كلفة غياب الاستقرار في ليبيا على تونس

كلفة غياب الاستقرار في ليبيا على تونس

مغرب نيوز – عزيزة بن عمر

تُبرز المراجعة الدقيقة لتاريخ كل من ليبيا و تونس، في مختلف الحقب و المراحل التاريخية، تأثيرا متبادلا و انعكاسات مؤكدة لأحداث أيّ من البلدين على البلد الآخر، و خاصة عند الأزمات، سواء أكانت طبيعية كالجفاف مثلا أو اجتماعية كالصراع بين القبائل أو اقتصادية أو سياسية؛ وذلك بحكم المقومات المشتركة للشعبين (تاريخية و جغرافية و اجتماعية و حضارية زادتها المحن و الشدائد صلابة،)و بحكم تكامل اقتصادي مفترض قابل للتحقّق إذا توفرت الإرادة السياسية.

إلا أن ما يعيشه القطر الليبي من معارك ضارية في العاصمة طرابلس، تفاقم من انسداد أفق الحل السياسي بين أطراف النزاع بهذا البلد، و تعمّق مخاوف تونس من كلفة تخشى الأخيرة أن تكون باهظة.قوات حفتر تتراجع في غريان عقب اشتباكات جنوبي طرابلس

فتونس التي تشترك مع ليبيا بخط حدودي بطول نحو 500 كلم، تقف متوجّسة من تداعيات اقتتال دخل أسبوعه الثاني، عقب إطلاق الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، في 4 أفريل الجاري، عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس.

و مع أنّ حفتر فشل -حتى الآن- في تحقيق تقدّم على الأرض، إلا أن الامتداد الزمني للمعارك يزيد من مخاوف تونس التي أعلنت قبل أيام قليلة، أن 24 أوروبيا مسلحا، بينهم 13 فرنسيا، اجتازوا حدودها قادمين من ليبيا.

كما أن شبح الهجمات الإرهابية التي ضربت البلاد، في السنوات الماضية، لا تزال عالقة بالذاكرة الجماعية للتونسيين، ما يشرعن بطريقة أو أخرى، المخاوف من كلفة باهظة للصراع الليبي على أمن البلاد.

تحديات عسكرية…

لم تقتصِـر تداعِـيات الصراع في ليبيا على الإنعكاسات السياسية الإقليمية، و إنما ترتَّـبت عليها أيضا تداعيات عسكرية إذ عزّز الجيش الوطني مواقعه مؤخَّـرا على الحدود الجنوبية الشرقية مع ليبيا. فوزارة الدفاع أعلنت اتخاذها جميع الاحتياطات الميدانية لتأمين الحدود الجنوبية الشرقية، و مواجهة التداعيات المحتملة تحسبا لما قد ينتج عنه من انعكاسات على المناطق المتاخمة للحدود التونسية الليبية.

كما جددت دعوتها لأطراف الصراع للسعي من أجل التوصّل لحل سلمي توافقي، واصفة التصعيد العسكري الذي تشهده ليبيا بـ”الخطير”.

بدورها، دعت رئاسة الجمهورية إلى ضرورة تجنّب التصعيد العسكري في ليبيا، و إنهاء الاقتتال بين أبناء الشعب الواحد.Résultat de recherche d'images pour "‫خميس الجهيناوي وفايز السراج‬‎"

و حثت جميع الأطراف في ليبيا على الالتزام بالتهدئة و ضبط النفس، و تغليب الحوار، و على أهمية الحفاظ على المسار السياسي لحلّ الأزمة برعاية أممية.

أما وزارة الدّاخلية فرفعت جاهزيتها، و حذرت من خطر تسلل عناصر إرهابية عبر الحدود الشرقية، بسبب الوضع الأمني في ليبيا.

وزير الخارجية يدعو إلى ضبط النفس و العودة إلى المسار السياسي:

:Résultat de recherche d'images pour "‫خميس الجهيناوي وفايز السراج‬‎"

من جانبه دعا وزير الشؤون الخارجية خميس الجهيناوي كل الأطراف في ليبيا إلى ضبط النفس و تغليب لغة الحوار و العودة إلى المسار السياسي الذي ترعاهالأمم المتحدة، للتوصل إلى حل سلمي توافقي ليبي- ليبي يعيد الأمن و الاستقرار إلى هذا البلد.
و في اتصالين هاتفيين منفصلين بكل من الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة رئيس بعثة الدعم الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، ووزير الخارجية الليبي محمد الطاهر سيالة يوم أمس الأربعاء، شدد الجهيناوي على ضرورة إنهاء الاقتتال في ليبيا.
وأكد وزير الخارجية دعم تونس للجهود التي تقودها الأمم المتحدة لوضع حد للقتال الدائر في عدد من المناطق الليبية وخاصة العاصمة طرابلس، ولإنهاء التصعيد العسكري حقنا لدماء أبناء الشعب الواحد وحفاظا على سلامة المدنيين الأبرياء وأمنهم.
كما أبرز حرص تونس التام، اعتبارا لأواصر الأخوة التي تربط الشعبين التونسي والليبي، على مواصلة مساعدة الأشقاء في ليبيا، على المستوى الثنائي أو في إطار المبادرة الثلاثية لرئيس الجمهورية، على تجاوز هذه الأزمة الخطيرة واستئناف المسار السياسي الجاري برعاية أممية.

** مناخ ملائم للإرهاب

محمد بوعود الصحفي و المحلل السياسي رأى أنّ “عدم الاستقرار في المنطقة الغربية بليبيا يمكن أن يعمق حالة الفوضى، و يضعف سلطة القوات المُوالية لحكومة الوفاق، ما قد يؤدّي إلى عودة تمركز الدواعش على الحدود التونسية”.

و في حديث ” لمغرب نيوز” لفت بوعود إلى أن “ما يحدث في ليبيا من شأنه أن يخلق مناخا ملائما لنشاط الإرهابيين، و استغلال أجواء الفوضى”.

فـ”حالة الفوضى”، يضيف، “ستزيد من صعوبة مهمة الجانب التونسي في إيجاد طرف في ليبيا للتنسيق معه، باعتبار أنّ الأطراف الليبية منشغلة في الصراع الداخلي”.

و أضاف بوعود “تونس تعتمد إجراءات أمنية معتادة في مثل هذه الحالات، خصوصا في المنطقة العسكرية العازلة على الحدود مع ليبيا، وهي خطة تستوجب يقظة برية وبحرية.”

ومستدركا أن “الوضع في ليبيا قد ينهك قدرة الجيش والأمن (التونسيين)، لتأمين الحدود، لكنها تظل في حالة تأهب قصوى.”

أما المحلل السياسي باسل الترجمان، فاعتبر أنّ “تونس تدفع منذ 2011 غاليا ثمن حالة الانفلات الأمني و السياسي في ليبيا، وخاصة بالمناطق التي يتركز فيها أكبر عدد من الليبيين غربي البلد الأخير، المتاخمة للحدود التونسية”.

و تابع أنّ “كل الأحداث الدّامية التي عرفتها تونس، كانت متأتية من ليبيا التّي احتضنت عناصر إرهابية خطيرة”.

ووفق الترجمان، ينبغي التذكير بالهجوم الإرهابي الأخير الذي شهدته تونس، والذّي استهدف، في 2016، مدينة بنقردان جنوب شرقي تونس، على الحدود مع ليبيا، و فائز السراج على رأس حكومة الوفاق الليبي (المعترف بها دوليا)”.

و خلص إلى أن كل ما تقدم “كلف تونس خسائر كبيرة جدا، و أجبرها على نشر آلاف قوات الأمن و الجيش على المناطق الحدودية، لمنع تسلل الإرهابيين، وتكرار تهديدهم للأمن القومي”.
وفي 2016، هَاجمت جماعات إرهابية مقر ثكنات عسكرية و أمنية ببنقردان، ودخلت في مواجهات مع قوات الأمن والجيش، قُتل خلالها 55 مسلّحا، و12 من قوات الجيش والأمن، و7 مدنيين.
** تأثير اقتصادي

و في ما يخص تداعيات الوضع في ليبيا على اقتصاد تونس، اعتبر الخبير الاقتصادي عزالدين سعيدان ” لمغرب نيوز” أن هذا التأثير “لن يقتصر على تونس، فليبيا بلد نفطي و الصراع القائم فيها قد يؤثر على ارتفاع أسعار المحروقات، وعلى مضاربات سوق النفط (العالمية)، رغم أن سياسة الأوبك (منظمة الدول المصدرة للنفط) الحالية قائمة على عدم زيادة الإنتاج للمحافظة الأسع ار” ، مضيفا أن “التبادل التجاري بين البلدين بالأعرج، بعد تراجع الصادرات بشكل مخيف نحو ليبيا، فيما باتت الواردات تذهب إلى التهريب و السوق الموازية”، على حد قوله.

من شأنه اعتبر المختص في الشّأن اللّيبي بشير الجويني في تصريح إعلامي أنّ “ما يحدث في طرابلس التي تضم أكثر من ثلث سكان ليبيا وتتواصل جغرافيا اجتماعيا مع تونس، يؤثر بشكل مباشر على تونس”.

وأوضح الجويني أنّ “الربط الآلي بين الإرهاب والمناطق الحدودية هو في تقديري خطأ مقصود يراد به التعتيم عن التهريب”.

وتابع أن “ما يحدث في الجنوب التونسي هو عملية طبيعية لتداخل النسيج الاجتماعي والاقتصادي، ولا سبيل لمكافحة (التهريب) والقضاء عليه إلا بتوفير تنمية حقيقية إدماجية ومندمجة، تضمن الديمومة و الاستمرارية، و في توجه يدعم اقتصادا تونسيا ليبيا يضمن الربح المشترك”.

** مصالح “أمنية”

و بخصوص الموقف التونسي تجاه الوضع في ليبيا، أشار محمد بوعود إلى أن “السياسة المعلنة تبدو متوازنة، و المصلحة التونسية تكمن في الإبقاء على علاقة جيدة مع جميع الأطراف، و أيضا مع المنطقة الغربية التي تمسك بالجانب الأمني، و هذا يعني الحفاظ على علاقة قوية معها.”

و أضاف أن “الوضع في ليبيا غامض إلى حد الآن، و طبيعة هجوم حفتر على طرابلس، تعتمد أساسا على تعميق الخلافات القبلية لمحاصرة العاصمة.”

و تابع: “يبدو أنّ حفتر تعطل، و الخشية أن يطول هذا الصراع و يستنزف قوة الأطراف اللّيبية، رغم وصولهم إلى اتفاقات مبدئية برعاية أممية، إلاّ أن هذا الهجوم أبطلها وعقد الأمور أكثر.

و بحسب محمد بوعود لتونس اهتمامات استراتيجية في ليبيا تشمل محورين؛ وجود سلطة مركزية قوية في ليبيا تقضي على الإرهاب وحالة الفوضى و استعادة الأمن في المنطقة، و ثانيا استعادة النسق الطبيعي للتبادل التجاري بين للبلدين”.Résultat de recherche d'images pour "‫خميس الجهيناوي وفايز السراج‬‎"

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *