المواسم الانتخابية بين الخدمة الوطنية و..مطاردة الغنائم أو… “الأسماء” و”الرسوم” .. بقلم بحري العرفاوي

المواسم الانتخابية بين الخدمة الوطنية و..مطاردة الغنائم أو… “الأسماء” و”الرسوم”  .. بقلم بحري العرفاوي

1: السياسة بين المسارات الكفاحية و التموقع الغنائمي

لم يكن العمل السياسي يغري عموم التونسيين في عقود الاستبداد إنما كان يُغري فئتين:

ـ فئة تقبل بأن تكون في وضع الاستخدام والحشو الحزبي مقابل منافع مادية أو تحقيق أمان من بطش السلطة وأعوانها.

ـ وفئة ذات وعي حاد تمارس الكفاح المُواطني ضد الاستبداد والفساد وهي فئة عادة مطاردة وتتعرض لمتاعب ومصاعب قد تطال عائلاتها أيضا.

بعد 2011 طغت السياسة على كل المناشط وابتلعتها وأصبحت كل المجالات متأثرة بها من ثقافية ونقابية وإعلامية وحتى دينية.

ازدحم المشهد حتى لم نعد لنفرق بين قديم وجديد وبين ثوري وزلم بين ضحية وجلاد بين فاسد ومصلح فالكل يلهجون بالمظلومية وحتى من اختفوا لسنتين عادوا الى المشهد وتوزعوا في الأحزاب وقد بلغت مائتين وعشرين.

المواسم الانتخابية تحولت الى مواسم لتكثيف الحركة وتحريك الصورة وتصوير الخفايا وإخفاء الحقائق وتحقيق الشهوات واشتهاء الكراسي والمنح وأضواء القنوات.

المزدحمون على المشهد في المواسم الانتخابية صنفان:

ـ صنف يرى أنه مدين لوطنه وأنه معني بخدمته ويرى في نفسه كفاءة واقتدارا ولا يجد حرجا في عرض نفسه على “ميزان” الناخبين يُصعّدونه إلى البرلمان أو يصعد منه إلى وزارة ما..هذا الصنف لا نملك إلا أن نحييه وأن نعلي من شأنه وأن نعمل على إسناده خدمة للبلاد والعباد.

ـ صنف ثان ممن أمضوا سنوات في لعن الحكومات والسياسيين وممن ظلوا يستجمعون جامات الفايسبوك يتمنونها أصواتٍ في الصناديق وممن داوموا على شتم الناس ولعنهم وغدر حتى أصدقائهم وممن بالغوا في الثورية والصراخ حتى توهموا أن الناس رهائن وأنهم محررون لهم وممن استجمعوا من المال حلالا وحراما يظنونه مُعَبّدا لمسالك السياسة وممن لا علاقة لهم لا بالفكر ولا بالمعنى ولا بالثورة ولا بالفن ولا بالعواطف وإنما هم أجلاف متعجرفون بذيئون فاسدو الذائقة وفاقدو الأدب واللياقة وعديمو الأصل والرجولة.

مهم جدا تقدم أصحاب الكفاءات والمهارات والرشاقة السياسية واللياقة التواصلية والبرامج التنموية والرؤى الفكرية والمشاريع الثقافية، ولهم علينا الإسناد والدعم والثناء.
أما أن يتجرأ على التقدم إلى صناديق الاقتراع فاقدو السند المعرفي والقاصرون عن الحركة الذهنية وذوو الاحتياجات الأخلاقية فهذا ما يجب التصدي إليه ومواجهته، لا بالمنع القانوني حتى لا يُقال عودة الاستبداد والإقصاء وإنما بطريقتين:

ـ طريقة أولى تعتمد تنمية الوعي السياسي لدى المواطنين حتى لا يُغريهم الزائفون فيصوتون إليهم.

ـ وطريقة ثانية هي كشف هؤلاء المحتالين مهما كان الغطاء الذي يتغطون به سواء كان خيريا أو ثوريا أو دينيا وكل هذه الأصناف موجودة ومتسللة إلى الموسم الانتخابي يسبقها لعاب مالح وألسِنة متدلية تلعق السراب.

 

2: مرشحو الانتخابات: “الأسماء” و”الرسوم”

نفرق بين “الأسم” بما هو عنوان لأفكار ومعانٍ وتحارب ومواقف وقيم وعلاقات ، وبين “الرسم” بما هو حروف تدل على شخص معين بلا تاريخ ولا أفكار ولا رؤية ولا “شخصية” يمكن نقدها ومناقشتها والحكم عليها وإليها.

أغلب المترشحين هم “رسوم” و”شخوص” لا هم “أسماء” ولا هم “شخصيات” إذ لا نعثر لهم على موقف يميزهم عن غيرهم ولا نقرأ لهم نصا يعبرون فيه عن تصورهم وفهمهم وتعريفهم للسياسة وللوطن وللمواطنة وللإنسان وللدولة وللمدنية بل وحتى لا مفهوم لديهم للإنتخاب ولمهمة النائب ولا تصور يقدمونه لمشاريع تخدم جهتهم ومتساكنيها.

ربما يردد كثيرهم برامج وخطاب الاحزاب وهذا لا يصنع منهم “أسماء” و”شخصيات” إنما يظلون “رسوما” و”شخوصا” لكونهم إذ يرددون خطابا جاهزا لا يُضفون عليه من روحهم وتفاعلهم وحماستهم ولا يجتهدون في الإثراء والإضافة والتفصيل بل يلتزمون التزام المقلد التابع والطيّع الخانع يخشى أن يتجاوز “الحدود” حتى في المفردات والصياغات.
هؤلاء يمثلون عبئا على الحياة السياسية وعلى الديمقراطية لأنهم لا يُنتجون سياسة ولا يعطون للديمقراطية “معنى” حين لا يجعلونها احتكاما للأفكار والبرامج والرؤى و”الشخصيات” بما هي تلك الافكار وتلك الرؤى وتلك الخطابة والإبداع والروحية الإنسانية والكفاحية.

كناخب واع ومسؤول عن اختياري لا أنتبه لمثل تلك “الرسوم” و”الشخوص” ولا تعنيني ولا أهتم بها وأنا أجدها كأحجار بناية لا حراك لها ولا حركة ولا تمايز ولا تفاعل وإنما هي مرصفة ترصيفا كما أرادها “البنّاءُ” وصاحب البناية، تلك ّالرسوم” و”الشخوص” تنتصب كعارضات أزياء أو كعلامات سير في طريق صحراوية لا علاقة لها بالفكر والثقافة والإنسان.

أتابع كثيرا من حسابات المعروضين على التصويت فلا أجد إلا بعضا من الأصدقاء ممن ينتجون أفكارا ويتحدثون في المعاني ويُفصلون في السياسة وفي الأحداث والحوادث، ولكن الغالب الاعم هم من “الرسوم” و”الشخوص” وأعتقد أنهم من الكسالى ذهنيا والباردين وجدانيا ومن قساة الطباع ومعقدي المزاج وفاسدي الذائقة وعيِيّي اللسان وممن لا شعور لديهم بمسؤولية تجاه الوطن والناس.

الميزان الانتخابي عندي يقوم على السؤال التالي: هذا المترشح هل هو “اسم” أم “رسم” هل هو “شخصية” أو “شخص” ؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *