انتخابات تونس تفرز”حكومة طوارئ” :” المعركة الأخيرة بين الإسلاميين و العلمانيين ؟… بقلم كمال بن يونش

انتخابات تونس تفرز”حكومة طوارئ” :” المعركة الأخيرة بين الإسلاميين و العلمانيين ؟… بقلم كمال بن يونش

· اصطفاف حول ساكن قرطاج الجديد ..والأولوية للإقتصاد والأمن

 

أعاد الإفراج عن المرشح للانتخابات الرئاسية رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي خلط الأوراق وتسبب في بروز اصطفاف جديد بين الأطراف السياسية الفائزة في الانتخابات البرلمانية التي نظمت قبل أسبوع : تيار مناصر للقروي يصف نفسه ب”الحداثي” و” العلماني” و” البراغماتي ” وتيار ثان يدعو الى التصويت الى الأكاديمي والحقوقي قيس سعيد يصف نفسه ب” الثوري” و” المعارض للفساد” و” الانحياز الى مطالب شباب الثورة ” والى الهوية الوطنية العربية الإسلامية .

وفي الوقت الذي بدأت فيه في الكواليس المشاورات التمهيدية لتشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة ، تكون أولويتها خطة طوارئ اقتصادية ، يتطلع صناع القرار إلى نتائج الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية المقررة ليوم غد الأحد 13 أكتوبر.

ويتوقع المراقبون أن يعجل فوز سعيد أو منافسه نبيل القروي في تشكيل مشهد سياسي جديد يتزعمه أحدهما انطلاقا من مكتبه في قصر الرئاسة في قرطاج والثاني في صالونات المعارضة البرلمانية ، مع رهان كل طرف على ” خزانه الانتخابي” : الشباب بالنسبة لقيس سعيد والفقراء بالنسبة لنبيل القروي .

كما يتوقعون أن تكون الصراعات الانتخابية والسياسية الحالية في تونس بمثابة ” المعركة الأخيرة ” بين ” الثوريين ” و” أنصار النظام القديم ” ، وبين ” الإسلاميين السلفيين والعلمانيين ” وبين ” المحافظين ” و” الحداثيين الليبيراليين”؟

فإلى أين تسير البلاد في ظل هذه التجاذبات التي قد تحسم توجهات ” الاستثناء الديمقراطي” التونسي بعد أن وقع تدويل قضية ايقاف المرشح نبيل القروي بتهم تبييض الأموال والتهريب والتهرب من الضرائب واقحام لوبيات مالية وسسياسية واعلامية أمريكية وأوربية واسرائيلية فيها ؟

رحب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نبيل بافون والنوري اللجمي رئيس الهيئة العليا المستقلة للاعلام و غالبية رفاقها بالافراج عن المرشح نبيل القروي رغم التهم الخطيرة الموجه اليه . واعتبروا أن مشاركته زوجته وأنصاره في حملته الانتخابية يضفي مصداقية أكبر على نتائج السباق الانتخابي نحو قصر الرئاسة والتنافس حول تزعم الحكومة القادمة .

واعتبر كثير من الخبراء والسياسيين والزعماء النقابيين ، بينهم رئيسا نقابات العمال نور الدين الطبوبي ورجال الاعمال سمير ماجول والمحامين ابراهيم بودربالة ، أن الافراج عن القروي عشية الاقتراع العام الأخير يمكن أن يعيد نوعا من “التوازن للمشهد السياسي” بعد فوز مرشحي حركة النهضة وعشرات من السياسيين الإسلاميين الذين يقفون على يمينها سياسيا وفكريا باغلبية نسبية قد تمكنها من تشكيل الحكومة الجديدة بالتحالف مع العلمانيين ” الثوريين ” و” العروبيين” و” اليساريين”.

انهيار “منظومة الفساد”

لكن بعض الخبراء والنشطاء الحقوقيين العلمانيين ، مثل استاذ القانون ورئيس جمعية “دستورنا ” جوهر بن مبارك ، انتقدوا كل اشكال التسامح مع السياسي ورجل الاعلام والاعمال المخضرم نبيل القروي ومن وصفوهم ب”رموز الفساد” منذ عشرين عاما .

وتوقع بن مبارك وأنصاره في تصريحات صحفية أن يؤدي سيناريو فشل نبيل القروي في الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية الى ” انهيار منظومة الفساد ” وانتهاء الدور السياسي للقروي وتفكك الحزب الذي أسسه مع مجموعة من المنشقين عن حزب الرئيس التونسي السابق الباجي قائد السبسي في شهر يونيو حزيران الماضي بعد خلافاته مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد وفريقه.

كما توقع جوهر بن مبارك وعدد من المحامين القياديين في حركة النهضة ، بينهم البرلماني سمير ديلو ، أن يؤدي فشل القروي في السباق نحو قرطاج الى استئناف التحقيق معه حول الاتهامات المالية والسياسية والامنية الخطيرة الموجهة اليه ، وبينها تبييض الأموال واعترافه بابرام عقود في بيته مع شركة “لوبيينغ” أمريكية يتزعمها مستشار الامن القومي الاسرائيلي السابق “آري بن مناش” وتحويل أموال لفائدة شركته من حسابات مالية غير قانونية بالعملات الاجنبية خارج البلاد .

كما شنت قناة الزيتونة التلفزية ومواقع اعلامية قريبة من حركة النهضة حوارا مع آري بن مناش يؤكد فيه مقابلاته مع القروي وزوجته وشقيقه رجل الاعمال والبرلماني غازي القروي .

وقد انخرطت مجموعة من وسائل الاعلام ومئات المواقع الاجتماعية الشبابية والحقوقية المناصرة للمرشح الحقوقي قيس سعيد في شن حملة ضد القروي وانصاره وبعض نواب حزبه ” قلب تونس ” ممن يجري التحقيق معهم منذ اعوام في تهم الفساد المالي بينهم رجال أعمال والرئيس السابق لكتلة حزب قائد السبسي في البرلمان سفيان طوبال.

كما بثت هذه المواقع والمجموعات الحقوقية، وبعضها يسارية وعلمانية مثل منظمة ” أي ووتش ” ، فيديوهات تتهم القروي مجددا بالفساد المالي والسياسي وربط علاقات غير قانونية مع لوبيات امريكية وروسية واسرائيلية واوربية يتهمونه بتهريب أموال لنيل دعمها في معركة السباق نحو قصر قرطاج .

وقد اعترف القروي في حديث تلفزي بعد الافراج عنه بمقابلة مستشار الامن القومي الاسرائيلي السابق ” آري بن مناش” ، لكنه نفى بقية الاتهامات وبينها التبعية للوبيات اسرائليية أو السعي لتطبيع علاقات تونس مع تل أبيب في صورة جلوسه على كرسي قصر قرطاج.

تخوفات من فوز المتطرفين

في المقابل صدرت عن عدد كبير من الزعماء االنقابيين والسياسين والمثقفين والحقوقيين العلمانيين ، مثل الاعلامي عبد اللطيف الفراتي والجامعية سلوى الشرفي والاعلامية آمال الحاج علي ، تحذيرات من انتخاب الحقوقي والاكاديمي قيس سعيد لرئاسة الجمهورية واتهموه بالتحالف مع حركة النهضة ومع مجموعات من خطباء الجوامع والنشطاء السياسيين “المتطرفين” و”الفوضويين ” و السلفيين” الذين حصلوا على 25 مقعدا في البرلمان الجديد : 21 عضوا باسم ” ائتلاف الكرامة ” بزعامة المحامي سيف الدين مخلوف و4 باسم حزب الرحمة السلفي بزعامة سعيد الجزيري زعيم حزب ” الرحمة” السلفي.

ويشن نواب من حزب “قلب تونس ” بزعامة نبيل القروي و زعماء من اليسار الماركسي مثل النائب السابق الجيلاني الهمامي وصحفيين بارزون ، مثل لطفي العماري ومحمد بوغلاب ومريم بالقاضي ، حملة ضد قيس سعيد والأغلبية النسبية التي أفرزتها الانتخابات البرلمانية ويحذرون من مخاطر دفع تونس نحو ” دوامة جديدة من المعارك الايديولوجية بين العلمانيين والمتشددين دينيا”.

لكن المنسق العام لقائمة ” ائتلاف الكرامة ” ولنوابها ال21 الذين فازوا في الانتخابات البرلمانية المحامي سيف الدين مخلوف نفي في مؤتمر صحفي جديد بحضور كل رفاقه الاتهامات الموجهة اليه والى نواة كتلته البرلمانية وبينها المطالبة بقطع العلاقات مع فرنسا وبطرد السفير الفرنسي و الديبلوماسيين الغربيين من تونس ووصف فرنسا والاتحاد الاوربي بالشريك الاستراتيجي.

كما أعلن مخلوف أن الائتلاف الذي يمثله مستعد للمشاركة في الحكومة الجديدة شرط تعهدها ب”محاربة الفساد الاداري والمالي والرشوة وبوقف الاف الاضرابات والاعتصامات التي تسببت في افلاس كبرى المؤسسات العمومية التونسية وعلى رأسها شركة الفوسفاط والاسمدة الكيمياوية “.

ونفى مخلوف ورفاقه صفة ” السلفية ” و” التطرف يسارا او يمينا ” عن المرشح للرئاسة قيس سعيد وأوردوا أن غالبية الشباب والمهمشين انتخبوه في الدور الأول وسيعيدون انتخابيه “تقديرا لنظافة يديه ونزاهته وخبرته القانونية والسياسية والعلمية …”.

استقلالية عن اليسار واليمين ؟

في نفس الوقت دعا الفائز بالمرتبة الأولى في الدور الاول للانتخابات الرئاسية قيس سعيد التونسيين إلى اعطاء أولوية مطلقة لمطالب الشباب العاطل عن العمل والمهمشين والابتعاد عن الانخراط مجددا في “المعارك الايديولوجية والسياسوية” .

وأكد سعيد في تصريحاته على استقلاليته عن كل الأحزاب والكتل البرلماانية والتيارات السياسية واعتبر أنه ” ابن الشعب وينتمي الى الوطن والى الشعب ” .

كما رفض سعيد مقابلة قيادات كل الأحزاب ورؤساء القائمات المستقلة في الانتخابات البرلمانية والتقاط صور معها بما في ذلك قيادات الاطراف اليسارية والاسلامية والقومية التي دعت الى التصويت لفائدته في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية مثل حركة النهضة الإسلامية بزعامة راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو والتيار القومي العروبي بزعامة زهير المغزاوي والصافي سعيد والتيار الديمقراطي بزعامة محمد عبو وغازي الشواشي وحركة الوطنيين الديمقراطيين اليسارية بزعامة المنجي الرحوي وزياد الأخضر..

منطق ما بعد الانتخابات

لكن هل يمكن أن تدوم المزايدات الكلامية والسياسية طويلا أم سوف تفرض مشاورات تشكيل الحكومة منطق ” براغماتية جديدة ” ومنطق “مابعد الحملات الانتخابية “؟

تصريحات أغلب السياسيين المعنيين بالمشاركة في الحكومة القادمة ورئاسة البرلمان الجديد ولجانه المختصة تؤكد أن ” شعارات القطيعة ” التي برزت أثناء الحملة الانتخابية مرشحة لأن تختفي ، بما في ذلك فيما يتعلق ب” القطيعة مع رموز المنظومة القديمة وحزب الباجي قائد السبسي الذي تصدر مؤسسات الدولة خلال الاعوام الخمسة الماضية ” ، على حد تعبير عبد الفتاح مورو رئيس البرلمان بالنيابة ونائب رئيس حركة النهضة .

محمد المسيليني الفائز عن حزب الشعب القومي العربي مع 15 من رفاقه ، المعارضين في نفس الوقت للاسلاميين وللماركسيين ، لم يستبعد أن تشارك كتلته النيابية وحركته في الحكومة القادمة بزعامة حزب النهضة بشروط من بينها ” خروج النهضة من لعبة المحاور العربية والاسلامية و من جبهة الاطراف المعارضة لتطبيع علاقات تونس مع دمشق مجددا”.

كما لم يستبعد المسيليني أن تختفي تدريجيا تصريحات قيادات النهضة وحلفائها التي تبنت قبل أسابيع شعارات ” ثورية ” بهدف كسب ود الناخبين .

أصدقاء وشراكة قديمة

ورجح البرلماني ورئيس القطاع الثقافي في حركة النهضة العجمي الوريمي أن تشمل مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة قيادة حزب قلب تونس بزعامة نبيل القروي ورفاقه الذين أورد أن أغلبهم من بين “أصدقاء قيادة النهضة ودخلوا معها في شراكات خلال الأعوام الخمسة الماضية عندما كانوا في حزب النداء بزعامة قائد السبسي”.

وقلل الوريمي من تصريحات القروي ورفاقه التي أعلنت مجددا استبعاد المشاركة في نفس الحكومة مع ” ممثلي الإسلام السياسي” و” الاخوان”.

واستطرد قائلا : ” حركة النهضة تطورت الى حزب مدني تونسي يتمسك بدستور البلاد وقوانينها ، لذلك ربطت علاقات صداقة وتعاون بين زعمائها وبينهم رئيسها راشد الغنوشي وممثليها في حكومات الاعوام الثمانية الماضية مع القروي وقائد السبسي و قيادات أحزاب اليمين واليسار بينهم غالبية مؤسسي حزب ” قلب تونس” الذي اصطف حوله مؤخرا كثير من المشنقين عن حزب ” النداء”.

ونشرت صحيفة الشارع المغاربي الليبيرالية والمعارضة للنهضة تحقيقا مطولا تحت عنوان ” علاقة بين راشد ونبيل : أسرار تكشف لأول مرة ” استحضرت فيه مديرة الصحيفة الاعلامية كوثر زنطور صفحات من الشراكة القديمة بين الغنوشي والقروي ورفاقهما سياسيا واقتصاديا واعلاميا في تونس وليبيا وتركيا واوربا..

رئيس حكومة مستقل والغنوشي في البرلمان ؟

كما لم يستبعد محمد عبو وغازي الشواشي ورفاقهما في قيادة حزب التيار الديمقراطي اليساري المعتدل مشاركة حزبهما في الحكومة القادمة بزعامة النهضة اذا توفرت شروط بينها محاربة الفساد في قطاعات الامن والقضاء والوظيفة العمومية . وشكك عبو في جدية تلويح قيادة النهضة بالقطيعة مع المتهمين بالرشوة والفساد من بين حلفائهم السابقين في الحكم وبينهم قيادات حزبي قائد السبسي والقروي .

وقد روجت أوساط سياسية واعلامية متطابقة أن النهضة التي لم تفز الا ب52 مقعدا في البرلمان الجديد يمكن أن تقبل بتعيين خبير اقصادي أو شخصية سياسية مستقلة ” اعتبارية ” على رأس الحكومة ووزارات السيادة ، في صورة فوز” صديقها” قيس سعيد في الرئاسة وترشيح زعيمها راشد الغنوشي أو أحد المقربين منه لرئاسة البرلمان .

لكن الوزير السابق والبرلماني القيادي في النهضة سمير ديلو استبعد ترشيح الغنوشي لرئاسة البرلمان ، وتوقع أن يبت في اسماء المرشحين لرئاسة البرلمان والحكومة والمواقع المهمة في الدولة بالتشاور بين الأطراف التي سوف تشارك في الائتلاف الحكومي الجديد والتي ينبغي أن تكون أولوياتها ” خطة طوارئ تنموية اقتصادية اجتماعية” و خدمة الامن القومي للبلاد.

إذا تشكل الائتلاف الحكومي على هذا الأساس تكون تونس أغلقت ملف ” المعركة الأخيرة ” ذات الصبغة الايديولوجية بين الاسلاميين والعلمانيين أو بين الحداثيين والسلفيين .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *