المُوجبات الموضوعيّة التّسعة للحَذَرِ من تركيا و من تدخّلها في ليبيا … بقلم محمد ابراهيم الحصايري

المُوجبات الموضوعيّة التّسعة للحَذَرِ من تركيا و من تدخّلها في ليبيا … بقلم محمد ابراهيم الحصايري

في البداية، أريد أن أشير إلى أن استطلاعَ رأي، حديثًا، أجرته “مؤسّسة إسطنبول للأبحاث الاقتصادية”، في 12 مدينة تركية، بمشاركة 1537 مواطنا تركياً، عن موقف الأتراك من تدخّل بلادهم العسكري في ليبيا أسفر عن النتيجتين الهامّتين التاليتين:

• أنّ 58٪؜ من الأتراك يعارضون إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا.

• أن 75٪؜ منهم يرون أنّه يجب على تركيا ألا تساند أيّا من طرفي الصراع، وأن تكتفي بالوساطة بينهما.

وتعكس هاتان النتيجتان رفض نسبة كبيرة من الأتراك لسياسة الرئيس رجب أردوغان التي تستخدم الجيش التركي لأغراض غير غرض الدفاع عن الوطن.

وإذا كان أغلب الأتراك يرفضون تدخّل بلادهم العسكري في ليبيا، فإنه من باب أولى وأحرى أن يكون رفض الليبيين ودول الجوار الليبي له أشدّ وأقوى، إذ يُخْشَى أن تكون تداعيات هذا التدخّل كارثيّة على ليبيا وعلى ما حولها من الدول، وهو ما يستتبع، منطقيا، الحذر منه ومن “أهداف” الالتفاتة التركية الماكِرة نحو منطقتنا المغاربية.

ولهذا الحذر، في نظري، مُوجِبَاتٌ موضوعيّةٌ تِسْعَةٌ سأُجْمل الحديث عنها فيما يلي:

1/ أنّ سياسة تركيا الخارجية التي نظّر لها أحمد داوود أوغلو (أستاذ العلاقات الدولية ووزير الخارجية السابق ومستشار رجب طيب أردوغان حين كان رئيسا للوزراء)، تقوم على مبدإ “صفر مشاكل مع دول الجوار”، وقد تبيّن، سريعا، أنّها سياسة مليئة بالتناقضات، وأنها قاصرة عن بلوغ غاياتها، وقد أفضت، عمليّا، إلى عكس المُنْتَظَر منها، حيث أنها خلقت لتركيا عداوات مع أغلب جيرانها العرب وغير العرب.

2/ أنّ تركيا تطمح إلى أن تكون قوّة فوق إقليمية ولاعبا أساسيا في المنطقة وفي العالم، وهي تتوخّى، في محاولة تحقيق هذا المطمح، نهجا براغماتيّا بل “ماكيافيليا”، لا يعبأ بالمبادئ، ولا يخضع، أوّلا وأخيرا، إلا لمصالحها.
ومن أحدث الأمثلة على البراغماتية بل “المكيافيلية” التركية، أسلوب المساومة الذي تعاملت به أنقرة، في عدّة ملفّات، مع أوروبا ومع حلف شمال الأطلسي، خلال قمّة الحلف المنعقدة في لندن يومي 3 و4 ديسمبر 2019 حيث هدّد الرئيس التركي، مثلا، بعدم التوقيع على البيان الختامي الذي كان الحلف سيصدره بمناسبة الذكرى السبعين لإنشائه، إن لم توافق الدول الأعضاء على تصنيف “وحدات حماية الشعب الكردي” وهي الفرع المسلّح لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، كتنظيم إرهابي.
وكان الرئيس التركي، قبل ذلك، وبالتحديد في شهر أكتوبر 2019، هدّد الاتحاد الأوروبي، عندما شرع في عدوانه على الأراضي السورية لإقامة منطقة آمنة على طول الحدود التركية السورية شرق نهر الفرات، بأنه، في حالة الاعتراض على مشروعه، سيفتح حدود بلاده أمام المهاجرين السوريين الذين يريدون التوجّه إلى الدول الأوروبية، كما لوّح بأنه قد يعيد الإرهابيين المعتقلين لديه والحاملين لجنسيات أوروبية إلى دولهم…

3/ أنّ تركيا أسّست سياستها الخارجية التركية على مشروع لا تخفي أنه “توسّعي” يجمع بين ما يمكن أن نسمّيه “التمدّد الليّن” أي الاقتصادي والثقافي، وبين “التمدّد الصّلب”،أي العسكري، وذلك من خلال القيام بتدخّلات آنية أحيانا، وأحيانا أخرى، من خلال تركيز وجود عسكري دائم في بعض الدول القريبة وحتى البعيدة.

وقد تجلّى ذلك خلال الأعوام الماضية، خاصّة في تدخلات الجيش التركي في كل من العراق وسوريا، وفي تأسيس قواعد عسكرية، في بعض الدول العربية الواقعة في آسيا أو إفريقيا.

ويتعلق الأمر، أولا، بقاعدة الريّان العسكريّة في قطر التي أقيمت بعد توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين في 19 ديسمبر 2014، وذلك إثر سحب الدول الخليجية سفراءها من الدوحة احتجاجاً على سياساتها الخارجية، وقد تمّ بعد إعلان “الرّباعي الخليجي المصري” مقاطعته لقطر في 5 جوان 2017 التعجيل بافتتاح القاعدة التي يرجّح، حسب بعض المصادر، أن يصل عدد القوات التركية فيها إلى خمسة آلاف عسكري من مختلف الوحدات القتالية، وأن يقع إمدادها بالسفن والمقاتلات الحربية في مرحلة لاحقة.
كما يتعلق، ثانيا، بالقاعدة العسكرية التركية على الساحل الصومالي التي تم افتتاحها في جويلية 2016، وهي تقع على مساحة 400 ألف متر مربع، وقد بلغت كلفة بنائها وتجهيزها حوالي 50 مليون دولار، ويتمثل الهدف المعلن منها في تدريب نحو 10.500 جندي صومالي وإعدادهم من أجل مواجهة الحركات المتطرّفة وتحديداً “حركة الشباب المجاهدين”، في البلاد، وكذلك التصدّي لجماعات القراصنة في خليج عدن الاستراتيجي الذي يعتبر من أكثف الممرات البحرية الدولية حركةً، غير أن الهدف غير المعلن من الحضور العسكري التركي في منطقة القرن الإفريقي هو،كما يرى المحلّلون، تمكين أنقرة من أوراق ضغط على دول الخليج، وعلى مصر باعتبار أن خليج عدن هو المعبر الرئيسي لتجارة النفط العالمية، وأن مضيق باب المندب هو البوّابة الاستراتيجية من قناة السويس وإليها، ثم إنه، على صعيد آخر، يمثل منصّة للانطلاق نحو أعماق القارة الإفريقية، الواعدة بأسواقها واستثماراتها الوفيرة، ومواردها الخام الحيوية.

ويتعلّق الأمر، ثالثا، باستئجار تركيا لجزيرة سواكن السودانية، لمدة 99 سنة، في الظاهر من أجل إعمارها وإعادة تأهيلها، وفي الواقع من أجل تحويلها إلى منصة أخرى للتغلغل في القارة السمراء.

أما عن التدخّلات في دول الجوار، فيأتي في مقدّمتها التدخّل في شمال العراق، وذلك من خلال إرسال مئات من الجنود إلى معسكر “بعشيقة” الواقع في إقليم “كردستان العراق” بدعوى مقاومة تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” التي سيطرت على مدينة الموصل في 10 جوان 2014، وذلك تحت ذريعة تدريب قوات “البشمركة”، ومقاتلين متطوعين من العشائر العراقية، لمواجهة التنظيم الإرهابي، والتحضير لتحرير الموصل علما بأن تركيا تدّعي أنّ وجودها العسكري في المعسكر يعود إلى التسعينيات من القرن الماضي، وقد جاء بتنسيق مع حكومة إقليم كردستان العراق، وذلك ضمن الجهود التركية لمحاربة تنظيم “حزب العمال الكردستاني”.

وقد تَلَت ْذلك التدخّلاتُ التركيّةُ العديدة ومختلفة الأشكال في الأزمة السورية، حيث أن تركيا كانت معبراً لـ”المقاتلين/ الإرهابيين الأجانب”القادمين من مختلف أصقاع العالم إلى سوريا، كما إنها دعمت بعض التنظيمات المتمرّدة المسلّحة بوسائل مختلفة.
وبالموازاة مع ذلك، شنّت حملات وعمليات عسكرية موسّعة كعملية “درع الفرات” في أوت 2016، وعملية “غصن الزيتون” في جانفي 2017.

على ان الأمر لم يتوقف عند هذا الحد إذ توجهت تركيا نحو إنشاء قواعد عسكرية في سوريا، ففي ماي 2017 أعلنت عن تخطيطها لإنشاء قاعدة عسكرية على تلة غرب مدينة الباب السورية .وفي غرة نوفمبر 2017 أُعلن عن استكمال إنشاء وتأهيل القاعدة العسكرية التركية الأولى في سوريا، على قمة جبل “الشيخ بركات”، قرب بلدة “دارة عزة” في الريف الغربي لمدينة حلب.

وأخيرا عمدت تركيا، في مطلع شهر أكتوبر الماضي، الى اجتياح الأراضي السورية لإقامة ما تسميه بالمنطقة الآمنة أو المنطقة العازلة.

4/ أن النّوايا التوسّعية التركية في دول الجوار تجلّت أيضا في تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان المتكرّرة بخصوص “ضرورة تعديل اتفاقية لوزان سنة 1923″، فهو يعتبر أن هذه الاتفاقية هي التي ضمّت الموصل إلى الدولة العراقية، وعلى هذا الأساس فقد أكد في أكتوبر 2016، أنّ “الموصل تاريخياً لنا”.

ولا يتعلق الأمر بالمنطقة العربية وحدها، بل إن الرئيس التركي الذي قام في ديسمبر 2017، بصفته وزيرا أول بأول زيارة على هذا المستوى إلى اليونان منذ ستين سنة، أحدث “صدمة” لدى مضيفيه اليونانيين عندما طالب بمراجعة اتفاقية لوزان التي رسّمت الحدود بين البلدين وأرست حقوق الأقليات فيهما.

وقد تعدّدت الخلافات بين أنقرة وأثينا خلال السنوات الأخيرة سواء حول وجود كل منهما في بحر “إيجه”، وفي البحر الأبيض المتوسط، أو حول استئناف المباحثات بشأن جزيرة قبرص، وبشأن استكشاف الغاز في سواحلها، أو حول تدفّقات المهاجرين من تركيا الى أوروبا عبر اليونان، وذلك بالإضافة إلى الخلاف حول تسليم 8 ضباط لجؤوا الى اليونان إثر الانقلاب الفاشل على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في جويلية 2016.
وقد جاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية في 27 نوفمبر 2019 ليزيد الطين بلّة.

5/ أن من أهم أسباب خطورة السياسة الخارجية التركية بالنسبة إلى العرب والمسلمين أن أنقرة تحرص على تطعيمها بأبعاد دينية وثقافية، وأنها تحاول “أَدْوَتَةَ” الشعور العدائي إزاء الغرب والغربيين، عند شرائح واسعة من الشعوب العربية والإسلامية، في تحقيق أهدافها.

وفي هذا السياق تجدر الملاحظة أن الرئيس رجب طيب أردوغان الذي تقول صحيفة “تركيا بوست” إنه يبدو إسلامياً عثمانياً، ويطرح نفسه كنقيض للحقبة الجمهورية العلمانية، ما فتئ يتغنى بأمجاد الخلافة العثمانية ويعمل من أجل إحيائها، وهو، في هذا الإطار يسعى إلى إرساء أركان ما يسمى بـ”العثمانية الجديدة”، ويريد تأسيس الجمهورية التركية الثانية بحلول سنة 2023، أي بحلول الذكرى المئوية لانهيار الدولة العثمانية، وذلك لكي يدفن إرث مصطفى كمال أتاتورك الذي كان ألغى الخلافة الإسلامية، نهائيا.

ولكيْ يؤسّس هذه الجمهورية التي ستكتسي “طابعا امبراطوريا”، فإنّه يحتاج إلى التوسّع على حساب أراضي الدول المجاورة، أي على حساب الأراضي التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية القديمة، وهو يستعين في تحقيق أحلامه بالعلاقات التي وثّقها مع حركات الإخوان المسلمين في الدول العربية، حيث أنه أكد في خطاب ألقاه يوم الجمعة 17 فيفري 2017، أنه “لا يعدّ الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، لأنها ليست منظمة مسلّحة، بل هي منظمة فكرية”، كما إنه ما انفكّ يعمل على انتشال الجماعة من إخفاقاتها وصراعاتها الداخلية، وعلى تجميع قادتها من أجل استئناف المسير نحو تحقيق أهدافها.

وفي هذا الصدد يقول الكاتب هشام النجار، في مجلة “أحوال” التركية، العدد 11 المؤرخ بشهر أفريل 2018، إنّ الرئيس التركي استغلّ أزمة جماعة الإخوان، بعد أن فشلت وعُزلت عن السلطة في مصر، وصُنّفت كمنظمة إرهابية في عدد من الدول العربية، وبعد أن أصابها الإحباط من تراجع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية عن تبني مشروع تصعيد الإسلام السياسي للحكم، تحت عنوان “الإسلام المعتدل” أو “الإسلام الديمقراطي”.

وبذلك حوَّل الرئيس التركي ورئيس حزب العدالة والتنمية، بلاده إلى حاضنة لمختلف الحركات الإخوانية ومركزا لتنظيمها الدولي، وهو ما يسمح له باستخدامها كأذرع لتنفيذ خططه في العالم العربي، وتوظيفها، في نفس الوقت، في صراعاته مع الدول الغربية التي تريد الحركات الانتقام منها بعد أن تخلت عن دعم مشروعها السياسي.

وليس غريبا بعد ذلك كله أن تكون نزعة “العثمانية الجديدة” قد أثارت جدلا واسعا داخل تركيا، كما أثارت لدى مختلف القوى السياسية، باستثناء الحركات الاخوانيةفي الدول العربية، ردود فعل مناهضة لها لا سيما وأنها اقترنت بسلوكات تركيا العدوانية في سوريا والعراق والآن في ليبيا، كما تبين أنها تؤسس لعلاقة إيديولوجية، سياسيّة وفكرية تنظيريّة، وتقترن باستراتيجيّات عمل مدروسة.

6/ بالنظر إلى ما تقدّم، فان التدخّل التركي في ليبيا لا يأتي غيرةً على الشرعيّة، ولا حبا في الشعب الليبي، وهو لا يرجع الى ما نجده في الأدبيات التركية التي تتحدث عن التاريخ والمستقبل المشتركين لتركيا وليبيا، وإنما يرجع إلى أسباب إيديولوجية تتعلق بموقف تركيا الداعم للإسلام السياسي، وأسباب اقتصادية تتعلّق بالوصول إلى موارد الطاقة وبإعادة الإعمار.
وفي هذا السياق يجدر التذكير بأنالاستثمارات التركية في ليبيا بلغت عشية الثورة الليبية ما يقدر بـ15 مليار دولار، وأن اكثر من 25 ألف تركي كانوا يعملون فيها، وأن قيمة صادراتها إليها سنة 2009 قدّرت بـ 1.8 مليار دولار،أما سنة 2010 فقد تجاوزت الملياريْ دولار، وكان من المنتظر أن تكون سنة 2011 أكثر ازدهارا.

7/ لقد بات من المُسَلَّمِ به الآن أن تركيا سهّلت دخول “المقاتلين/ الإرهابيين الأجانب” إلى سوريا عبر ترابها وقدّمت للدولة الإسلامية في العراق والشام تسهيلات لا سيما فيما يتعلق بتصدير النفط الذي استولت عليه، وهي ما تزال حتّى اليوم تتعامل مع بعض الأطراف المحلية التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، كما انها تحتفظ في معتقلاتها بالعديد من العناصر الإرهابية وهو ما يؤكده تهديدها بإرسال هذه العناصر الى بلدانها الأصلية في أوروبا وغير اوروبا.
وقد راجت منذ توقيع اتفاقية التعاون الأمني والعسكري بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية في 27 نوفمبر 2019 أنباء عن إرسال أعداد من “المقاتلين/ الإرهابيين” الذين تعتقلهم إلى ليبيا لمحاربة الجيش الوطني الليبي.
ووفق شهادات بعض “المقاتلين/ الإرهابيين المنشقّين” فإنّ تركيا تحتجز العديد منهم، وهي تخيّرهم بين العودة للقتال مع التنظيمات المتمرّدة في سوريا أو البقاء رهن الاعتقال، لاستخدامهم عندما يحين الوقت المناسب.

8/ صحيح أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية لا يهم تونس بصورة مباشرة، غير أن هذا الاتفاق أثار غضب العديد من دول المنطقة وخاصة منها مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وقد رفع من منسوب التوتّر في البحر الأبيض المتوسط الذي يراد له أن يكون واحة أمن وسلام واستقرار.

وما من شك أن أي نزاع قد يندلع بين الأطراف المعنيّة سينعكس على أمن المتوسط واستقراره ككل، ولن يكون أي بلد بمنأى عن انعكاسات مثل هذا الصراع.

9/ أنّ تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي وحليفة واشنطن والغرب منذ زمن بعيد، أثبتت أنها تتوفّر على قدرة كبيرة على المراوغة والمناورة، وعلى أوراق عديدة للضغط على شركائها والأطراف الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة واتحادية روسيا، عندما تحتاج إلى تمرير بعض مشاريعها، وتحقيق بعض أهدافها حتى وإن كانت تتضارب مع الأهداف الأمريكية أوالروسية.
وقد ظهر ذلك بصورة واضحة مؤخرا حين قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة تركيا يوم الأربعاء 07 /1/2020 حيث افتتح مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان صمامات خط أنابيب الغاز التركي (Turk Stream) الذي يهدف إلى تزويد تركيا وجنوب أوروبا بالغاز الروسي عبر البحر الأسود، مما سيمكن من تجاوز أوكرانيا غير المستقرة والمعادية لموسكو.

ويرى الملاحظون أن هذا الخط سيساعد تركيا على تأمين تزوّد مدنها الكبيرة في الغرب باحتياجاتها من الغاز، كما سيمكنها من فرض نفسها، ولو نسبيا، كمركز طاقة رئيسي، بينما سيساعد روسيا على ضمان تغذية أوروبا بالغاز، بعيدا عن أوكرانيا، وسيعزّز الترابط الروسي التركي، إذ أنه سيوسّع مجال التعاون بين الجانبين في قطاع الطاقة، علما بأن روسيا تقوم ببناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا، وهو ما سينضاف إلى تعاونهما في قطاع التسلّح، بعد أن قامت أنقرة، رغم تهديدات واشنطن، بشراء وتركيز نظام الدفاع الروسيS-400.

أما عن تحديات تركيا للولايات المتحدة الأمريكية في سوريا والعراق، فيبدو أن واشنطن حريصة على ألا تصعّد الخلاف مع أنقرة، وأنها، لاعتبارات استراتيجية أوتكتيكية، تفضل القبول بالأمر الواقع التركي حتى تحافظ على علاقاتها معها، لأنّ القطيعة قد تدفعها إلى الارتماء، كلّيا، في أحضان موسكو.

ومعنى ما تقدّم هو أن الدول العربية لا ينبغي أن تعوّل على موسكو ولا على واشنطن في لجم أطماع تركيا في المنطقة، لأن مصالحهما معها، كقوة فاعلة، أكبر من مصالحهما مع الدول العربية المُسْتَضْعَفَة، ولأنّ الازدواجية في القول والفعل هي التي تميز مواقفهما من العرب والأتراك.

 

محمد إبراهيم الحصايري

ديبلوماسي و سفير سابق

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *