورجيا، ، رغم خسارة مرشحيْه. أما تصريحاته بالترشح لانتخابات العام 2024، فإنها تعني أنه يطمح للبقاء كعنصر مهيمن على مفاصل الحزب والعنصر الموجّه، ولو حُرِم من الترشح للرئاسة مجدداً.

يمكن إيجاز رؤى ما سيؤدي إليه الصّراع داخل الحزب بتوجّهين متصادمين، أحدهما “يأمل” تراخي قبضة الرئيس ترامب على الحزب بعد خروجه من السلطة، مقابل اعتقاد الطرف الآخر بأنه ينبغي إقدام الحزب على اتخاذ خطوة صريحة تكسر قواعد الولاء الشخصي السابقة، بعدما أوصله الرئيس ترامب إلى “حافة الكسر”، وذلك طمعاً في استعادة منسوب المصداقيّة المتدهورة، بحسب حاكم ولاية اوهايو الأسبق عن الحزب الجمهوري جون كيسيك. ويضيف أنه في حال فشل في الحزب التخلي عن ترامب وفتح صفحة جديدة، فمصيره التقوقع على ذاته، وربما التشظي، مع الأخذ بعين الاعتبار تنامي دعوات مؤيدي ترامب لتشكيل حزب منفصل.