تونس: “حوار الطرشان”… و “ورقة التوت” الأخيرة .. مشهد سياسي جديد بعد خلافات حول قانون الإرث … بقلم كمال بن يونس

حملة انتخابية مبكرة تفجر تناقضات في تأويل الدستور و القرآن 

مشهد سياسي جديد بسبب خلافات حول قانون الارث

  انفجرت في تونس عاصفة سياسية إعلامية جديدة بمناسبة الإعلان عن مشروع رئاسي سوف يعرض على البرلمان بهدف تقنين المساواة الكاملة بين الجنسين بما في ذلك في الميراث .

و تزامنت هذه العاصفة مع الكشف عن مقترحات مثيرة للجدل ، قدمتها الى رئاسة الجمهورية لجنة من الحقوقيين والجامعيين الليبيراليين واليساريين، من بينها الغاء عقوبات الإعدام واللواط والزنا ، ومنع كل المضايقات والعقوبات للمثليين.

و لئن نجحت هذه العاصفة في تخفيف حدة الازمة السياسية والاجتماعية ، التي تمر بها البلاد منذ أعوام ، فإنها أقحمت تونس في أجواء حملة انتخابية سابقة لأوانها استعدادا لانتخابات العام القادم الرئاسية والبرلمانية.

و إذ برر الرئيس التونسي وانصاره مبادرتهم بتأويل لبنود الدستور التي تؤكد على المساواة وعلى مدنية الدولة والقانون ، فإن خصومهم يطالبونهم باحترام مرجعياتهم الفقهية الإسلامية والفصل الأول من الدستور الذي نص على كون الدولة التونسية  جمهورية مستقلة الإسلام دينها والعربية لغتها .

 فهل تتطور علاقات حزب الرئيس ، نداء تونس ، بشركائه في الحكومة منذ 2014 بزعامة راشد الغنوشي نحو القطيعة والصدام، أم ينجح زعماء الحزبين الكبيرين مرة أخرى في احتواء الأزمة وتجميد التناقضات الثانوية وانجاز توافق سياسي جديد حفاظا على الوحدة الوطنية وعلى مسار الانتقال الديمقراطي ، ولو كان الثمن التنازل عن ورقة التوت الأخيرة والتورط في مزيد من الاستريبتيز السياسي ؟

الوزير السابق والقيادي البارز في حزب نداء تونس رضا بالحاج أورد أن من بين نتائج هذا الصراع السياسي الجديد حول قانون الاحوال الشخصية المثير للجدل منذ 1956 ، اعادة تشكيل المشهد السياسي بين قوتين : واحدة تتمسك بالصبغة المدنية للدولة ، أي العلمانية ، وبالقوانين الوضعية، والثانية تتمسك بالأحكام الفقهية وتطبيق الشريعة الاسلامية رغم مصادقتها على دستور يناير2014 الذي كانت مرجعياته المواثيق الاممية والقوانين الدولية .

وبحكم تعمق الخلافات داخل العلمانيين والليبيراليين واليساريين من المتوقع بالنسبة لصناع القرار في عدد من مؤسسات الحكم والأحزاب القريبة منها ، أن تؤدي هذه المواجهة الجديدة مع انصار تطبيق الشريعة الإسلامية الى تشكيل جبهة معارضة للتيار الإسلامي يمكن توظيفها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام القادم .

خياران أحلاهما مر

 في نفس السياق اتهم الاعلامي والجامعي عبد السلام الزبيدي ، قيادات في حزب نداء تونس وفي مؤسسات الحكم بمحاولة تغيير المشهد السياسي لصالح حزبهم مع احراج قيادات حركة النهضة بشكل غير مسبوق وتخييرهم بين امرين احلاهما مر:  تقديم مزيد التنازلات لصالح التيار العلماني فيخسرون مزيدا من  ناخبيهم 1956 أو الاصطفاف مع المحافظين المعارضين للاجتهاد والتجديد وللحداثة والمشروع المجتمعي التحرري وفصول الدستور التي تؤكد على الصبغة المدنية للدولة .

وقد كشفت تصريحات عدد من البرلمانيين والسياسيين والقياديين في احزاب ليبيرالية ويسارية ، مثل المحامي أحمد صديق ، أن موافقة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي على مبدأ المساواة الكاملة في الارث بين الذكر والانثى فرصة لا ضعاف انصار التيارات الاسلامية السياسية في تونس بدءا من حركة النهضة التي فازت بالمرتبة الاولى في الانتخابات البلدية في ماي الماضي واصبحت صاحبة الكتلة الاولى في البرلمان بسبب انقسام نواب الحزب الحاكم .

وتمارس قيادات الجبهة الشعبية بزعامة حمة الهمامي وزياد الأخضر والجيلاني الهمامي ضغوطات على رئاسة الجمهورية من أجل الموافقة على كل مقترحات تقرير لجنة المساواة والحريات وعدم تقديم أي تنازلات الى ممثلي التيار الإسلامي .

مظاهرات و مظاهرات مضادة

ولم تقتصر الصراعات الفكرية والسياسية العنيفة بسبب تناقض المواقف من تطبيق الشريعة الاسلامية ومشروع قانون الارث على المنابر الاعلامية ، بل تطورت الى مسيرات ومظاهرات نظمت في شوارع العاصمة تونس وعدد من مدن البلد بمشاركة آلاف النشطاء والسياسيين من الجانبين .

وتميزت المظاهرة التي نظمت يوم السبت 11 اغسطس أمام البرلمان بمشاركة عشرات ائمة الجوامع واساتذة التشريع والفقه الاسلامي في جامعة الزيتونة .

في المقابل تميزت المظاهرة التي نظمت لمساندة تقرير لجنة الحريات والمساواة ومشروع قانون الارث بمشاركة ناشطات نسائيات وزعماء من الاحزاب اليسارية الراديكالية مثل حمه الهمامي زعيم الجبهة الشعبية التي تضم 15 حزبا يساريا وقوميا.

وتجاوزت كلمات بعض الخطباء في المظاهرات الحدود الحمراء بما في ذلك من حيث النيل من كرامة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي واعضاء لجنة الحريات والمساواة  التي أعدت التقرير عن المساواة لرئاسة الجمهورية . وبلغت التهجمات أقصاها ضد  رئيسة هذه اللجنة الحقوقية اليسارية بشرى بالحاج احميدة الرئيسة السابقة لجمعية النساء الديمقراطيات .

كما رفعت خلال تحركات الجانبين شعارات تكفير وتخوين متبادلة، الى درجة ان الجامعي والحقوقي زهير بن يوسف أورد أن تونس تعاني من استقطاب جديد بين علمانيين متطرفين ومتدينين متشددين وسلفيين .

 واعتبر زهير بن يوسف أن بعض زعماء التيارين العلماني والإسلامي أصبحوا يريدون فرض افكارهم بالقوة ويرفضون الحوار حولها ، ويتقمص كل طرف شخصية النبي : نبي متدين حينا ونبين علماني معاد للدين حينا آخر.

اعلام المثليين ..لأول مرة

 ومن بين ما عقد الازمة وتسبب في خلط الأوراق أكثر رفع أعلام المثليين جنسيا ويافطاتهم في مظاهرة مساندة فرض المساواة الكاملة بين الجنسين يوم 13 أغسطس في قلب العاصمة تونس بمناسبة تظاهرات عيد المرأة والاسرة.

كما شاركت في نفس التظاهرة ناشطات ونشطاء من جمعية ” شمس” ، وهي تونسية قانونية تدافع منذ عامين على حقوق المثليين جنسيا في تونس .

وكانت من أبرز شعارات هؤلاء المثليين دعم توصيات تقرير لجنة المساواة والحريات بزعامة المحامية بشرى بالحاج احميدة ، ومن بينها تعديل القانون الجزائي التونسي بهدف الغاء العقوبات التي تفرض على الموقوفين بسبب إقامة علاقات جنسية خارج مؤسسة الزواج بما فيها اللواط والسحاق والزنا .

 اجندات استعمارية

وبالرغم من عدم تعرض خطاب رئيس الجمهورية وغالبية الرسميين التونسيين لهذه القضايا الخلافية ، فقد ركز عليها معارضوها عليها ، وشنوا حملات إعلامية واسعة في المواقع الاجتماعية والجوامع ، على الرئيس التونسي وانصاره واتهموهم بالانحراف والشذوذ وتبرير اللواط والزنا وبتطبيق أجندات استعمارية غربية تريد فرض مفهوم جديد لحقوق الانسان والنساء يسمح للشواذ جنسيا بإبرام عقود زواج في بلد عربي مسلم ، مثلما جاء على لسان عالم الاجتماع والكاتب المخضرم أبو يعرب المرزوقي.

في نقس السياق تشهد تونس تصعيدا خطيرا للاتهامات بالخيانة الوطنية والولاء للاستعمار والسفارات الأجنبية . ووجهت هذه الاتهامات بالخصوص الى رموز التيارات العلمانية ورواد هذه المبادرة التي تدعو الى قدر اكبر من الحريات والمساواة بين النساء والرجال من منظور مدني مرجعياته القانون الدولي ، وبينهم مدير عام مؤسسة بيت الحكمة في قرطاج والخبير في علم الأديان المقارن عبد المجيد الشرفي والمحامية بشرى بالحاج احميدة والكاتب صلاح الدين الجورشي.

وقد وصف عدد من الجامعيين وخطباء الجوامع ، بينهم الوزير السابق نور الدين الخادمي والجامعي الياس دردور ، هذه المبادرة بمبادرة الفتنة وحملوا أصحابها ورئاسة الجمهورية مسؤولية ردود الفعل التي قد تصدر بسببها .

حوار طرشان

وهكذا وجدت البلاد نفسها مجددا ضحية تيارين تورطا في حوار طرشان : الأول يعتبر نفسه حداثيا ومناصرا للحريات والثاني يصف نفسه بتيار الدفاع عن الهوية الثقافية والحضارية للشعب والبلاد ويتهم خصومه بمحاولة تمرير قوانين تسمح بزواج المثليين جنسيا وتمنع معاقبة المحالين على القضاء بتهم اللواط والزنا والسحاق ..

هذه الأجواء ذكرت المراقبين بحوار الطرشان وأجواء التوتر والقطيعة عامي 2013 و2014 عندما دفع التونسيون نحو الاصطفاف حول أحد قطبين : الأول تزعمه الرئيس التونسي الحالي الباجي قائد السبسي و ثلة من رجال الاعمال والنقابيين وزعماء اليسار التونسي ، اعتبر نفسه حداثيا ، عارض حكومة حركة النهضة وحلفائها الى أن اسقطها. والقطب الثاني تزعمه أنصار تيار الهوية العربية الإسلامية بزعامة راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة والرئيس السابق المنصف المرزوقي ورئيس البرلمان الانتقالي مصطفى بن جعفر.

وعلى غرار ما حصل قبل انتخابات 2014 ، تعمقت القطيعة بين النخب الثقافية والسياسية والنقابية .

 وكانت النتيجة مجددا حوار طرشان بين النخب في وسائل الاعلام وبين ملايين النشطاء المحافظين والليبيراليين في المواقع الاجتماعية .

رسالة الزعيم التاريخي والمصلح

في الاثناء كان رد الرئيس التونسي في خطاب عيد المراة والاسرة يوم الاثنين 13 أغسطس حازما وحاسما .

وتصرف من موقع من يعتبر نفسه زعيما تاريخيا ومصلحا كبيرا على غرار الرئيس الحبيب بورقيبة مؤسس الدولة الحديثه ما بين 1955 و1987 ، الذي كان الباجي قائد السبسي عمل تحت امرته أكثر من عشرين عاما في مواقع عليا في الدولة بينها وزارات الداخلية والدفاع والخارجية. الرئيس التونسي رفض الانتقادات الموجهة اليه والى لجنة المساواة والحريات التي شكلها وذكر معارضيه بكون الدولة التونسية الحديثة، بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة، اختارت أن يكون قانون الأحوال الشخصية أوَّلَ قانونٍ تُبادرُ به ، قبل إعلان الجمهورية في 25 يوليو 1957 وإصدار دستور الجمهورية الأولى في غرة يونيو 1959. وقد قامت بتلك الخطوة رغم اعتراضات ثلة من علماء جامع الزيتونة وعدد كبير من مشايخ الازهر والفقهاء في العالم الإسلامي .

الفصل بين الديني و السياسي

    وردا على الانتقادات القوية التي وجهها رموز التيارات الدينية وعدد من خطباء الجوامع الى المبادرة الرئاسية التي وصفوها بمخالفة العرف وتقاليد المجتمع التونسي ومرجعياته الشرعية الدينية ، تمسك الرئيس التونسي في كلمة توجها بها الى الشعب بالفصل الثاني من الدستور التونسي ، الذي نصَّ بوضوح على الصبغة المدنية للدولة والقوانين إذ جـاء فيه : “تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب وعلوية القانون”.

واعتبر قائد السبسي هذا الفصل الجديد أهم اصلاح وتجديد في دستور 2014 مُقارنةً بدستور 1959 ، فهو يؤكد على الطابع المدني للدولة بما يعنيه ذلك من أن النظام القانوني التونسي هو نظام مدني وضعي وليس دينيا .

المسكوت عنه

كيف الخروج من هذا المأزق بالنسبة لكبار الفاعلين السياسيين في تونس بما يضمن تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها موفى العام القادم ؟

يبدو أن قادة أغلب القوى السياسية والبرلمانية أدركت جيدا أن من بين أهداف العاصفة السياسية والإعلامية الحالية اضعاف حركة النهضة التي تزايد دورها السياسي داخل تونس وفي محيطها الإقليمي .

وبعد أن عطلت قيادة هذه الحركة محاولات قيادات في حزب النداء ونقابات العمال ورجال الاعمال الإطاحة بحكومة الوحدة الوطنية بزعامة يوسف الشاهد ، قد يبدأ المنعرج بمفاوضات جديدة في قصر قرطاج تشمل قيادات النقابات والأحزاب الكبرى ، وتؤدي الى توافقات سياسية علنية وأخرى سرية حول المشهد السياسي لمرحلة ما بعد العودة البرلمانية والمدرسية والجامعية : هل تتابع هذه الحكومة مهامها ؟ أم تشكل حكومة تكنوقراط جديدة تشرف على التحضيرات لانتخابات العام القادم التي قد يكون رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد من بين أبرز المرشحين فيها ؟

مؤشرات عديدة ترجح فرضية تدخل الزعماء للسياسيين لتدارك الامر قبل فوات الأوان .

وقد صدرت عن البرلماني عماد الخميري الناطق الرسمي باسم حركة النهضة والمستشار السياسي لرئاسة حركة النهضة الوزير السابق لطفي زيتون وعن رئيس المكتب السياسي للحركة نور الدين العرباوي تصريحات بإمكانية خوض جولة جديدة من الحوارات بين رموز الدولة وقيادات النقابات والأحزاب لتجنب استدراج الشباب المتدين من جهة وخصومهم العلمانيين من جهة ثانية نحو مواجهات غير مأمونة العواقب تهدد إنجازات رموز التجديد الفكري والديني التونسي الحداثي واضافات المصلحين الوطنيين خلال مرحلة الكفاح ضد الاستعمار المباشر وبناء الدولة الحديثة خلال الستين عاما الماضية .

 

محطات سابقة في القوانين المنحازة للمرأة في تونس

  • اختارت تونس أن تمنح للبنت حق إرث والدها باستعمال تقنية “الرّد” و”إزالة قاعدة الحجب ” منذ قانون صدر في 1959. 
  • مسيرة الإصلاح  الفكري والتجديد الديني في تونس الحديثة بدأت منذ انطلاق الإصلاح السياسي في 10 سبتمبر 1857 بإعلان عهد الأمان الذي منح حقوقا بالجملة لغير المسلمين ثم دستور 26 أبريل 1861 الذي كان اول دستور عربيا
  •  دستور الاستقلال الصادر في غرة يونيو 1959 منح حقوقا بالجملة للمرأة والاسرة
  • وبالتوازي مع الإصلاح السياسي كانت هناك محطات للإصلاح الاجتماعي أيضا، من ذلك إلغاء العبودية في 26 جانفي 1846، وإصدار مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956 التي تظلُّ أهمَّ إصلاحٍ اجتماعي حدث في القرن العشرين في تونس وفي المنطقة بمُجملها، حيث وضعت المرأة في صُلْبِ تغيير المجتمع بأن حررتها وحفظت كرامتها ومكّنتها من الحق في الاختيار الشخصي، ومن ذلك حرية اختيار القرين التي تدعَّمت بإلغاءِ ما عُرِف بمنشور 73 في 8 سبتمبر2017.
  • كما تَدَعَّمَت المكاسب السياسية للمرأة بإقرار التناصف العمودي والأفقي في القانون الانتخابيالتونسي منذ 2011
  • دستور الثورة التونسية الجديد المصادق عليه في 26 يناير 2014 كان واضحا وصريحا في تنصيصه على المساواة في الحقوق والواجبات بين التونسيات والتونسيين توطئةً وفصولاً. فقد نَصَّت التوطئة على العزم على إقامة نظام “تضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام حقوق الانسان (…) والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات”. كما جاء في الفصل 21 منه “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواءٌ أمام القانون من غير تمييز”.فالأصل هو المساواة على قاعدة المواطنة والانتماء للدولة دون تمييز بمقتضى الجنس أو العرق أو اللون أو الدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *